كانت دار الهلال في القاهرة تصدر مجلة أسبوعية اسمها (الفكاهة) وهي مجلة فكاهية كما يدل عليه اسمها وكان يتولى رئاسة تحريرها الأستاذ حسين شفيق المصرى وهو شاعر مجيد وزجال مصرى معروف، وكان الأستاذ حسين شفيق فيما أعرف هو أول من نشر الشعر الضاحك في أسلوب عامى ولكن هذا الشعر العامى كان يحتفظ بالوزن والقافيه، وكانت الطريقة أنه يفتتح القصيدة بمطلع قصيدة من عيون الشعر العربى القديم ثم ينسج على منوالها كلاما موزونا مقفى تختلط فيه العامية بالعربية الفصحى وكانت مواضيع هذا الشعر دائما انتقادية ولكنها في أسلوب فكاهى مقبول، وكنا نجتمع في مكة المكرمة الأستاذ حمزة شحاتة وأحمد قنديل رحمهما الله وأنا وكان الوقت صيفا وكنا نهرب من حر مكة اللاهب إلى اطراف الشهداء وكان في موضع مكاتب وقراج الشركة العربية للسيارات بالزاهر مقهى لرجل اسمه العم حمزة وكان العمران في مكة ينتهى عند قشلة جرول وكانت الأرض بعدها خلاء وكنا نجئ إلى هذا المقهى مع الغروب ونتسامر صدرا من الليل ونتناول عشاء خفيفا ثم يأوى كل منا إلى فراشه الذى كان يحفظ في
[ ١ / ٢٣ ]
داخل المقهى والذى يحضره لنا العم حمزة مع ابتداء الظلمة وكنا نتخذ من كراسى المقهى العادية الطويلة سررا ننام عليها تحت السماء، وذات ليلة جاء ذكر هذا الشعر الفكاهى، وكان حسين شفيق المصرى يطلق عليه اسم الشعر (الحلمنتيشى) نقول جاء ذكر هذا الشعر (الحلمنتيشى) فسأل الأستاذ شحاتة الأستاذ قنديل أن كان يستطيع النظم على هذا النسق فأجابه بالإيجاب وفى اليوم التالى بدأت المحاولات الأولى للقنديل في هذا الشعر وكانت موفقة جدا وما هي إلا فترة بسيطة حتى بدأ القنديل في نشرها في صوت الحجاز فترة بعد أخرى ووجدت صدى شعبيا واسعا واستقبالا حسنا من جميع القراء خاصة وإن (قنديل) ﵀ تحاشى العامية المصرية التي كان حسين شفيق المصرى ولجأ إلى العامية الحجازية ثم توسع فيها وخلطها بالعامية النجدية فيها بعد ومن هذه القصائد التي لا تزال عالقة بالذاكرة ما نشره القنديل في صوت الحجاز والمطلع لقصيدة مشهورة لابن الفارض:
غيرى على السلوان قادر … وسواى في العشاق غادر
لى في الصباح فطيرة … والبيض أليق بالفطائر
وهناك قصيدة أخرى والمطلع كذلك لشاعر قديم:
صاح في العاشقين يالكنانه … رِشَأُ في الفؤاد منه كنانه
شِمْرِقِيٌّ مكحل ومُحَنّى … حامل في يمينه خيزرانه
هذه هي البدايات الأولى لهذا الشعر الضاحك وكانت القصيدة تنشر طويلة وليست مقطوعة صغيرة كما صارت إليه القناديل أخيرا ولكن النشر لم يكن يوميا كما هو الحال مع القناديل اليومية وإنما كان اسبوعيا أو أكثر من اسبوعى وآخر ما
[ ١ / ٢٤ ]
نظمه قنديل في هذا المجال الغزاوية الأخيرة وهي قصيدة ألقاها في الجلسة الختامية للمؤتمر الأول للأدباء السعوديين وصف فيها الأدباء القدامى والمحدثين ودعا فيها إلى تكريم شيخ شعراء مكة الأستاذ أحمد إبراهيم الغزاوى مدَّ الله في حياته وقد قوبلت بالاستحسان وقوطعت بالتصفيق وهي تمثل شعر قنديل الضاحك وقد نشرت بالمجلد الأول عن بحوث المؤتمر الأول للأدباء السعوديين كاملة فليرجع إليها من رغب الاطلاع عليها.