وكان سببه أن المغيرة بن شعبة أتى برجلين من الخوارج فحبسهما، وكتب إلى معاوية في أمرهما، وكان المغيرة يتقي الدماء، وكان أحد الرجلين من بني تميم والآخر من محارب، فكتب معاوية إلى المغيرة: إن شهدا أني أمير المؤمنين فخل سبيلهما، وإن أبيا ذلك فاقتلهما. فجاء بنو تميم فشهدوا على صاحبهم بالجنون فخلى سبيله. ثم دعا بالمحاربي، وكان يقال له معين - وقبيصة بن القين جالس عند المغيرة - فقال لمعين: أتشهد أن معاوية أمير المؤمنين؟ قال: أشهد أن بني تميم أكثر من محارب! فقام قبيصة بن القين فقال: أصلح اللّه الأمير،
_________________
(١) يقال لفظ عصبه، بسكون الصاد، إذا مات. والعصب: الريق يعصب بالفم أي يغرى به فييبس. انظر اللسان (لفظ ٣٤٢).
[ ٢ / ١٧٤ ]
أسقني دمه. قال: اضرب عنقه. فضرب قبيصة عنق معين الخارجي.
فمضى المغيرة، وولي بعده زياد بن أبيه، وبعده عبيد الله بن زياد، ثم خالد ابن أسيد، ثم الضحاك بن قيس الفهري، ثم عبد الرحمن بن أم الحكم، ثم النعمان بن بشير - إلى أن ولي بشر بن مروان بن الحكم، فأكرم هذا الحي من قيس - وكانوا أخواله - ثم بني عامر خاصة، وأكرم قبيصة بن القين الهلالي، فتقدم رجل (^١) من عمان يرى رأي الخوارج فدخل مسجد الكوفة، فأتى حلقة فيها قبيصة بن القين في صدر المجلس، فقال العماني ليفهم: من هذا؟
فقال: قبيصة بن القين خال الأمير. قال: ما أعرفه. فقال الرجل المسؤول: هذا قاتل معين الخارجي المحاربي! فأقبل على الذي يليه فسأله كما سأل الأول، فقال له مثل قول صاحبه، حتى سأل أربعة نفر، فاتفقوا على قول واحد، فلما اجتمعوا على منطق واحد انطلق إلى الصياقلة، وفي كمه نفيقة (^٢) له، فطلب سيفًا صارمًا، فأتى بسيف من البيض، فهزّه فإذا هو شديد المتن فاشتراه وكانت الأمراء تعشي عند العصر فلا تفرغ إلا عند احمرار الشمس. فخرج قبيصة بن القين من عند بشر، فعرض له العماني فقال: أصلحك الله، إني رجل غريب ظلمني عاملي ولا أحد لي، وقد أخبرت بمكانك من الأمير. فقال: هي! - وطولها وهو يسير رويدًا، والعماني يتلفت يريد الخلوة من الطريق، وقبيصة يسير رويدًا حتى انتهى إلى دار السمط بن مسلم (^٣)، إلى زقاق يأخذ إلى بني دهن من بجيلة، فخلا له الطريق فطرح بته وقال: لا حكم إلا الله، يا ثارات معين (^٤)! ثم ضربه
_________________
(١) في النسختين: «إلى رجل».
(٢) مصغر نفقة، أي مال.
(٣) انظر الاشتقاق ٣٠٣.
(٤) يا ثارات، كذا ورد في النسختين، والمألوف «يا لثارات».
[ ٢ / ١٧٥ ]
ضربة أطن منها فخذه، ثم ولي العماني وأقبل الناس إليه، فنادى قبيصة: إنه لا بأس علي، أدركوا الرجل. فلما سمع العماني قوله: «لا بأس علي» رجع على الناس فصاح بهم: أفرجوا. ففرجوا له وضربه حتى قتله، ومضى العماني فطلب فلم يوجد.
فذكروا أنه خرج بعد ذلك مع شبيب بن يزيد الشيباني، وكان بشر أخذ بالعماني يومئذ البريء والسقيم. فلما دخل شبيب الكوفة والحجاج أمير العراق جعل العمانىّ يصيح: يا أهل الكوفة، يا فسقة، تأخذون البريء بالسقيم، أنا قاتل قبيصة بن القين!
ومنهم: