قصير القامة أبيض اللون تشوب بياضه حمرة، تزين وجهه لحية بيضاء متكاملة ونظرة رفيقة حانية وكان دائما يرتدى البياض فتراه في لباسه الأبيض من الكتان وقد وضع العمامة الحجازية على رأسه فتطالعك صورة رجل وقور إلا أنك تشعر أن هذه الصورة تفيض حنوا وحبا، وقد أدركته في الأربعينات قبل دخول السيارات إلى البلاد وهو يمتطى صهوة حصان أحمر اللون - ولقد كان كبراء جدة جميعا يستعملون الخيل في تنقلاتهم في العهد العثمانى والعهد الهاشمى - حيث لم تكن السيارات قد وصلت إلى البلاد أو على الأصح لم يكن يسمح بدخولها الشريف الملك الحسين بن على كما أسلفنا في حلقات سابقة من هذه التراجم وكان لهؤلاء الكبراء إسطبلات للخيل وسواس يرعونها ولقد أدركت هذا الجهد الذى ظل سائدا في مدينة جدة إلى أن بدأ العهد السعودى فسمح بدخول السيارات وتألفت شركات خاصة وعامة لها بعد ذاك.
نعود بعد هذا إلى الحاج زينل علي رضا فنقول إنه كان من أكبر تجار جدة وقد أسس مع شقيقه الأصغر الحاج عبد الله على رضا قائم مقام جدة الأسبق بيتهم التجارى في مدينة جدة ثم في بومباى، وكان الحاج عبد الله هو المدير الفعلى لهذا البيت التجارى في الوقت الذى كان فيه الحاج زينل يكبره في السن.
[ ١ / ٣٧ ]
إن ما يلفت النظر في سيرة الحاج زينل ليس ثراؤه وتجارته فما أكثر التجار وأصحاب الثراء ولكن ما عرف عنه من البذل الكثير وخاصة للفقراء والساكين، لقد رأيت الحاج زينل والمساكين يحيطون به في مسجد العمار كلما ذهب لأداء الصلاة ويلتفون حوله وهو خارج من داره سواء للمسجد أو لزيارة بعض أصدقائه، فيقف لهم باسما ويمنحهم الأعطيات، ولم يكن يظهر عليه التأفف أو الضيق وهم يعانقونه ويتوددون إليه، بل كثيرا ما رأيتهم يوقفونه في الطريق ويدلون إليه بحاجاتهم فلا يجدون إلا يدًا سخية ووجهًا باشا وكلاما حسنا، وهذه الصفات لا تدل على الكرم المطبوع فحسب وإنما تدل على أن نفس الرجل قد أشربت حب الخير والعطف على المحتاجين فبذل لهم من نفسه كما بذل لهم من ماله ورفده.
وخلال الحرب السعودية الهاشمية كانت مدينة جدة محاطة بالأسلاك الشائكة وكان السلطان عبد العزيز يعسكر بجيشه في الرغامة وكانت المدينة تعانى من الحصار، كما أن واردات جدة من البضائع قد تأثرت بسبب حالة الحرب أقول في تلك الأيام كان الحاج زينل على رضا يتولى ذبح الذبائح وطبخ الطعام من الأرز ليطعم هؤلاء الفقراء والمساكين وكنت أراه وهو يقف بنفسه أمام القدور العظيمة التي يطهى فيها الطعام وينظر إلى الطاعمين في بشاشة ولطف وإيناس، كما رأيته وهو يأمر بإخراج بالآت السليطى - قماش من القطن نباتى اللون تستعمله البادية في الثياب - فتوزع على هؤلاء الفقراء ثيابا تكسو أجسادهم وتدخل السعادة إلى قلوبهم ولقد اشتهر الحاج زينل ﵀ بحبه للفقراء وحدبه عليهم حتى لقب بأبى المساكين.
[ ١ / ٣٨ ]