مستدير الوجه واسع العينين عظيم الأنف، حنطى اللون معتدل القامة أقرب إلى الامتلاء خفيف اللحية حليق الشارب والعارضين، يتخذ زيَّ العلماء السلفيين فيرتدى العباءة والغترة ولا يضع على رأسه عقالا وقد تمسك بهذا الزي طيلة حياته ﵀، ولد بالمدينة المنورة سنة ١٣٣٥ هـ وتلقى العلم على أيدى علماء المسجد النبوى الشريف ومن أبرز أساتذته الشيخ الطيب الأنصارى العالم السلفى المشهور والشيخ أبو بكر التمبكتى والشيخ عبد الكريم كردى والشيخ العايش وهو من علماء الأزهر المجاورين بالمدينة المنورة، كما أنه تأثر بخاله الشيخ عبد الحفيظ كردى شاعر المدينة المنورة ومن قضاتها المشهورين في العهد الهاشمى، وبعد إتمام دراسته اشتغل بالتدريس في مدارس المدينة المنورة كما عمل في تحرير جريدة المدينة المنورة أول ظهورها، ولم تطل إقامته بالمدينة المنورة فعين ١٣٥٧ هـ قاضيا بمدينة العلا شمال المدينة المنورة وانتقل إليها لبضع سنين وما لبث أن عاد إلى المدينة المنورة بعد أن ترك العلا ليعمل في المحاماة وضاقت المدينة بنشاطه في المحاماة فانتقل إلى مكة المكرمة في أواخر الخمسينات وعمل بها في المحاماة فترة من الزمن، ثم عين رئيسا لكتاب
[ ١ / ٤٣ ]
مديرية الأوقاف العامة بمكة المكرمة ثم مستشارا قضائيا لأمانة العاصمة في عهد المرحوم الشيخ عبد الرؤوف الصبان ثم عضوا بمجلس الشورى في أوائل عهد الملك سعود وقد بقى يمارس عمله في مجلس الشورى إلى أن انتقل بأسرته إلى سوريا ثم إلى مصر وتكرر انقطاعه عن المجلس فترات طويلة فأحيل إلى التقاعد، وقد بقى في مصر عدة سنوات إلى أن حصل نجله حمزة ﵀ على البكالوريوس من جامعة القاهرة فعاد بأسرته إلى جدة وافتتح مكتبا للمحاماة نجح فيه نجاحا كبيرا وقد بقى يمارس هذا العمل إلى أن توفى فجأة بالرياض بتاريخ ٢٤ صفر ١٣٩٦ هـ ﵀ رحمة واسعة، كان الشيخ ضياء الدين رجب نمطًا فريدا من الناس وقد استطاع بما وهبه الله من سماحة نفس وهدوء طبع أن يجمع القلوب حوله فأحبه الناس والتفوا حوله فكانت داره كلما كان مكتبه يزدحم بالناس من كافة الطبقات وكانت له قدرة عجيبة على الاستماع إلى الناس ومشاركتهم فيما يهتمون به من شؤون أنفسهم وكانت هذه المشاركة تقتضى منه التوسط لدى المسؤولين في الإِدارات المختلفة، أو لدى القادرين من الناس ولم يكن عمله في المحاماة قائما على المادة وحدها وإنما كانت معظم أعماله تتصف بالصبغة الإنسانية أكثر مما تتصف بالعمل المادى المنظّم، وكان هذا الأمر يتجلى إذا كان أصحاب الحق من المستضعفين من الناس أو من النساء اللاتى فقدن الناصر والعين، ولم يكن يلجأ في مثل هذه الحالات إلى المقاضاة وإنما كان يتخذ طريق الإصلاح وسيلة لفض هذه المنازعات وقد اكتشفنا بعد وفاته ﵀ حوادث كان يمكنه أن يربح من ورائها الملايين ولكنه بدلا من أن يلجأ إلى التعاقد مع أصحاب - أو على الأصح - صاحبات القضايا دخل فيها بروح النجدة لامرأة استضعفها أهلها فحرموها حقوقا كثيرة فقام هو باستخلاصها لها بهذه الروح الطيبة التي تندفع بدافع المروءة والنجدة وتتناسى ما يجنيه أمثاله في هذه
[ ١ / ٤٤ ]
المواقف من أموال طائلة تعتبر بالنسبة لمن يمارسون هذا العمل من الفرص القليلة النادرة، وكان الشيخ ضياء الدين ذا صلة وثيقة بالمرحوم الشيخ محمد سرور الصبان وعُرفت هذه الصلة بينهما خاصة خلال الفترة التي ولى فيها المرحوم الشيخ محمد سرور وزارة المالية، وخلال إقامته في مصر بعد خروجه من الوزارة فكان الشيخ ضياء الدين ينقل إليه حاجات الناس ومطالبهم وخاصة أولئك الذين يمنعهم الحياء من الطلب أو الذين يتحرجون في إيصال مطالبهم إليه وكان الشيخ محمد سرور ﵀ يستجيب لهذه الطالب بروح من السماحة والبذل ويدافع من ثقته الشخصية بالشيخ ضياء الدين وسعيه في الخير وكان الرجلان يكتمان من أمور الناس ما يجب كتمانه ويستران من العورات ما يجب ستره، وكان الشيخ ضياء الدين ﵀ كريما في جميع الحالات حتى في الأوقات التي كان يعانى فيها من ترك العمل أو خلو ذات اليد فإذا وصل إلى يده شئ سرعان ما أسعف به غيره من أصحاب الحاجات ولعل البعض من هؤلاء الناس كان أحسن منه حالا ولكنه يرحمه الله كان مفطورا على النجدة والعطاء على الإِقلال والإعسار، وحينما حسنت أحواله كان له الكثير من الإِحسان الخفى وكان ينفق على ذوى قرباه ويصلهم ويرعى شؤونهم.
