وكان ملك اليمن، ولم يكن من أهل المملكة، وإنما كان ملكهم حين قتل موثبان أخاه، فاضطرب أمرهم حتى ملكهم لخنيعة، وكان فاسقًا يعمل عمل قوم لوط، وكان يبعث إلى أبناء الملوك فيلوط بهم، وكانت حمير إذا ليط بالغلام لم تملكه ولا ترتفع به (^٢)، وكانت له مشربة فيها كوة تشرف على حرسه، فإذا أتاه الغلام ينكحه قطعت مشافر ناقته وذنبها، ثم يطلع لخنيعة من الكوة وفي فيه مسواكه فهي علامة نكاحه إياه، فإذا نزل الغلام صاحوا به: أرطب أم يباس (^٣)؟ فمكث كذلك زمانًا حتى نشأ زرعة وهو ذو نواس، وكانت له ذؤابة فبها سمي ذو نواس، وهو الذي تهود وتسمى يوسف، وهو صاحب الأخدود بنجران، وكانوا نصارى فحرقهم وحرق الإنجيل، وهدم الكنائس على أن يهودوا، فبسببه غزت الحبشة اليمن، وذلك لأن الحبشة نصارى، فلما علت الحبشة على اليمن (^٤) اعترض البحر فأقحمه فرسه فغرق. فلما نشأ زرعة هذا
_________________
(١) انظر ما سبق في ص ١١٧.
(٢) ا: «تنتفع به»، وصححه الشنقيطي موافقا ما في الأغانى ٢٠: ٨. والخبر بإيجاز عند ابن الأثير ١: ٢٤٩ - ٢٥٠».
(٣) لم ترد هذه الصيغة في المعاجم المتداولة. وفي الروض الأنف ١: ٢٩: «واليباس واليبيس مثل الكبار والكبير».
(٤) الأغانى: «فلما غلبوا على اليمن».
[ ٢ / ١٣٧ ]
قيل له: كأنك بالملك قد دعاك فيلعب بك كما لعب بغيرك! فاتخذ سكينًا رقيقًا (^١) فلما بعث إليه لخنيعة يدعوه عرف ما يريد، فجعل السكين بين أخمصه ونعله، وأتاه على ناقة له يقال لها سراب، فأناخها ثم صعد إليه، فلما صعد زرعة قام إليه كما كان يقوم لغيره، وذهب يعالجه، فانحنى زرعة وأخذ السكين فوجأ به بطنه (^٢) بجرأتهم عليه، فأقبل الحيّان شاكر ونهم إلى زيد بن مرت فقالوا: أنت سيدنا وأنت نديم الملك وجليسه، وقد آلى بما تعلم، وو اللّه لا يصل إلى إخواننا ومنّا رجل حي، فسله فليصفح. فقال: إنه قد آلى، ولا يرجع عن أليّته. قالوا:
فإن أبى فاقتله ونحن نملّكك علينا. قال: لا تعجلوا وأمهلوا حتى أرى لذلك (^٣) موضعًا. فأمسكوا. قال (^٤): فبينا زيد جالس مع علقمة إذ جرى ذكر السيوف، فقال علقمة: عندي سيف كان لأجدادي إليه الميل. فقال له زيد: أبيت اللعن، ادع به لأنظر إليه. فدعا به، فنظر إليه علقمة ساعة ثم ناوله زيدًا، فنظر إليه وإذا فيه مكتوب: «ضرس العير، سيف الجبر (^٥)، باست امرئ وقع في يده لم
_________________
(١) الأغانى: «فأخذ سكينا لطيفا خفيفا وسمه وجعل له غلافا».
(٢) هذه الكلمة لم تثبت في ا إلا في أسفل الصفحة، إشارة إلى أنها بدء الصفحة التي تليها. ومن الواضح أن بعدها سقطا تنتهى به هذه القصة، ثم تبتدئ به القصة التي تليها. وقد كتب الشنقيطي في هذا الموضع «يقين أن هنا نقصا». وتمام القصة في الأغانى: «فقتله واحتز رأسه فجعل السواك في فيه وأطلعه من الكوة، فرفع الحرس رؤوسهم فرأوه، ونزل زرعة فصاحوا: زرعة يا ذا نواس، أرطب أم يباس؟ فقال: ستعلم الأحراس، ألست ذي نواس، رطب أم يباس. وجاء إلى ناقته فركبها، فلما رأى الحرس الرأس صعدوا إليه فإذا هو قد قتل. فأتوا زرعة فقالوا: ما ينبغي أن يملكنا غيرك بعد أن أرحتنا من هذا الفاسق! واجتمعت حمير إليه».
(٣) ا: «لك»، والتصحيح للشنقيطى.
(٤) في النسختين: «فقال».
(٥) في النسختين: «الجير»، وإنما هو «الجبر» ومعناه الملك.
[ ٢ / ١٣٨ ]
يغضب لقومه» فهزّه زيد ساعة ثم ضربه به فقتله، ووثبت همدان فألبسوه التاج وملكوه عليهم. وفي ذلك يقول شاعرهم:
فيمَّم ضرسَ العير مفرق رأسه … فخرَّ ولم يثبتْ لحقِّك باطله
فلم أرَ يومًا كان أكثر باكيًا … غداة غدا ملْ بونِ تحدى رواحله
وغادره يكبو لحرِّ جبينه … وورِّث زيدًا تاجه وحلائله
ومنهم: