ولد الشيخ عبد الرؤوف جمجوم بمدينة جدة عام ١٢٩٩ هـ وكان أبوه الشيخ عبد العزيز جمجوم قد ورث عن والده الشيخ صلاح جمجوم تجارة واسعة وكان بيت الجمجوم معروفا بمركزه التجارى الكبير في مدينة جدة في ذاك الزمان وتعلم الشاب عبد الرؤوف جمجوم الكتابة والقراءة والعلوم الدينية على أيدى أساتذة عصره وكان جميل الخط جيد الحساب وبعد إكمال تعليمه عمل في بيتهم التجارى إلى أن توفى والده وهو في سن الشباب وكانت وفاة الوالد كارثة على الشاب وإخوته من آل الجمجوم مما اضطر الشاب عبد الرؤوف إلى العمل كاتبا لدى التجار بعد أن كان لأسرته بيت تجارى مرموق، وكانت العائلة التي يتكون منها آل الجمجوم كبيرة وتحتاج إلى مصرف كبير فعمل الشاب عبد الرؤوف وكان كما قلنا حسن الكتابة جيد الحساب عمل لدى أربعة من التجار في وقت واحد فكان يعمل لدى الحاج على لطيفه، جد معالى الشيخ محمد عبد الله رضا - وزير التجارة الأسبق لوالدته - ولدى الشيخ عبد الله الصغير التلمسانى، سبقت الترجمة له في إحدى الحلقات السابقة، ولدى الشيخ على شبكشى والد الأستاذ عبد المجيد شبكشى وإخوانه، ولدى التاجر صديق ميرخان وكان يقسم أوقاته في العمل لدى هؤلاء التجار الأربعة من الصباح إلى ما قبل منتصف الليل وكان في
[ ١ / ١٠١ ]
نفس الوقت يشترى الغاز بالجملة حيث يقوم أخوه الشيخ محمد صالح جمجوم على بيعه بالتفرقة في بيتهم التجارى كما كان يقوم بأعمال الدلالة بين التجار وهكذا وجد الشاب عبد الرؤوف نفسه ملزما بالعمل المتواصل من الصباح الباكر إلى منتصف الليل ليقوم بالإنفاق على هذه العائله الكبيرة التي تركها أبوه ولتربية إخوته وتعليمهم ولقد استمر على هذه الحال ثلاث سنوات ثم تولى العمل وكيلا لتجار مكة المكرمة بالدلالة يقوم بشراء البضائع لهم وتحميلها بالجمال إلى مكة المكرمة وكان يقوم بالعمل بمفرده مشتريا للبضائع ومشرفا على استئجار الجمال ثم تحميلها وعلى كتابة الرسائل المتعلقة بها إلى التجار المكيين وقيد حساباتهم في الدفاتر وهو عمل مضن يتولى القيام به عدة أناس ولكن عبد الرؤوف جمجوم وجد نفسه متحملا مسؤوليات عظيمة وهو في هذه السن الباكرة فاضطر أن يجعل من نفسه وكيلا يقوم بكافة الأعمال في وقت واحد.
وعلى ذكر البيوت التجارية أود أن أذكر أن البيوت التجارية في جدة كانت عبارة عن مدارس صمغيرة يتعلم فيها الطلبة أعمال الحسابات التجارية حيث يعملون كتاب حسابات للتجار يمسكون دفاترهم (على طريقة الدوبيا) وبعد سنوات طويلة يتحول قدامى الكتبة التجاريين إلى تجار وقد حذقوا أثناء عملهم الطويل في البيوت التجارية أعمال التجارة نفسها ولقد كان بيت المرحوم الشيخ محمد بن حمد - والد الشيخ أحمد بن حمد التاجر المعروف حاليا - من أبرز البيوت التي يلتحق بها التلاميذ التجاريون إن صح هذا التعبير ولقد التحقت شخصيا كتلميذ في هذا البيت وأول ما كنا نتعلمه هناك هو القيد في دفتر الخرطوش، وهو دفتر صغير تسجل فيه الأعمال اليومية للمبيعات ثم ينقل منه إلى القيد في دفتر اليومية الدفتر الكبير، كما تعلمنا فيه كتابة التحارير التجارية وتتم بأن مجلس الكاتب بين يدى التاجر فيملى عليه الرسائل إلى العملاء مبتدئا بافتتاح الكتاب
[ ١ / ١٠٢ ]
مستفسرا عن صحته أولا هو وصحة عائلته ثم يتحدث عما يريده مما يتعلق بالأعمال التجارية ثم يختم الكتاب بالتحيات وما إلى ذلك وبعد إتمام كتابة الرسائل تطبع في مطبعة (البالوظة) ويتم الطبع بإلصاق الرسالة في دفتر معد لذلك من الورق الخفيف بعد أن توضع بداخله الرسالة وعليها قطعة مبللة بالماء من الخيش ثم يوضع الدفتر بكامله تحت مكينة ضغط من الحديد تدار باليد لتضغط على الرسالة فيتم طبعها على الورق الخفيف داخل الدفتر بطريقة الضغط فإذا الرسالة مطبوعة نصا وحرفا وهذا بطبيعة الحال قبل وجود الآلات الطابعة والآلات المصورة التي تزخر بها المكاتب التجارية في الوقت الحاضر، ويتدرج التلميذ في العمل فإذا أنس التاجر منه نجابة كلفه بالكتابة في الدفاتر الكبيرة مثل دفتر اليومية أو دفتر الذمامات والصوافى وما إلى ذلك فإذا احتاج البيت التجارى إلى كاتب حسابات انتقل التلميذ إلى مرحلة العمل ولقد عرفت كثيرا من تجار جدة الكبار وقد بدأوا حياتهم كتابا في هذه البيوت التجارية أذكر منهم المرحومين الشيخ محمد بن حمد والشيخ حسين فايز وكانا يعملان في بيت الفضل ثم انفرد كل منهم بتجارته الخاصة وأصبح من أشهر تجار جده وخلفهم أبناؤهم من بعدهم والشيخ عبد الرزاق عجلان شفاه الله وعافاه كان كاتبا لسنوات طويلة في بيت الشيخ محمد بن حمد ثم انفرد بعمله التجارى المستقل، والشيخ محمد على أبو داود كان كاتبا في بيت الشيخ أبو بكر باغفار ﵀ ثم أسس عمله التجارى الضخم المعروف الآن مع شقيقه الشيخ إسماعيل أبو داود رئيس الغرفة التجارية وآل داود هم أصحاب مصانع التايد والكلوركس ومؤسسوها والغرض من ذكر هذا الاستطراد هو أن البيوت التجارية كانت عبارة عن مدارس صغيرة يتخرج منها المحاسبون ثم التجار، وكان البيت التجارى مفتوحا من الصباح إلى المساء يتناول فيه التاجر مع أبنائه وكتبته وضيوفه طعام الغداء،
[ ١ / ١٠٣ ]
ويستمر العمل فيه إلى المساء ثم يعود أكبر الكتاب بعد صلاة العشاء ليقضى ساعة أو أكثر في القيد في الدفاتر وفى هذه الحالة يتناول الجميع طعاما خفيفا العشاء، وهكذا فإن العمل كان يستمر طيلة النهار وصدرا من الليل في بعض الأحيان كما أن أيام الجمع لا تعتبر أيام أجازات إذ تفتح فيها المكاتب التجارية في النصف الأول من النهار إلى وقت الصلاة وغالبا يتبادل فيها التجار الزيارات مع أصدقائهم من الموظفين والأعيان وكانت المكاتب التجارية في مدخل البيت أو الدور الأول فيه بينما يسكن التاجر في الأدوار العليا، وكانت أغلب البيوت التجارية مزودة بمخازن تخزن فيها البضائع، ولا يزال بعض هذه البيوت موجودا بجدة حتى الآن على الوضع الذى وصفناه.
نعود بعد هذا الاستطراد الطويل عن البيوت التجارية ودورها في تخريج التجار إلى الشيخ عبد الرؤوف جمجوم لنقول أنه استطاع بعد جهاد شاق إعادة بيتهم التجارى إلى المركز المرموق الذى كان له في حياة أبيه وجده.