لعله من المستحسن قبل الكلام عن ترجمة الشيخ أحمد الزهراء أن أوضح للقراء الكرام القاعدة التي اتبعها في الكتابة عن الرجال الذين عاصرتهم أو عاصرت أخبارهم وآثارهم، أن هذه القاعدة تتلخص عندى في أن تكون حياة صاحب الترجمة واعماله ذات نفع ملموس للمجتمع سواء أكان هذا النفع يتمثل في خدمة عامة أدَّاها للناس مضحيا بماله أو جهده في سبيلها أو كان في عمل حضارى قدمه لبلاده وإن كان قد أفاد هو منه ربحا وفيرا أو مالا كثيرا وليست القاعدة عندى في الكتابة عن الرجال هي الشهرة فحسب، فقد يكون الرجل جهير الاسم ذائع الصيت ولكنها شهرة لا تتصل بالنفع العام أو بخدمة الناس، قد تكون الشهرة بالطغيان مثلا في الثراء وفى ظلم الناس واضطهادهم والإساءة إليهم، ليست الشهرة أو ذيوع الصيت هي الدافع عندى في الكتابة عن أعلام الرجال وإنما الدافع هو ما أثمرته حياة هؤلاء الناس وجهودهم من نفع للناس واثراء للحياة نفسها في شتى المجالات، وبعد هذه المقدمة التي رأيتها ضرورية بين يدى هذه الترجمة بالذات نعود إلى صاحب الترجمة فنقول:
[ ١ / ١١ ]
ضئيل الجسم أقرب إلى القصر، اصفر اللون، مغضن الوجه، كفيف البصر يرتدى القفطان والعمامة المصرية وهي طربوش داكن الحمرة له زرٌّ طويل اسود وتطوقه عمامه بيضاء وهذا الزيّ في مجموعه هو زيُّ العلماء المصريين ولا يزال سائدا حتى اليوم، وكان الشيخ أحمد الزهراء شديد البخل مضيقا على نفسه فلم يكن يرتدى سوى الملابس الصوفية الغليظة حتى في أيام الصيف الذى يشتد في مدينة جدة شدته المعروفة ولم تكن له زوجة أو خادم يقوم بشأنه ولم يكن له مطبخ في داره وإنما كان يأكل الغليظ من الطعام كالعيش والبصل والكرَّات، هذا حينما يأكل في داره ولقد كان يشترى الجواري فلا تقيم الواحدة منهن في داره إلا أياما ثم تطلب منه أن يبيعها لغيره فلم يكن يطيق العيش معه إنسان، وعلى ذكر الجواري فقد كان هناك سوق للرقيق في مدينة جدة وفى مكة المكرمة أيضا وكان الرقيق الذى يرد من الحبشة والسودان وأفريقيا بصورة عامة يعرض في هذه الأسواق وبقوم على شؤون هذه الأسواق باعة مشهورون أو دلَّالون على الأصح وأشهر دلَّالى الرقيق الذين ادركتهم في جده كان رجلا حضرميا اسمه حسن العامودى وقد اختفت هذه الأسواق بعد ذلك ولكن الرفيق كان يعرض للبيع في بيت حسن العامودى آنف الذكر وكان يذهب إليه المشترون لاختيار الجارية التي يرغبون شراءها وقد تؤخذ للدار لتجربتها لفترة يومين أو ثلاثة حتى إذا ثبت للمشترى صلاحها وخلوها من العيوب الصحية اشتراها وقد انتهت هذه التجارة اللا انسانية إلى غير رجعة حيما أصدرت الحكومة أوامرها بعتق الرفيق وتعويض أصحابه الاثمان التي دفعوها في شرائه وكان ذاك في عهد رئاسة المرحوم الملك فيصل للوزارة أثناء ولاية الملك سعود للعرش رحمهما الله، ومن ألطف ما اذكره عن تجارة الرقيق هذه أن كبيرا من اثرياء نجد كتب إلى صديق له في الحجاز يطلب منه شراء جوار لا يشربن الدخان وليس عليهن زيران، وشرب الدخان هو
[ ١ / ١٢ ]
استعمال السجاير كما هو معلوم أما الزيران فجمع زار وهذا الزار كان نوعا من أنواع الشعوذة التي كانت سائدة في النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجرى وكانت تمارس خفية في العهد السعودى وهي ادعاء بعض المشعوذين والمشعوذات شفاء الأمراض يعمل الزار أو ما يسمى النعيش وهو إقامة حفلات رقص يلبس فيها النساء ملابس الرجال ويتحدثن إلى صانعى الزيران والى الحاضرين بلغة بدوية صرفة وتذبح فيها الذبائح للجن والعفاريت والعياذ بالله وربما تكون هذه البدعة الوثنية وفدت إلى الحجاز من بعض البلاد المجاورة وقد انتهت هذه العادات السيئة التي تدخل مرتكبيها في أبواب من الشرك والعياذ بالله إلى غير رجعة فلم يعد لها أثر فيما أعلم والحمد لله، نعود بعد هذا الاستطراد إلى الشيخ أحمد الزهراء فنقول أنه لم يكن يطيق العيش معه إنسان وهو على ما وصفنا من الضيق والتقتير على نفسه ومن معه، وكان الرجل إلى كل هذا طالب علم له حلقة للتدريس في مسجد الشافعي وهو أقدم مساجد جدة، وكان له تلامذة يحبونه