حينا تزوج النبي - ﷺ - أم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد كان يسكن في منزلها في زقاق الحجر المعروف بزقاق الصَّوغ وفي هذا المنزل نزل القرآن الكريم على رسول الله - ﷺ - وفيه ولدت السيدة خديجة رضوان الله عليها أولاد النبي ﷺ من ذكور وإناث وبعد وفاة السيدة خديجة رضوان الله عليها استمر النبي - ﷺ - ساكنا هذه الدار إلى حين هجرته إلى المدينة المنورة فأخذ الدار عقيل بن أبي طالب ﵁ وباعها إلى الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان فجعلها مسجدا (^١)، ولقد عدت على هذه الدار عوادى الزمن فأصبحت خرابا وكان الشيخ عباس قطان قبل وفاته قد استأذن من جلالة الملك عبد العزيز في إنشاء مدرسة لتحفيظ القرآن في هذا المكان الذي نزل فيه القرآن والذي كان مسكنا لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه لسنوات طويلة وكما حصل على الإذن ببناء موضع ولادته ﷺ حصل على الإذن بتشييد المدرسة المطلوبة في دار السيدة خديجة والتي أصبحت تسمى أخيرا (مولد السيدة فاطمة) نسبة إلى السيدة فاطمة الزهراء بنت الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه، وقد باشر الشيخ عباس قطان عمارة هذا المكان عام ١٣٦٨ هـ مبتدئا به قبل عمارة مولد النبي ﷺ، وحينا توفي أكمل أبناؤه من بعده إتمام العمارة المذكوره وسلمت إلى وزارة المعارف لافتتاحها للغرض الذي بنيت من أجله وقد تم افتتاح المدرسة لهذه الغاية وهي مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم ولا تزال باقية حتى اليوم. إن هذا العمل العظيم الذي قام به المرحوم الشيخ عباس قطان هو من الأعمال الجليلة دون شك فعلاوة على ما بذله من المال
_________________
(١) ملخصا عن كتب التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم لمؤلفه الشيخ محمد طاهر الكردي.
[ ١ / ٨٥ ]
في تشييد المكتبة والمدرسة وافتتاحها للإفادة منها فإنه صان بذلك المكان الذي ولد فيه النبي - ﷺ - كما صان المكان الذي نزل فيه القرآن على قلبه صلوات الله وسلامه عليه، ولقد كانت محاولة الحصول على الأذن ببناء هذين المكانين في حد ذاتها تتسم بالإخلاص والشجاعة لأن بعض الناس كانوا يتخذون من بعض الأماكن الكريمة مقرا للشعوذة والضحك على بسطاء العقول وخاصة من الحجاج والجهلة ولقد أدركت الناس في جدة في العهد الهاشمي وهم يتخذون من مقبرة حواء مكانا للشعوذة ويدخل إليها الحجاج للتبرك ويستدرون منهم الأموال بهذه الوسيلة ولست أشك أن جلالة الملك عبد العزيز ﵀ كان يعرف أولا إخلاص الشيخ عباس قطان وصفاء عقيدته ولهذا سمح له بإقامة المدرسة والمكتبة في المكانين المشار إليهما ولم يكن من السهل على غير الشيخ عباس قطان في ذلك الزمن الوصول إلى ما وصل إليه وقد أعانه الله على ذلك فكانت له هذه الحسنة الجارية في بلد الله الأمين تقبل الله منه وجزاه أفضل الجزاء.