طويل فارع، معتدل الجسم، أبيض اللون تشوب بياضه حمرة خفيفة، واسع العينين، أقنى الأنف، يضع على عينيه نظارة ذهبية، كان في العهد الهاشمي يرتدي الجبة والعمامة الحجازية، وقد أدركته في الخمسينات وهو يرتدي العباءة العربية والغترة البيضاء دون عقال وهو الزي الذي يتميز به علماء الدين والقضاة، ولا عجب في ذلك فالرجل من بيت علم ودين وقد ظل محتفظا بصفته هذه رغم المناصب الكبيرة التي أسندت إليه فهو من أولئك الرجال الذين تنفرد شخصياتهم بما وهبها الله من صفات فتضع بصماتها على ما يسند إليها من منصب أو عمل فلا يعرفها المنصب أو الجاه، ولا يبطرها الثراء أو الحسب لأنها تستمد قوتها من صفاتها الشخصية التي تفرض حبها على الناس في بساطة ويسر.
ولد السيد صالح شطا عام ١٣٠٢ هـ بمكة المكرمة وتوفي والده وهو في الثامنة من العمر فكفله أخوه الأكبر السيد أحمد شطا المدرس بالمسجد الحرام، وحفظ القرآن الكريم في صباه وتلقى تعليمه على أيدي أعلام العُلماء من أسرته ومن علماء مكة المكرمة الذين تعقد حلقات دروسهم في رحاب المسجد الحرام
[ ١ / ٦٣ ]
أمثال السادة: أحمد وعمر شطا والسيد عبد الله دحلان والسيد حسين الحبشي وغيرهم (^١) وبعد أن أتم دراسته حصل على إجازة بالتدريس من هيئة العُلماء بمكة المكرمة فكان يلقى دروسه في رحاب المسجد الحرام بباب الزيارة.
سمعت باسم السيد صالح شطا ﵀ أول مرة في أوائل الأربعينات حينا وفد بأسرته من مكة المكرمة إلى جدة خلال الحرب السعودية الهاشمية ونزل بدار الشيخ عبد الرحمن باجنيد - كانت هذه الدار في شارع قابل أمام مسجد المعمار وقد أزيلت وأدخلت مع البيوت التي حولها في الشارع الجديد المسمى شارع الذهب حاليا - أقول سمعت باسم صالح شطا لأول مرة حينها وفد بأسرته من مكة المكرمة ولكن لم يمض طويل وقت حتى شاع في مدينة جدة خبر التجائه إلى مخيم السلطان عبد العزيز آل سعود بالرغامة - خارج مدينة جدة ولهذا الالتجاء خلفية لابد من ذكرها وقد حدثني عنها السيد صالح شطا نفسه ﵀ قال: كنت أقاوم حكم الشريف الحُسين بن على لأنه كان ظالما بطاشا ولقد سجنت ومعي الشريف رضا "والد المرحوم الشريف محمد شرف رضا" في سجن الحُسين بمكة المكرمة لأن الحُسين كان يعرف عنا هذه المعارضة، قال وكنت أرسل المقالات إلى الجرائد المصرية "ولعله ذكر اسم مجلة المقتطف" أعدد فيها مظالم الحُسين بتوقيع مستعار، وكانت هذه المقالات تنشر ولا يعرف كاتبها إذ كانت الصحيفة تحتفظ باسم الكاتب سرا إذا رغب في ذلك، أقول أن هذه الخلفية للسيد صالح شطا ﵀ توضح اختراقه للأسلاك الشائكة التي تحيط بمدينة جدة في أيام الحصار والتجاءه إلى مخيم السلطان عبد العزيز فهو إنما فعل هذا مدفوعا بكراهيته للعهد القائم إذ ذاك وهذه الحادثة بالذات تظهر مدى قوة شخصية الرجل وشجاعته في اقتحام المخاطر، فلو أن محاولته للخروج من مدينة
_________________
(١) سير وتراجم بعض علمائنا في القرن الرابع عشر الهجري تأليف عمر عبد الجبار صفحة ١٤١ ..