ويخدمونه وكان الرجل مقرئا بل عالما بالقراءات السبع ومن أشهر المقرئين المجودين وكان الناس يدعونه إلى تلاوة القرآن في مآتمهم وفى ملحقات هذه المآتم إذا صحَّ هذا التعبير ذلك أن الناس كانوا يتمسكون بعادات كثيرة في الموت كادت الآن أن تنقرض، ولقد أدركت الناس إذا مات الميت حضر المعزون إلى المسجد المجاور لبيت المتوفى أو مسجد بعينونه فيصلون العصر ويتناول الواحد منهم جزءًا من القرآن فيتلوه حتى أذان المغرب فيعزوُّن أهل المتوفى ثم يصلون المغرب وينصرفون ثم تطورت هذه العادة فأصبحت تتم في بيت المتوفى بين المغرب والعشاء وبنفس الطريقة التي وصفناها فيحضر المعزُّون ويمسك كل واحد منهم جزءا من الصحف يتلوه حتى يحين موعد صلاة العشاء فيعزون وينصرفون وقد تطورت هذه العادة إلى ما هو متبع في الوقت الحاضر من حضور الناس بعد صلاة
[ ١ / ١٣ ]
المغرب لفترة بسيطة يستمعون فيها إلى تلاوة القرآن من المقرئين الذين يحضرهم أهل الميت ثم يعزُّون وينصرفون، وكان هناك إلى جانب الأيام الثلاثة للتعزية يوم العشرين والأربعين والحوْل فإذا مضت عشرون يوما على وفاة الميت أقام له أهله - العشرين - ويحضر في هذه الأثناء مقرئ واحد أو أكثر من الصباح فيقرأ القرآن على روح الميت إلى ما بعد الظهر حيث يحضر المدعوون من خاصة أهل المتوفى وأصدقائه فيستمعون إلى التلاوة ويتناولون الطعام ويقرأون الفاتحة على روح الميت ويدعون له بالمغفرة وينصرفون وبنفس الترتيب يقيمون حفل الأربعين بعد مضى أربعين يوما على وفاة الميت ثم حفل الحوْل وهو بعد مضى عام كامل على الوفاة، هذا علاوة على ما يتلى له من القرآن في شهر رمضان وكان يتولى هذه التلاوة صغار الأطفال ممن يحسنون القراءة والبعض كان يهتم بأمر هذه التلاوة لا في شهر رمضان وحده وإنما في رجب وشعبان كذلك قلنا وقد انتهت هذه العادات جميعها فلم يبق منها سوى ثلاثة أيام العزاء بين العشاءين.
نعود بعد هذا الاستطراد عن عادات الناس في أيام الوفاة إلى الشيخ أحمد الزهراء فنقول أنه كان من أبرز المقرئين في مدينة جدة ولهذا كان منشغلا في كثير من الأيام بتلاوة القرآن في المآتم وفى أيام العشرين والأربعين والحول كما أسلفنا وكان يتناول طعامه في كثير من الأيام في البيوت التي يدعى إليها، كما أن تلامذته كانوا يتحفونه بأطيب الطعام في بعض الأيام ويخدمونه ويقومون على تمريضه إذا مرض والله ﷾ هو الذى يدبر الأمور بحكمته فيسخر لهذا الرجل الكفيف البخيل من يقوم على إصلاح أمره وتسيير شؤونه.
هذا وكان الشيخ كثير الوسواس فلم يكن على تمكنه من التجويد وحفظه للقرآن الكريم وحسن ترتيله بمستطيع أن يتولى الإمامة في المساجد وهي الوظيفة الطبيعية لأمثاله، لأنه كان كثير الوسوسة وكنت أراه في مسجد الشافعي وهو
[ ١ / ١٤ ]
ينوى للصلاة - صلاة النفل فأسمعه يقول الله الله الله الله أكبر وما هي إلا ثوان ثم يعود لتكبيرة الإحرام بنفس الأسلوب السابق يكرر النطق بلفظ الجلالة مرات ومرات حتى يستقيم له الدخول في الصلاة، ولكن الرجل لم يكن بحاجة إلى الإمامة لأن موارده من المآتم وتلاوة القرآن كانت كبيرة في ذلك الزمان لا ينفق منها شيئا وقد أخذ نفسه بهذه الحياة الضيقة الشديدة وقد تجمعت لديه ثروة كبيرة هيأت له أن يشترى ثلاثة بيوت من أشهر بيوت جدة أولها في منطقة باب مكة مما يلى سوق البدو وكان يسكن في جزء منه ويؤجر الأجزاء الباقية وهي كثيرة للمستأجرين ويتسلم الغلة فيضيفها إلى ما يكنزه من مال والبيتان الآخران وكان يطلق عليها اسم بيوت الشرايبى على ما أذكر وهما يقعان الآن في قلب شارع الملك عبد العزيز في وسط شارع الأشراف بين شارع الملك عبد العزيز والسوق الكبير وكانت هذه المنطفة قبل تعمير شارع الملك عبد العزيز تسمى باب الصبَّة وهو باب يؤدى إلى البحر وكان هذا الباب من داخل سور مدينة جدة الموازى للبحر وكان هذا الباب فيه حرس للجمارك وتخرج منه العربات المحملة بالأرزاق ولعل معنى الاسم أنه الباب الذى تنصب منه البضائع إلى المدينة أو لعل له تعليلا آخر يعرفه المعمرون من أهل جدة أو المهتمون بتاريخها.
