في عام ١٣٤٥ هـ أصدر العواد كتاب "خواطر مصرحة" وهذا الكتاب
[ ١ / ١٥٢ ]
أحدث ضجة عظيمة في وقته لأنه كان صريحا في معالجته للأمور التي تناولها بل نستطيع أن نقول أنه كان جريئا بصورة غير مألوفة ولقد تعرض العواد بإصدار هذا الكتاب لمشاكل كثيرة فقد عينت الحكومة لجنة للتحقيق معه فيما ورد في كتابه هذا (^١) وخاصة في مهاجمته للعلماء التقليد بين الذين هزأ بهم فأكثر الهزء وكلفهم كما كلف نفسه شططا وفقد العواد بهذا الكتاب مكانته الممتازة كأستاذ ملحوظ في مدرسة الفلاح بجدة وهي أهم مدرسة في المدينة وانتقل للعمل في المدرسة الحكومية الابتدائية التي كانت شبيهة بالفلاح ولكن لم تكن لها مكانتها ولم يطل به الأمر في المدرسة الابتدائية فانتقل للعمل في مكة في شعبة الطبع والنشر ثم انتقل إلى جدة ليعمل رئيسا لكتاب المحكمة التجارية التي كان يرأسها الشيخ سليمان قابل ﵀ وهو بهذا الانتقال أصبح يعمل في غير مجاله الصحيح وهو مجال العلم والتعليم والأدب والفكر ثم انتقل أخيرا إلى مكة المكرمة ليعمل محققا بالقسم العدلي في إدارة الأمن العام بالحميدية وبانتقاله إلى مكة أمكنه المساهمة في تحرير جريدة صوت الحجاز حين ظهورها لأول مرة فقد كان أحد رؤساء التحرير الثلاثة الذين أطلق عليهم اسم (نخبة من الشبان) وهم الأساتذة عبد الوهاب آشي ومحمد حسن فقي مد الله في حياتها والأستاذ محمد حسن عواد ﵀، وكانت الجريدة تصدر أسبوعية وكان كل رئيس تحرير يكتب افتتاحية أحد أعدادها ولم يستمر العمل في رئاسة تحرير الجريدة بهذا الأسلوب إلا فترة من الزمن ثم عين لها رئيس تحرير مسؤول وقبل أن نستطرد في ذكر الأعمال التي تقلدها الأستاذ العواد لابد أن نقف بعض الوقت عند كتاب "خواطر مصرحة".
_________________
(١) كانت اللجنة مؤلفة من صاحب السمو الملكي الأمير فيصل والشيخ محمد صالح نصيف ومهدي المصلح - انظر ديوان العواد الأفق الملتهب صفحة ٥٧ و٥٨.
[ ١ / ١٥٣ ]
لقد قلت في حلقة سابقة أننا نستطيع أن نؤرخ لظهور الأدب الحديث في الحجاز بظهور كتابي أدب الحجاز والمعرض اللذين أصدرها المرحوم الشيخ محمد سرور الصبان وهما مجموعة مقالات وقصائد لأدباء الحجاز في ذلك العهد وقد شارك فيهما الأستاذ عواد ﵀ مشاركة واضحة وكذلك بظهور كتاب "خواطر مصرحة" للأستاذ محمد حسن عواد وهو كتاب مستقل بذاته وجميع هذه الكتب ظهرت في النصف الأول من الأربعينات وفي أوائل العهد السعودي عام ١٣٤٥ هـ ولقد كان الأدب والشعر في هذه البلاد في حالة ركود تام والأدباء الذين ظهرت بعض آثارهم من قبل كانوا أدباء تقليديين أن صح هذا التعبير فالنثر تضيع معانيه بين ثنايا السجع، والشعر تغلب عليه المحسنات البديعية التي تحفل بالمبالغات والاستحالات، والجو الأدبي يخيم عليه الركود والانحلال في هذا الوقت بدأ شباب مكة وجدة ممن تعلموا في مدارس الفلاح خاصة يفتحون عيونهم على ما تحفل به الصحف المصرية من نثر وشعر وما تنتجه المطابع العربية من ثمرات القرائح والأفكار لأدباء العرب في مصر وسوريا ولبنان بل وفي المهجر فقد كانت هناك الرابطة القلمية ولها مجلة تصدر في نيويورك وكانت تنشر آثار الأدباء السوريين واللبنانيين المهاجرين في أمريكا كما تطبع مؤلفاتهم ومن أبرزهم جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي وغيرهم.
