منذ أن اكتشف أصل هذا الكتاب في إحدى مكتبات مكناس في العقد السادس من هذا القرن ومحاولات الباحثين مغربا ومشرقا لإخراج نصه وتحقيق مواده تتابع بجد واجتهاد، إلا أن هذه المحاولات كانت تصطدم دائما بالعراقيل المختلفة التي تحول دون إتمام هذا العمل. فاضطراب نسخة الأصل، وكثرة التصحيف والتحريف بها، وغياب نسخة أخرى - أو على الأقل قطعة منها - يعتمد عليها في القراءة والتقويم والمقارنة، كل هذا أجهض محاولات إخراج هذا النص أو تهيئته للقراءة بهذه الصورة أو تلك.
١ - ولعل أهم هذه المحاولات هي التي قام بها السادة الأساتذة الأجلاء:
سيدي محمد المنوني، محمد بن تاويت التطواني ﵀ (ت ١٩٩٣) في أواخر
[ ٤٧ ]
الخمسينات من هذا القرن، وبالضبط في سنة ١٩٥٧ حينما تبادل الأستاذان العمل وعقدا النية على إخراج الكتاب وتحقيقه. وقد حدثني سيدي وأستاذي محمد المنوني بعد أن مكنني من نسخة مرقونة على الآلة الكاتبة تخص عمله وعمل الأستاذ محمد بن تاويت التطواني ﵀ أن العمل في هذا الكتاب كان قد تقاسمه ثلاثة أساتذة على أن يتولى معهد مولاي الحسن بتطوان طبع الكتاب كاملا بعد إنجاز تحقيقه.
فأخذ الأستاذ سيدي محمد المنوني الثلث الأول، وأخذ الأستاذ محمد بن تاويت الثلث الثاني - وقد تصير عملهما المرقون إليّ، ليمثل نسخة الأصل الرابع الذي اعتمدت عليه في تخريج هذا الكتاب وتحقيقه - وأخذ أحد الأساتذة، ولم أتعرف عليه بعد ولا أملك عمله بين يدي، الثلث الأخير من الكتاب.
وقد بقي أصل الكتاب المخطوط بتطوان بيد الأستاذ محمد بن تاويت التطواني ﵀ ما يزيد على سنة.
إلا أن هذه المحاولة رغم جدية أصحابها واتساع علمهم في الموضوع، لم تنجح في إخراج الكتاب محققا أو في تحرير نسخة سليمة منه تغني عن المخطوط وصعوبته في القراءة. فقد جاء المرقون في عمل الأستاذين سيدي محمد المنوني ومحمد بن تاويت التطواني، كثير البياض لانغلاق خط الناسخ في الأصل في بعض الأحيان وعدم وضوحه، مع كثرة التصحيف والتحريف بالتقديم والتأخير والإسقاط والتغيير بالزيادة أو بالنقصان أو بغيرها. الأمر الذي حال دون إخراج نصوص الكتاب، ما لم تكن مواد هذه النصوص متوافرة في نسخ أخرى منه، أو في مصادر ومراجع اتفقت في إيراد تلك النصوص، أو سبق لها النقل من كتاب أعلام مالقة.
وبالفعل فقد كان إخراج كتاب أعلام مالقة في هذا الظرف بالذات سابقا لأوانه، إذ كان الكثير من المصادر الأدبية والتاريخية الأندلسية والمغربية والتي يمكن الاستعانة بها، ما تزال مخطوطة أو محجوبة، لم تحقق ولم تنشر موادها. ومعلوم أن هذه المصادر تضم كثيرا من المواد الأدبية والتاريخية مما هو وارد في أعلام مالقة، فكان ظهورها ونشرها يساعد من قريب أو بعيد على قراءة عدد من نصوص كتاب أعلام مالقة.
ولذلك كانت المرقونة التي أمدني بها الشيخ الجليل سيدي محمد المنوني يزاحمها بياض في كثير من موادها، مما استعصى على القائمين على العمل فيها سابقا أن يتخذوا منها عملا لتحقيق الكتاب أو تخريج نصه.
[ ٤٨ ]
غير أن هذه المحاولة التي أمدني بنصها المرقون الأستاذ محمد المنوني، تضع بين يدي في النهاية نسخة أخرى من الكتاب، هي التي أطلقت عليها نسخة الأصل الرابع. وهي وإن لم تكن نسخة تامة تضم المعروف من كتاب أعلام مالقة، إلا أنني استفدت منها كثيرا في القراءة، واستعنت بها في كثير من الأحيان في ترجيح الصيغة الأصل باعتبارها تمثل قراءة اجتهادية لعالمين كبيرين يدين لهما التراث العربي في المغرب والأندلس بالفضل الكبير. لا سيما وقد خبرا المخطوطة المذكورة وعايشا موادها وخط ناسخها، وتأملا ما فيه الكفاية فيها.
