وعلى ذكر منزل آل قابل الذي ذكرنا أنه يقع في الحدود ما بين حارة الشام والمظلوم نذكر هنا حادثة طريفة تتعلق بموضوع حارات جدة والعنعنات التي كان يتمسك بها رجال الحارة أو الحارات على الأصح وهي تدل على مدى العقلية التي كانت تتحكم في عقول بعض الناس في النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري الذي ودعناه منذ بضعة شهور، كانت مدينة جدة تنقسم إلى أربع حارات هي: حارة الشام وكانت في شمال المدينة وفيها مقر الحكومة ومقر السفارات والشركات الأجنبية، مما يلي البحر والشمال وحارة المظلوم وهي تقع في شرق مدينة جدة وتمتد إلى وسطها، وحارة اليمن وهي في جنوب جدة وكان يتمركز فيها وكلاء الحجاج وينزل فيها الحجاج قبل بناء مدينة حجاج البحر وحارة البحر وهي ممتده إلى جوار البحر من الجنوب باتجاه الشرق ويسكن فيها البحارون وملاك الزوارق البحرية وما إليها وكل من تتعلق أعمالهم بالبحر يوم
[ ١ / ٥٨ ]
أن كان للبحر رجاله وعماله من أهل المدينة قبل التطور العظيم الذي أدخل على ميناء جدة (^١).
نقول كان رجال كل حارة يعتبرون حارتهم معقلا لهم وينظرون إليها نظرة فيها كثير من العصبية إذا جاز هذا التعبير فلا يسمحون لرجال الحارات الأخرى بالدخول إليها في المواكب والحفلات إلا بعد ترتيب خاص يخبرون فيه أهل الحارة بقدومهم، وحدث أن أقام الشيخ محمد الطويل كبير جدة في ذلك الزمان عرسا لأحد أقربائه وكان الشيخ محمد الطويل من سكان حارة الشام وكان أهل العروس يسكنون في حارة اليمن وفي الهزيع الأخير من الليل قام موكب العريس من بيت الشيخ محمد الطويل بحارة الشام يحف به المنشدون المشهورون في ذلك الوقت وتتقدمه المصابيح الغازية الكبيرة - الأتاريك - يحملها الرجال، كما كان يمشي حملة مباخر العود بين يدي العريس وحينا وصل الموكب الذي كان يمشي فيه كثير من أعيان المدينة ورجالها وشبابها إلى حدود حارة اليمن وتقع هذه الحدود أمام مسجد المعمار عند بيت آل الجمجوم في ذلك الوقت تعرض بعض أهل حارة اليمن للموكب وطلبوا منه العودة من حيث أتي قائلين - هذه حارتنا ولن نسمح لكم بالدخول وأصر أهل حارة الشام على الدخول فكيف يعودون ومعهم هذا الموكب الضخم العظيم وفقد رجال الحارتين أعصابهم فتسابوا ثم استعملوا عصيهم يضربون بها بعضهم بعضا وانفرط عقد الموكب وتفرق الناس خائفين على أنفسهم من نتائج المعركة المجنونة التي نشبت فجأة دون إنذار والتي أوقد شعلتها شباب غير مسؤولين فقدوا أعصابهم في ساعة من ساعات الحمية الكاذبة ولم يستطع العقلاء التدخل وإيصال العريس إلى منزل عروسه إلا بعد مشقة وتعب ولكن كان الضرب قد حدث وكذلك الإصابات في الجانبين وتدخلت الشرطة وأخذت
_________________
(١) أصبحت محلات جدة أو حاراتها الآن أكثر من عشرين حيا وأصبحت لها عدة بلديات بعد أن تضاعف نمو المدينة أكثر من عشرين ضعفا ..
[ ١ / ٥٩ ]
الجميع إلى السجن وكان مساعد قائممقام جدة يومها المرحوم الشيخ عبد العزيز بن زيد وسمعته يقول: إن كانت هذه المعركة بسبب الحدود فإننا سنرسل المتقاتلين إلى الحدود الحقيقية لحمايتها أما هذه الحدود داخل المدينة الواحدة فهي حدود كاذبة مفتعلة ولقد كانت هذه الحادثة هي آخر ما أعرفه عن حوادث الحدود بين الحارات إذ كان تصرف الدولة الحازم كفيلا بالقضاء على هذه النعرات إلى غير رجعة والحمد لله.
نعود بعد هذا الاستطراد الذي جرنا إليه موقع منزل آل قابل في مدينة جدة إلى الشيخ سلمان قابل فنقول إنه توفي إلى رحمة الله تعالى بعد مرض ألَمَّ به سافر من أجله للاستشفاء في مدينة القاهرة ثم عاد إلى مدينة جدة ولكن الأجل كان قد دنا فتوفي وكأنما كانت وفاته نذيرا بانطواء تاريخ الأسرة التي كان يجمع شملها ويرفع اسمها ﵀ رحمة واسعة فلقد كان رجلا عصاميا طموحا وقد استطاع أن يبرز بين رجال مدينة جدة بهذه العصامية وبهذا الطموح.
[ ١ / ٦٠ ]
[ ١ / ٦١ ]
السيد صالح بن بكرى شطا
[ ١ / ٦٢ ]