[ ١ / ٦٤ ]
جدة كشفت أو ألقي القبض عليه من قبل الجيش المدافع عن المدينة، لكان مصيره في مهب الريح، ولكان في موقف من أسوأ المواقف التي يتعرض لها من يقتحم هذه الأخطار بينها كانت أسرته الكبيرة مقيمة بمدينة جدة. هذا ما كنت قد كتبته عن هذه الحادثة المشار إليها ونشر في الحلقة الخاصة بالمرحوم السيد صالح شطا. وقد اتصل بي ابنه الأخ السيد محمود شطا عضو مجلس الشورى وأخبرني أن والده لم يلجأ إلى مخيم السلطان عبد العزيز وأنه إنما ذهب مع من ذهبوا من زعماء مكة وجدة لمقابلة السلطان عبد العزيز بالرغامة لإبداء آرائهم فيا تتعرض له مدينة جدة من المخاطر بما تضمه من الأهالي ورعايا الدول الأجنبية وأن الشريف الملك علي بن الحُسين لم يكن راضيا عن ذهابهم ولكنه لم يستطع منعهم وأنهم حينا عادوا سجنوا بالقشلة وأبعد منهم من أبعد عن البلاد وأن والده السيد صالح شطا كان من ضمن المسجونين بالقشلة مع المرحوم الأفندى محمد نصيف والشيخ سليمان عزايه. هذا وقد وجدت في كتاب ماضى الحجاز وحاضره للأستاذ حسين محمد نصيف ﵀ ما يدل على أن السيد صالح شطا كان أحد أعضاء الحزب الوطني الذي تأسس في مدينة جدة أيام الحرب الهاشمية السعودية وللتوفيق بين ما كنت كتبته عن التجاء السيد صالح شطا إلى مخيم السلطان عبد العزيز حسب المعلومات التي كانت متداولة في ذلك الوقت وبين ما ذكره لي ابنه السيد محمود شطا أقول إن السيد صالح ﵀ كان معروفا معارضته الشديدة للحكم الهاشمي ولابد أن البعض حينا علم بذهابه مع من ذهبوا لمقابلة السلطان عبد العزيز على كره من الملك على أنهم ظنوا أنه لجأ إلى مخيم السلطان عبد العزيز أو أن هذه الإشاعة أطلقت لتبرير سجنه مع زملائه الذين سجنوا وأبعدوا فيما بعد.
ولعله من المناسب أن نذكر الآن طرفا من الحالة الاجتماعية التي كانت تسود
[ ١ / ٦٥ ]
البلاد في هذه الفترة من الزمان في أوائل الأربعينات من هذا القرن الهجري الذي يوشك على الانتهاء.
كانت الحياة الاجتماعية في الحجاز مبنية على الترابط والسياحة وكانت البيوت مفتوحة لاستقبال الضيوف ولم تكن هناك فنادق أو خانات ينزل فيها المسافرون بين مدينة وأخرى وإنما كانت هناك علاقات صهارة أو صداقة أو عمل تربط بين الناس فكان المسافر من مكة إلى جدة. أو من جدة إلى مكة ينزل في بيت قريب أو صديق وكانت أغلب المنازل بها أماكن مخصصة للضيافة وكانت ضيافة الرجال في الدور الأرضي من المنزل الذي كان يحتوي على دواوين ومقاعد بما يلزم لها من خدمات، أما النساء فكانت استضافتهن في الأدوار العليا مع نساء العائلة فإذا حضر الرجل بأهله دعي ليلا إلى الصعود إلى مجلس في هذه الأدوار يخصص لمبيته مع أهل بيته لا يختلط بنساء العائلة أو رجالها فإذا كان الصباح ترك هذا المجلس إلى الدور الأرضى حيث يجتمع الرجال جميعا لتناول الإفطار ثم طعام الغداء وتبقى هذه البيوت مفتوحة طيلة النهار وصدرا من الليل يقوم على خدمتها المكلفون بذلك من الرجال. لهذا فإنه حينا وقعت الحرب الهاشمية السعودية وهاجر الكثيرون من أهل مكة إلى مدينة جدة بعائلاتهم نزل كل هؤلاء المهاجرين تقريبًا في بيوت أهل جدة فالقريب نزل عند أقربائه أو أصهاره والصديق نزل في بيت صديقه، والذي لا قريب له أو صديقا نزل كذلك في بيوت عرف أصحابها بالكرم والنخوة، ولقد كان لكبير جدة في ذلك الوقت الشيخ محمد الطويل ﵀ دور عظيم في إسكان الوافدين من أهل مكة وإنزالهم في جدة بحكم منصبه العظيم وزعامته في مدينة جدة في ذلك الزمان.
