قالوا: - كان صاحب السمو الملكى الأمير فيصل - جلالة المغفور له الملك فيصل فيما بعد - على علم بما يكتبه عبد الله عريف كما كان يتابع أهم ما يكتب في الصحف باعتباره المرجع الأعلى في البلاد، كان في ذلك الوقت هو النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء كما كان ولى العهد، وذلك من منتصف الستينات إلى منتصف السبعينات - فلما أقصى عن العمل في جريدة البلاد وخلت بعد ذلك
[ ١ / ١٣٢ ]
بفترة وظيفة أمانة العاصمة في مكة المكرمة استدعاه جلالة الملك فيصل - كان يومها رئيسا للوزراء ووليا للعهد - وقال له إنني قد عينتك أمينا للعاصمة في مكة المكرمة وأريد منك أن تحول الأقوال التي كنت تنادى بها إلى إعمال فمجالك اليوم ليس في القول وإنما في العمل ولديك الفرصة لتترجم الإصلاحات التي كنت تدعو إليها إلى عمل ملموس، قالوا: وقال عبد الله عريف، إنني إذا لقيت من سموك العون فإنى فاعل ذلك بإذن الله، وقد انطلق عبد الله عريف أمينا للعاصمة بتأييد قوى من ولى الأمر معتمدا على جهده الشخصى في إعداد المشروعات التي يرى أنها لازمة للمدينة المقدسة مجندا لذلك كل ما يقع تحت يده من خبرات الخبراء وجهد العاملين فكان يعد المشروع ويذهب به إلى جلالة الملك فيصل شارحا أهميته ومطالبا برصد المال اللازم له فإذا أخذ الموافقة عليه انطلق في تنفيذه في غير تردد ولا إحجام متخطيا كل العقبات متغلبا على كل الصعاب، وللحقيقة فان عبد الله عريف كمكى كان متيما بحب بلده - أم القرى - وكان يرى ككاتب ومثقف أن مكة المكرمة هي أم المدائن، فهى مهبط الوحى، ومقر البيت الحرام، ومهد الرسالة وإليها يتجه الناس من كل أقطار الأرض خمس مرات كل يوم وإليها تحج مئات الألوف كل عام وإن مدينة هذا شأنها يجب أن تكون آية في النظافة والتنظيم وقدوة فيما يجب أن يتوفر في أى مدينة كبيرة مثلها، وبهذا الحب العميق، وبهذا الوعى الذكى وبذلك التأييد القوى استطاع عبد الله عريف أن يحول القول إلى عمل، وأن ينحى القلم جانبا ليعمل بكلتا يديه وبعقله وكل قوته في بناء مكة المكرمة مدينة حديثة نظيفة فشقت الشوارع بل وفلقت الجبال لتكون طريقا ممهدا للناس وأصلحت حوافيها وزينت وانتشرت الإضاءة في كل شوارع مكة المكرمة التي امتدت وتضخمت فأصبحت تمتد من ناحية الشرق حتى تجاوزت منى وابتلعتها ومشت من ورائها عشرات
[ ١ / ١٣٣ ]
الكيلومترات فكان حيُّ العزيزية وحوض البقر، وامتدت من جنوبها حتى شملت شارع المنصور والحفاير وحيُّ النزهة وامتدت شمالا فاتصل حى الشهداء بها الذى أصبح يطلق عليه الزاهر، وقامت نواطح السحاب في مكة المكرمة طبقات تعلوها طبقات كل هذا مع الحرص على توفير كافة الخدمات التي صاحبت هذا النمو من شوارع عريضة، ومن إضاءة كافية، ورصف للطوار وتشجير للشوارع وامتدت يد الإصلاح إلى ضواحى مكة فكان القادم إلى الحديبية على بعد بضع عشرة كيلومترات يجد مدخل مكة المكرمة هناك مضاء يمتد الشجر على جانبيه وكأنه يشير إلى ما سيجده القادم في مكة نفسها من جمال وتنظيم، بل أن عبد الله عريف سعى لتجميل مدينة بحرة وهي في منتصف الطريق بين جدة ومكة باعتبارها تابعة لمكة المكرمة، ولم تقتصر جهود عبد الله عريف على ذلك ولكنه سعى إلى إيجاد المسالخ الحديثة في مكة ومنى كما أنه كان يجند كل إمكانات أمانة العاصمة لنظافة منى والمشاعر المقدسة في مواسم الحج وكان دائم التفكير والتخطيط لكل ما يراه لازما لتجميل المدينة المقدسة وتحسين مرافقها وإظهارها بالمظهر اللائق بمكانتها الدينية والتاريخية ونستطيع أن نقول أن عبد الله عريف قد نجح فيما هدف إليه فتغير وجه مكة المكرمة في عهد رئاسته لأمانة العاصمة المقدسة تغيرا ملموسا يلمسه كل زائر وكل مقيم. وكانت النظافة أهم المرافق التي حرص عليها عبد الله عريف فقد كان يمر بنفسه على الشوارع وخاصة الشوارع النائية ليرى حال النظافة فيها ويحاسب المسؤولين عنها فاستطاعت مكة بهذا أن تحافظ على نظافة شوارعها وطرقها في الوقت الذى كانت تشكو فيه مدن كثيرة أخرى من تردى أعمال النظافة فيها وللحق فإن العمل في تحسين مكة المكرمة لم يكن وقفا على أمانة العاصمة وحدها وإنما كان يشترك في ذاك بحكم مركز المدينة المقدسة جهات كثيرة فالدولة نفسها كانت ترعى مشروع توسعة
[ ١ / ١٣٤ ]
الحرم المكى الشريف وهو أضخم مشروع من نوعه في التاريخ للمسجد الحرام شمل مشعرى الصفا والمروة، كما أن الدولة وخاصة بعد تأليف الوزارات المختصة تكفلت بشتى المشاريع التي تعتبر ضرورية للمدينة المقدسة والتى ساعدت في تحسينها وإكمال مرافقها كمشاريع مياه عين زبيدة والعزيزية التي كانت إدارة مستقلة ثم أصبحت تابعه لوزارة الزراعة والمياه، ومشاريع الحج سواء ما يتعلق منها بمنى وعرفات والمزدلفة أو ما يتعلق بمكة المكرمة والتى تألفت لها لجان خاصة ترعاها الدولة ويضطلع بها سمو أمير منطقة مكة المكرمة وسمو وزير الداخلية ووزارة الحج واللجان المتفرعة عن هذه الجهات كلها ومشاريع الكبارى والطرق في منى وعرفات وطرق الحج والتى امتدت إلى مكة المكرمة فشملت مداخلها وبعض شوارعها الرئيسية، نعم إن الدولة بكامل أجهزتها كانت ولا تزال مجندة في تحسين مرافق المدينة المقدسة وما يتبعها من مشاعر الحج فمن العدل أن نذكر هذه الجهود كلها إلى جانب جهود أمانة العاصمة، ولعل من حظ عبد الله عريف أن عهد رئاسته لأمانة العاصمة شهد كل هذه المشاريع وكل هذه الإنجازات ولا شك أنه أمين للعاصمة محظوظ ولا شك أيضا أنه كان يستحق هذا الحظ الطيب لأنه لم يركن إلى الحظ فينام متكلا على أعمال غيره وإنما ساهم بكل قوته في تجميل المدينة وتحسينها وكان منسجما مع كل إصلاح يطرأ ومع كل مشروع ينفذ كما كان يحافظ على مكتسبات هذا النجاح بالسهر الدائم والعمل الدؤوب.