وكان أصدقاء الشيخ ضياء الدين من كافة الطبقات بدءًا بالعامة من الناس وانتهاء بالوزراء كما كان معروفا لدى الكثيرين من العلية والحكام وكان الجميع يحبونه وكان الكثيرون يعتمدون عليه في قضاء حوائجهم، وما أكثر هذه الحوائج وكنت أعجب له ﵀ كيف يستطيع احتمال كل هذه الأعباء إلى جانب عمله الشاق في المحاكم وفي مكتبه الذى يغص بأصحاب القضايا والحاجات حتى وقت متأخر من الليل، وكان هاتفه لا ينقطع من المكالمات التي تحمل في ثناياها هذه التكاليف العجيبة ولكنه كما ذكرت كان ذا قدرة عجيبة على إرضاء الناس وعلى
[ ١ / ٤٥ ]
الإِصغاء إليهم، وتفهم حاجاتهم وكان ذا بصيرة بطباع أصدقائه والمتحدثين إليه فكانوا يتركونه وهم يشعرون بالراحة وحتى ولو لم تقض لهم حاجة أو يتحقق لهم مطلب فإن شعور المرء بأن هناك من يشاركه في همومه ومشاكله يخفف من أعبائه النفسية ويشعره بالراحة والاطمئنان، وهكذا فإن مشاركة الشيخ ضياء الدين ﵀ للناس في اهتماماتهم أكسبه محبة الناس وتقديرهم، وقد تجلّى هذا الحب في حياته حينما فقد ابنه الشاب المرحوم حمزة ضياء الدين رجب وهو في اكتمال فتوته وأوج شبابه فكانت مشاركة الناس للشيخ ضياء الدين في فجيعته بوحيده البكر، - كان المرحوم حمزة رجب هو الولد الوحيد وبقية ذرية الشيخ ضياء الدبن من الإِناث - مشاركة عظيمة تجلت في إقبال الناس عليه بالتعزية والمواساة، وتجلَّت فما كتبه الكثيرون من أصدقائه أو معارفه في رثاء ابنه ومواساته، كما تجلت هذه المشاركة بعد وفاة المرحوم الشيخ ضياء الدين رجب ﵀ فقد لمسنا من مواساتهم مقدار ما كان يتمتع به في نفوس الناس من محبة وتقدير.