وتعود بعد هذا الاستطراد إلى الحديث عن السيد صالح شطا ﵀
[ ١ / ٦٦ ]
فنقول كان من المؤكد بعدما ذكرنا عن معارضته الشديدة الحكم الشريف الملك الحُسين بن على ثم لابنه الملك علي مع ما للرجل من صفات شخصية ومركز عائلي مرموق أن يكون من أبرز رجال العهد السعودي في الحجاز بعد أن أصبح السلطان عبد العزيز ملكا على الحجاز عام ١٣٤٤ هـ - فكان عضوا بمجلس الشورى عن مكة المكرمة في بداية تأسيس المجلس عام ١٣٤٥ هـ ثم عهد إليه بإدارة المعارف العامة، ثم عين مساعدا للنائب العام لجلالة الملك في الحجاز - وكان النائب العام في ذلك العهد هو صاحب السمو الملكي الأمير فيصل - جلالة الملك فيصل فيما بعد - وهو منصب من أرفع المناصب الإدارية وقد استقر الأمر بالسيد صالح شطا بعد أن أصبح النائب الثاني لرئيس مجلس الشورى (النائب الأول للمجلس هو صاحب السمو الملكي الأمير فيصل) وكانت رئاسته للمجلس شرفية إذ أن سموه لم يكن يحضر إلا حفلات افتتاح المجلس الرسمية في كل عام وكانت الرئاسة العملية هي للنائب الثاني وهو المنصب الذي شغله المرحوم السيد صالح شطا سنوات طويلة وأداره بمنتهي الكفاءة والحزم.
ولعله من المناسب أن نذكر هنا أن مجلس الشورى كان له تأثير كبير في شؤون الدولة وخاصة في النواحي القانونية والتنظيمية في الوقت الذي لم تكن الوزارات فيه قد تأسست ولم يكن هناك كذلك مجلس للوزراء فكانت جميع الأنظمة التي تفكر فيها الدولة تحال إلى المجلس لصياغتها أو دراستها وإقرارها، وأذكر أنني ذهبت إلى مجلس الشورى أكثر من مرة لمناقشة الأنظمة الاقتصادية التي وضعت لبعض الشركات العربية في ذلك الوقت كشركة التوفير والاقتصاد وغيرها منتدبا من مجلس إدارة هذه الشركات وكانت مواد هذه الأنظمة تناقش بدقة كما كان يحال إلى المجلس الكثير من القضايا الإدارية وغيرها لدراستها وإبداء الرأي فيها، وكان الرأي المجلس وزن كبير فيا يعرض عليه وخاصة في
[ ١ / ٦٧ ]
عهد جلالة المغفور له الملك عبد العزيز ولم يكن السيد صالح ﵀ رئيسا عاديا ولكنه كان شخصية مؤثرة فالرجل طالب علم منذ نشأته وهو بحكم مركزه الاجتماعي من دعاة الإصلاح والتنظيم، فلم يكن يكتفي بإدارة جلسات المجلس وإنما كان يشارك في المناقشات ويؤثر فيها بشخصيته القوية الحازمة فكان بعمله هذا يضفي على مناقشات المجلس حيوية دافقة تجعلها ذات قوة وتأثير (ولعل أستاذنا الكبير الشيخ أحمد إبراهيم الغزاوي النائب الثاني لرئاسة المجلس حاليا يحدثنا عن المجلس وتاريخه بحكم خبرته العملية الطويلة وخاصة عن ذكرياته فيه بكل معجب وطريف مد الله في حياته وأسبغ عليه أثواب الصحة والعافية).