وكانت هذه الصحف وتلك الكتب بما تحتوي عليه من أفكار وما تضمه من آثار تجد صدى عظيما في نفوس الشباب المتعطش للعلم والراغب في تجديد الحياة في جميع مجالاتها، فلما أتيح لهؤلاء الفتية من المتعلمين أن يعبروا عن رغباتهم وأفكارهم كان هذا التعبير ممثلا أولا في الكتابين اللذين أصدرهما المرحوم الشيخ محمد سرور الصبان وهما كتاب "أدب الحجاز والمعرض" وفي كتاب الأستاذ محمد حسن عواد "خواطر مصرحة" الذي هو موضوع هذه الحلقة، لهذا كان كتاب العواد في
[ ١ / ١٥٤ ]
حينه بما حواه من أفكار جريئة مفاجأة لكل من قرأه لا في داخل البلاد وإنما في خارجها ولقد اعتبره الدارسون بداية للتجديد في الأدب الحجازي واستشهد به عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين ﵀، كما أشار إليه الكاتب العربي الكبير محب الدين الخطيب حينما ذكر أن موجة التجديد وصلت إلى الحجاز ولكنها بدأت من الشارع الخامس في نيويورك إشارة إلى ما يحفل به كتاب العواد من النشر الفني على طريقة أدباء المهجر في ذلك الزمان.
وما أذكره عن "خواطر مصرحة" أنني اشتريت نسخة منه وأنا طالب مدرسة الفلاح أول ظهوره وأبصر الشيخ عمر حفني ﵀ وكيل المدرسة النسخة في يدي فسألني عنها فقلت أنها "خواطر مصرحة" قال وهل تريد أن تقرأه؟ قلت: نعم قال: لا تقرأه قلت ولكنه لأستاذنا العواد قال: ولو، أنه كتاب سيئ، ولكن هذا النهي لم يزدني الا إصرارا على قراءة الكتاب والاحتفاظ به ولا يزال عندي حتى اليوم، كما أذكر أن أستاذنا الشيخ حسين مطر مدير مدرسة الفلاح ﵀ ألقى كلمة في الطلاب بعد صلاة الظهر حين ذاك قال فيها ما معناه أن محمد حسن عواد كان تاجا على رأس المدرسة ولكنه بعد أن أصدر كتاب "خواطر مصرحة" فقد مكانته فيها، ولست في حاجة لأن أقول أن كل هذا العداء لم يزد العواد إلا إصرارا على موقفه وتصلبا في آرائه. فقد كان عنيدا لا يتراجع ولو وقف الجميع ضده، والواقع أننا لو أردنا تقييم الكتاب بمحتواه بعيدًا عن الظروف التي شرحناها لوجدنا أنه عبارة عن مجموعة مقالات تدعو إلى الإصلاح وإلى التجديد في كل شيء ولكن بعضها ينتهج أسلوبا جارحا في التعبير وخاصة في تلك المقالة التي يوجهها إلى العُلماء وكان من الممكن التعبير عن هذه الأفكار بأسلوب أكثر هدوءا وأقل اندفاعًا، ولكن الكتاب كما قلنا كان مفاجأة مذهلة للناس فاستحق أن يدخل التاريخ إيذانا بابتداء حركة التجديد في الأدب
[ ١ / ١٥٥ ]
في الحجاز مع ما سبقه من كتابي "أدب الحجاز والمعرض" وما تلاهما من ظهور جريدة صوت الحجاز التي كانت تعبيرا مستمرا عن هذا الأدب لسنوات طويلة فيما بعد.
ولقد أصدر العواد بعد ذلك الجزء الثاني من" خواطر مصرحة" عام ١٣٨٠ (^١) فمرت الخواطر دون أن يشعر بها أحد ذلك أن ما كتبه العواد في عام ١٣٤٦ هـ كان جديدا على الناس وجريئا في ذلك الزمن، أما ما جاء بعد ذلك فقد أصبح أمرا عاديا ومألوفا ولكل زمان حكمه، وقد كان حظ العواد في الخواطر الأولى هو فضل السبق والجرأة فاستحق بذلك أن يدخل التاريخ كأديب مجدد رائد شجاع.