وللشيخ ضياء الدين ﵀ إلى جانب أخلاقه الشخصية الكريمة نواحٍ أخرى فهو شاعر من أكبر شعراء المملكة وكاتب من أقدر الكتاب وكان ينشر إنتاجه الأدبى بجريدة المدينة المنورة في أول ظهورها فقد كان أحد كتابها البارزين، كما كان ينشر بين الفينة والفينة في جريدة صوت الحجاز والمنهل ما تجود به قريحته من شعر ونثر وفى السنوات الأخيرة من حياته واصل الكتابة للإذاعة السعودية فكانت له أحاديت يومية مذاعة، كما واصل الكتابة في جريدة البلاد وكانت له كلمة يومية تنشر بعنوان "قطوف" كما كان له مقال أسبوعى في هذه الصحيفة، هذا عدا ما تنشره المجلات الأخرى مثل "قافلة الزيت" "والمنهل" وخلافهما من شعر ونثر، والكتابة اليومية في الصحف إذا كانت ناجحة ليست عملا سهلا كما يتصور البعض من الناس، لأنها تعتمد أولا على
[ ١ / ٤٦ ]
ذكاء الكاتب وسعة إطلاعه، وشمول إدراكه وحساسيته إزاء ما يصادفه في حياته اليومية مما يقرأ ويسمع ومما تضطرب به حياته وحياة من حوله من الناس، فإذا استطاع الكاتب أن يشدَّ القراء إلى عموده اليومى مهما كان قصيرا فهو كاتب أصيل ممتاز وأشهد أن قطوف الشيخ ضياء الدين ﵀ كانت تجذبنى إلى قراءتها صباح كل يوم ضمن القليل الذى أحرص على قراءته في مختلف الصحف مع ضيق وقتى عن القراءة بما يزدحم به يومى من أعمال، وإذا كان لى أن أقول كلمة صغيرة عن الشيخ ضياء الدين ﵀ كأديب فهو في رأيي كاتب مجيد وشاعر عظيم يذكرنى بالصفوة المختارة من الشعراء بأسلوبه العربى الأصيل، وعاطفته الدافقة الثَّرَّةَ وهو يمثل نمطا فريدا من الشعراء فكأنك تستمع إلى الفحول من شعراء العصر العباسى كالشريف الرضى ومهيار الديلمى أو كأنك تستمع إلى شوقى في ديباجته الناصعة ولعلى لا أفشى سرا إذا ذكرت هنا أن الشيخ ضياء الدين ﵀ كان يسره أن يستمع إلى من ينشد ما ينظمه من شر فكان يحضر إلى مكتبى إذا نشرت له قصيدة ويطلب منى إنشادها وأشعر بنفسه تهتز رضا وهو يستمع إلى هذا الإنشاد، ولعله كان يعجب بحرصى على فهم معانى القصيدة ومراميها، فقد كنت أناقشه دائما في كل ما ينشر له من شعر، وكثيرا ما كنا نعقد المقارنات بين القصائد التي تنشر لأعلام الشعراء في موضوع واحد وإنى لأذكر هنا أننا تدارسنا القصائد التي نظمت في رثاء المرحوم رياض الصلح زعيم لبنان الكبير وفى أمثال هذه المناسبات كنا نتدارس القصائد الموسمية التي تلقى في موسم الحج والتى يشترك فيها شعراء كثيرون من داخل المملكة وخارجها وكان الشيخ ضياء الدين ﵀ على صلة واسعة بشعراء عصره وأدبائهم فحين إقامته في الشام توثقت صلته بشعراء سوريا الكبار شفيق جبرى وسليمان الأحمد وغيرهم كما أنى اجتمعت في داره بدمشق بالأستاذ نصوح
[ ١ / ٤٧ ]
بابيل صاحب جريدة الأيام الشهيرة في سوريا إذ ذاك وكان على صلة وثيقة بالسيدين أبو الخير الميداني والسيد محمد مكى الكتانى رحمهما الله وكليهما من علماء سوريا وزعمائها الدينيين وفى مصر اجتمعنا في منزله بالأستاذ الشاعر أحمد رامى الذى كان ممن توثقت صلة الشيخ ضياء الدين بهم ﵀، كما علمت أنه كانت له صلات كتيرة يرجالات العلم والأدب في كل من القطرين وفى مصر كنت أرى الشاعر المرحوم محمد مصطفى حمام والشاعر محمد جبر لدى الشيخ ضياء الدين في أوقات متقاربة وغير هؤلاء كثيرون ممن لا تحصيهم الذاكرة وحينما كان في مصر كان على صلة كبيرة بالأمير عبد الكريم الخطابى قائد ثورة المغرب الشهيرة ضد أسبانيا وفرنسا وحينما توفى رثاه بقصيدة عصماء نشرتها له مجلة "قافلة الزيت" في تلك الأيام أما صلة الشيخ ضياء الدبن ﵀ بشعراء وأدباء عصره فهى صلة الصداقة الكريمة والحب الخالص، كان يحب الجميع وكان الجميع يحبونه ويقدرونه وكان بما وهبه الله من خلق سمح ولسان عف لبعد عن النازعات التي تكدر علائق المودة بين الأدباء فلا يهاتر ولا يخاصم ووقف من هذه الخصومات الأدبية التي كانت تحدث بين أدباء عصره وشعرائهم موقف المحايد النائى بنفسه عن التورط فيما لا يليق بمقام العالم والأديب.
نعم لقد كان الشيخ ضياء الدين قبل كل شئ وبعده لا ينسى أنه طالب علم، وأنه تقلد القضاء وهو عمل من أرفع الأعمال وتولى التدريس وهي مهنة شريفة كريمة، وقد كان مع من يحيط به من الشباب الذى يحبونه في مقام الأبوة الحانية يرشد ويعلم ويحنو ولكرم دون أن يشعر من حوله بشئ من الاعتزاز بعلمه أو الإِدلال بمكانته، بل أنه لشعر من حوله بأنه منهم وإليهم وبهذه الصفات الكريمة السمحة تبوأ مكانه في النفوس ورسخت محبته في القلوب ﵀ رحمة واسعة.
[ ١ / ٤٨ ]