ذكرنا في ترجمة الحاج محمد على زينل رضا مؤسس الفلاح أنه حينما قام بتأسيس المدرسة الفلاحية في جدة كان هناك له زملاء تعاونوا معه في تأسيسها وذكرنا أن الشيخ عبد الرؤوف جمجوم وشقيقه الشيخ محمد صالح جمجوم كانا من هؤلاء الشبان الذين تعاونوا مع مؤسس الفلاح فكانوا يأخذون التلاميذ من بيوت آبائهم بعد غروب الشمس ويعيدونهم إلى بيوتهم في جنح الظلام حينما كانت الدراسة في المدرسة تتم ليلا لعدم الحصول على الترخيص من الحكومة العثمانية بافتتاح المدرسة وبعد الحصول على الترخيص لم تكن هناك حاجة لهذه الرحلات الليلية وخصوصا بعد أن اشترى الحاج محمد على المبنى الأول لمدارس الفلاح
[ ١ / ١٠٤ ]
والذى لا تزال المدرسة تشغله كواحد من أهم مبانيها ولقد ذكرت أن التوسع في الدراسة اقتضى من الحاج محمد على زينل أن يهاجر إلى الهند للعمل هناك حتى يتمكن من التوسع في الصرف على مدارس الفلاح وهي تنمو عاما بعد عام ويزيد طلبتها في كل يوم. حينما قرر الحاج محمد على زينل السفر إلى الهند كان محتاجا إلى رأس المال الذى يبدأ به عمله هناك كما كان محتاجا إلى الإنفاق على مدارس الفلاح فترة غيابه وقد اختار الشيخ عبد الرؤوف جمجوم وكان صديقا شخصيا له ومن أكبر معاونيه ليتولى وكالة مدارس الفلاح في جدة ومكة ولقد قام الشيخ عبد الرؤوف جمجوم بهذه الوكالة خير قيام فكان هو يتولى الإنفاق على المدارس الفلاحية ويحرص على تقديم مرتبات مدرسيها وموظفيها شهريا دون تأخير وكثيرا ما كان يدين المدرسة أو على الأصح مؤسسها المبالغ الطائلة في سبيل هذا الإنفاق إلى أن تصل المبالغ المطلوبة من الهند في شكل بضائع أو نقود، وجاءت الحرب العالمية الأولى فانقطعت التجارة بين الهند والحجاز وكان الحلفاء قد قرروا حصة الحجاز في البضائع التي تصدر له من الهند في باخرة واحدة شهريا تحضرها باخرة اسمها الكويت وكان الحاج محمد على يرسل في هذه الباخرة ما تسمح به ظروف التصدير منها وكانت أقل كثيرا من حاجة مدرستى الفلاح في مكة وجدة حتى أنه فكر في الاكتفاء بمدرسة واحدة خلال سنوات الحرب ولكن الشيخ عبد الرؤوف جمجوم أصر على أن تبقى المدارس في مكة وجدة مفتوحة الأبواب وأخذ على نفسه تدبير الإِنفاق عليها مما اضطره إلى التضييق على عمله التجارى والاختصار فيه، كان الناس يقبلون على شراء العقار والذهب الذى كان يباع بأرخص الأسعار ويكدسون أموالهم فيها ليستردوها مضاعفة بعد انتهاء الحرب ويقال أن بعض تجار جده اشتروا الكثير من العقار في مكة في تلك الأيام حيث كان يباع
[ ١ / ١٠٥ ]
البيت الواحد بما يساوى خمسين جنيها ذهبا، وكان هو يجمع الدينار فوق الدينار ليواجه به مرتبات المدرسين والموظفين لمدارس الفلاح محتسبا ذلك كله عند الله قائما بعمله كوكيل لدارس الفلاح بروح المؤمن المحتسب وكان بعض التجار يدفعون للمدرسة إعانات شهرية فلما طال زمن الحرب امتنعوا عن تقديمها ولم تكن ذات شأن.
ويروى الشيخ عبد الرؤوف جمجوم في ذلك قصة لطيفة، قال كنا في أواخر شهر رمضان ١٣٣٤ هـ وحل موعد دفع مرتبات الفلاح وكنت قد دفعت آخر جنيه في الصندوق لمرتبات المدرسين وآويت إلى فراشى في الليل وأنا مغموم فالعيد سيأتى غدا أو بعد غد ولم يبق عندى ما أنفقه على أسرتى بما تضمه من أولاد وبنات كثيرين وفى الساعة السابعة ليلا، قبيل الفجر وأنا أتقلب على فراشى وقد جفانى النوم من كثرة التفكير والهم وإذا مناد ينادينى من أسفل البيت ويدعونى إلى مقابلته فنزلت فوجدت المرحوم الشيخ محمد الطويل ناظر عموم الرسوم ومعه الشيخ أحمد ناظر باشكاتب الجمرك - رئيس الكتاب - والشيخ محمد نور تركى أمين صندوق الجمارك وهم يحملون معهم صرة من الريالات وقال لى الطويل: هذا مبلغ ستمائة ريال مجيدى أرسله لك الملك الشريف الحسين بن على لتصرف منه مرتبات خدم المساجد والأئمة والمؤذنين - وكان الشيخ عبد الرؤوف مديرًا لأوقاف جدة - قال الشيخ عبد الرؤوف ولا شك أن هذا الفرج الذى أرسله الله إلى كان ببركة مدارس الفلاح وبحسن النية الذى انطوت عليه النفس في القيام بهذا العمل، قال وفى اليوم التالى صرفت مرتبات موظفى المساجد وكانت تبلغ ثلاثمائة ريال مجيدى واستدنت الثلاثمائة ريال الباقية للانفاق على أهلى وأولادى لأعيدها بعد العيد.
ولسنا في حاجة لأن نقول إن مؤسس الفلاح قام بتسديد كل ما أنفقه الشيخ عبد الرؤوف جمجوم بعد نهاية الحرب وعودة الأمور إلى طبيعتها الاعتيادية ولكن
[ ١ / ١٠٦ ]
الفكرة هي: ما الذى كان يحدث لمدارس الفلاح لو لم يكن وكيلها الشيخ عبد الرؤوف على هذا المستوى العظيم من التفانى في الإبقاء عليها وإبعادها عن أى تأثير يعوق مسيرتها الخيرة؟ ففى مثل هذه المواقف العصيبة يظهر عظماء الرجال وتظهر تضحياتهم وأعمالهم، ولقد كان الشيخ عبد الرؤوف جمجوم بعمله هذا عظيما ومخلصا في حبه للعلم وتيسيره للناس.