يمتاز استاذنا بفطنة عالية وذكاء حاد، وهمّة لا أجد لها نظيرا اليوم، فهو يجلس يقرأ ويبحث ويحقق مايقرب من ثلثي يومه! كنت أذهب إليه أحيانًا الساعة الثامنة مساءً أقرأ عليه بعد انتهاء عمله في مؤسسته البشارية -هكذا كنت أسميها- وذهاب طلابه الآخرين الذين يتعلمون عنده، وأجده كما كنت أجده في أوّل النهار! لم يكل ولم يمل، بل أشعر أنه لا يريد ترك قلمه وقرطاسه.
ولابد من الإشارة إلى ما افتراه المغرضون وتعلق به الحاسدون زاعمين أنّه لا يعمل شيئًا، وأنّ طلابه هم من يحقق ويشتغل! وهذا والله محض افتراء، فاستاذنا كان يعمل بيديه ويجلس أمامنا الساعات الطوال يحقق ويكتب، والغريب أن من يثير ذلك ليس كبير أحد، وإنما الكسالى الذين لا ينتجون ولا يكتبون اللهم إلاّ صفحات رسائلهم الجامعية أو قريب منها، لذا فالرجل محقق كبير وعالم بالعلل والرجال منقطع النظير في هذه الأزمنة التي نطقت فيها رويبضات لا يعرفون من العلم إلا اسمه! وكل منصف يعرف إنه عالم متقن لصنعة الحديث، في مصاف العلامة الألباني ﵀، ونظرائه.
وغالب من تكلم فيه إنما تكلم بناء على بعض كلام شيخنا المحقق صبحي السامرائي -حفظه الله-،وقد جرى بينهما ما يجري بين الأقران-يغفر الله للجميع- (١)،ومن باب الإنصاف أنا سمعت الدكتور بشار يثني على الشيخ صبحي السامرائي في أكثر من محفل.
وكان الدكتور يبجّل الشيخ الألباني كثيرًا، والشيخ ابن باز وابن عثيمين وكذا شيخه وصديقه أبا غدة، وصديقه الشيخ شعيب الأرنؤوط، وشيخه وصديقه الشيخ حمدي السلفي، ويبجل الشيخ سعيد حوّى -
_________________
(١) قال الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال ١/ ١١١،في ترجمة ابي نعيم الأصفهاني:" كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به، لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد، ما ينجو منه إلا من عصم الله، وما علمت أن عصرا من الأعصار سلم أهله من ذلك، سوى الأنبياء والصديقين، ولو شئت لسردت من ذلك كراريس".
[ ٣١ ]
﵀والشيخ حوّى يبجله ويثني عليه.
أما تواضعه: فكل من يعرف الدكتور يعرف أدبه الرفيع وتواضعه الشديد، وله على تواضعه هيبة العلم ووقاره. ومن تواضعه: أنّه كان يأبى أن يدرسنا حديث النبي - ﷺ - إلا ونحن جلوس على أرض مسجد الجامعة -ويومها كان رئيسًا للجامعة- وهذا الأمر وإن كان معتدًا في مساجد العراق، ولكنه غريب بالنسبة للجامعات الأكاديمية، ويدلّ على تعظيمه حديث رسول الله - ﷺ -،وكان يتعامل مع طلابه بنفس الأب والصديق.
ومن أميز صفاته أنّه كان شجاعًا لا يخفي اعتقاده ورأيه، فمثلا: كنا نسمع منه دومًا عبارة قوية وواضحة في مجالسه العامة ومناقشاته العلمية في الجامعة الاسلامية -حتى بعد خروجه منها-ولا يبالي بالغلاة أو العصاة أو السلطات، وهذه في ذاك الوقت مجازفة خطيرة، وكان يعيب على الطلبة عدم الرجوع والانتفاع من مؤلفات الشيخ الألباني -رحمه الله تعالى-وكان هذا في وقت لا يجرأ أحد على ذكر الشيخ الألباني إلا ذامًا له!
وهو الآن يقطن عمّان الأردن، وآخر مرة زرته فيها عام ٢٠١٠م، وهو بصحة وعافية، متعنا الله بعلمه وعمره.
قلت: وعرضت هذه الترجمة على استاذنا الدكتور بشار عواد معروف حفظه الله، وأقرها وامهرها بمهره.
[ ٣٢ ]