في أيام الحرب العالمية الثانية حدث نقص في أشياء كثيرة كما يحدث في أيام الحروب وكان بمستودع الشركة العربية للطبع والنشر التي تطبع فيها جريدة صوت الحجاز في ذلك الزمان كميات من الورق على اختلاف أنواعه. وكانت الشركة تعاني من الخسارة وعلم عبد الله باحمدين بالأمر فقال ليس من المعقول أن تخسر الشركة وفي مستودعاتها الورق المعدوم في الأسواق والذي يحتاج إليه الناس وطلب الاطلاع على قائمة البضائع الموجودة بالمستودعات وما أن اطلع عليها حتى أبدى استعداده لشرائها وقد دفع فيها ثمنا يبلغ أربعة أضعاف الثمن المقدر لها في ذلك الوقت وتمت الصفقة وكنت أتوقع أن يقوم بعمل عادي مثل تصنيع الورق إلى دفاتر للكتابة وبيعه في الأسواق ولكنه فاجأني كما فاجأ الناس جميعا بشيء لم يكن في الحسبان، كانت في مستودعات الشركة كميات كبيرة من الورق المتين الذي يصلح لغلافات الكتب وكانت الشركة فيها
[ ١ / ٩٣ ]
مضى تمارس طبع بعض الكتب المدرسية ثم توقفت عن ذلك وبقي هذا الورق مستودعاتها كميات مهملة لا يستفاد منها، أقول أن عبد الله باحمدين فاجأني باستخراج هذا الورق وقصه وتقسيمه إلى ملفات لحفظ الأوراق مثل الملفات - (الدوسيهات) التي كانت ترد إلينا من الخارج والتي كانت معدومة في الأسواق تماما، وطبع على هذه الملفات كلمة (الحافظة العربية) ولم يكتف بهذا فأحضر إلى مقر المطبعة بعض الساكرة الذين كانت دكاكينهم مجاورة لها بالشامية - وأطلعهم على الحدايد التي تمسك الأوراق التي توضع في الملفات واشترك معهم في ترتيب الصنع وما هي إلا أيام حتى كان الساكرة الوطنيون قد صنعوا هذه الحدايد وخرجت الحافظة العربية ملفا كاملا لا أغالى إذا قلت أنه كان يمتاز على الملفات الخارجية بجودة الورق وجمال الطبع. وأذكر أن وزارة المالية اشترت كل ما أنتجه عبد الله باحمدين من هذه الملفات لأن الدوائر الحكومية كانت تفتقر إليها. أن الورق كان موجودا في مخازن الشركة ولكن المسؤولين عنها كانوا يعتبرونه كمية مهملة وقد استطاع عبد الله باحمدين بفكره النير أن يحول هذه الكمية المهملة إلى عمل نافع يسد به حاجة البلاد في ذلك الوقت العصيب، ومن هنا تظهر إتجاهاته الفكرية التي تدل على ذهن متفتح يبحث دائما عن الجديد والمفيد (^١).