لقد كان شراء الشيخ أحمد الزهراء لهذه البيوت الكبيرة في مدينة جدة حديث الناس في ذاك الزمان فكانوا يعجبون لهذا المقرئ الأعمى الذى كان مجمع القرش إلى القرش والريال إلى الريال والدينار إلى الدينار ثم يشترى البيوت الشهيرة التي تعرض للبيع ولست أشك أن كثيرا من التجار كانوا يرغبون في شراء هذه البيوت أو واحد منها على الأقل فجميعها تقع في مناطق تجارية ولكن التجار كانوا لا يفكرون كثيرا في شراء أمثال هذه البيوت إذا لم تكن لهم حاجة ضرورية إليها لأنها تجمِّد المال السائل الذى يتعاملون به في تجاراتهم ولم يكن في
[ ١ / ١٥ ]
البلاد بنك واحد حتى يتعامل معه الناس أو يقترضوا منه وكانت العملة السائدة هي الجنيهات الذهبية بنوعيها العثماني والإنجليزى ثم الدينار الهاشمى والسعودى والريالات المجيدية أولا ثم الهاشمية والسعودية فما بعد ولم تكن أوراق البنكنوت بالعملة الرائجة إلا في مواسم الحج يشتريها الصرافون من الحجاج حيما يقدمون ويبدلونها لهم بالعملة المحلية ثم يبيعونها للحجاج حينما يعودون إلى بلادهم بأسعار أقل ويستفيدون الفرق بين السعرين وكانت أغلب العملات التي ترد مع الحجاج عملات فضية كالروبيات الجاوية والهندية وقد رأيت التجار يشترون الروبيات الهندية خاصة ثم يصدرونها إلى عدن أو إلى الهند وبعد ذاك كثر التعامل بأوراق البنكنوت فأصبح الناس يفضلون التعامل بها لأنها أخف حملا وأسهل حفظا وباستثناء البنك العثماني الذي افتتح فرعا له في مدينة جده في العهد الهاشمى ثم في أوائل العهد السعودى ولم يستمر طويلا كان أول بنك أسس في المملكة هو الشركة التجارية الهولندية وكان الصرافون يشترون العملات المختلفة ويبيعونها له ويقوم هو بتصديرها إلى الخارج عن طريق قسم الحوالات والطرود بالبريد في ظروف كبيرة مختومة بالشمع الأحمر ومؤمن عليها ويزن الواحد منها ألفى غرام.
نعود بعد هذا الاستطراد عن العملات الأجنبية فنقول أن شراء المتن أحمد الزهراء لهذه البيوت كان حديث الناس والتجار منهم خاصة في مدينة جدة لأن هذا القرئ الأعمى استطاع أن مجمع هذا المال الكثير الذي يشترى به هذه البيوت الكبيرة في مدينة جدة عبر سنوات طويلة من التقتير على نفسه والتضييق عليها ولكن المفاجأة العظمى التي فاجأ بها الشيخ أحمد الزهراء الناس جميعا هي أنه وهب هذه البيوت الثلاثة إلى مدارس الفلاح وأوقفها عليها فختم الرجل حياته أحسن ختام إذ تنازل عن ثروته الكبيرة التي جمعها خلال سنوات عمره الطويل من التضييق على نفسه لعمل من أنبل الأعمال وأجلها فوهب ثمرة سعيه في هذه
[ ١ / ١٦ ]
الحياة لتصرف على العلم والتعليم ممثلة في مدارس الفلاح التي كانت رائدة التعليم في ذاك الزمان وهكذا استحق الشيخ أحمد الزهراء أن يسجل اسمه بين أعلام الرجال في عصره بهذه الهبة العظيمة التي لم يقدم عليها أثرياء عصره فكان بها فريد العصر وواحد الزمان.
ولقد توفي الشيخ أحمد الزهراء في منتصف القرن الرابع عشر الهجرى عن عمر يناهز الثمانين عاما تغمده الله برحمته الواسعة وتقبل منه عمله الطيب العظيم.
[ ١ / ١٧ ]
أحمد صالح قنديل
[ ١ / ١٨ ]