٢ - وتتابعت المحاولات الأخرى في إخراج نص الكتاب. فقد قام بعض الأساتذة الأسبان من المستعربين بمحاولة جريئة لاقتحام مواد هذا الأصل من الكتاب، ورغم أني لم أطلع على ما أنتجته هذه المحاولة، إلا أن مآلها كان كالمحاولة السابقة. فلم يظهر للكتاب ذكر وكان الاضطراب والتصحيف والنسخة الوحيدة هي العوائق الكبرى في عدم إخراج الكتاب. ورغم أن أصل الكتاب المخطوط قد أصبحت له صورة على الورق في الخزانة الحسنية تحت رقم ١٠٥٥، وأصبحت له صورة على الشريط في الخزانة العامة بالرباط، وأصبحت له عدة مصورات على الورق عند كثير من المهتمين بالتراثين الأندلسي والمغربي في المشرق والمغرب وفي العديد من المكتبات الخاصة والعامة، بحيث اتسع الاطلاع على مخطوط أعلام مالقة والاستفادة منه - رغم كل هذا فإن العمل في تحقيق الكتاب لم يجرؤ عليه أحد للموانع السابقة المتقدمة الذكر.
٣ - وفي هذا الظرف بالذات وفي سنة ١٩٨٠ أو قبيلها بقليل تأتي محاولة إخراج نسخة مقروءة - على الأقل - من الكتاب المذكور، معتمدة في ذلك على مصورة من مصورات المخطوط الأصلي، ومستهدفة تجاوز الموانع السابقة، وذلك بالوقوف عند النص وقفة متأنّية يطبعها التأمل والمراجعة، ومعاناة قراءة مواده وتصويب ما تحتمله الصيغ المفترضة عند هذه القراءة، إن كان في النص ما يستعصي الحسم فيه لنقص أو زيادة أو تحريف.
هذه المحاولة هي التي قام بها العبد الضعيف الذي يعمل اليوم على إخراج هذا الكتاب والتقديم له. وحينما أقول بأن هذه المحاولة قد قامت على معاناة قراءة النص، فلأن ما استحضرته من مصادر مساعدة وما استنفدته من وقت للتأمل وما هيأته من ظروف الاستعداد لمراجعة الاحتمالات في القراءة وتقبل اختياراتها تقويما
[ ٤٩ ]
وتصويبا وتوجيها واستيفاء المرجحات في ذلك مع الاستعانة بما كان قد أفاد به النشر من مصادر ومراجع في التراث المغربي والأندلسي - كان شيئا كثيرا لا يقدره إلا من اطلع على نص الكتاب في أصله المخطوط وعانى قراءته في تلك الصورة وقارن بينه وبين الوضع الذي آل إليه في الصورة المقروءة التي نقدمها اليوم إلى القارئ. فهو جهد كبير خدمت به العلم، وأرجو من الله أن يتقبله مني ويثيبني عليه بفضله وخيره.
ولم أكن أهدف في ذلك أكثر من تهيئة نسخة من الكتاب أعتمد عليها أنا وغيري في القراءة، وبخاصة عند النقل منها أو الإحالة عليها وعلى موادها. ورغم أن هذه النسخة قد ظلت ناقصة في بعض الصفحات التي استعصت فيها القراءة لعدم وضوحها في الصورة المذكورة، وظلت فيها بعض البياضات وإن كانت قليلة نسبية، فإن هذه المحاولة في الأخير قد أثمرت نسخة مقروءة في عمومها لكتاب أعلام مالقة وإن لم تكن تامة. أكثر صفحاتها بخط يدي، والعديد منها مرقون على الآلة الكاتبة.
هذه النسخة هي التي أعطت نسخة الأصل الثالث الذي اعتمدت عليه في تخريج هذا الكتاب اليوم وتحقيق مواده.
٤ - وتأتي محاولة أخرى في الموضوع فتعتمد على نسختي الخطية السابقة المتقدم ذكرها، وتعاني قراءة ما لم أتمكن من قراءته، وتصويب ما زلّ به النظر عندي، أو مال القلم فيه لدي. هذه المحاولة هي التي قام بها الفقيه سيدي محمد بن الأمين بوخبزة، وقد استخرج معها نسخة شبه تامة من النص الموجود من الكتاب.
وهي نسخة في عمومها مقروءة قليلة البياض، مهرها الفقيه المذكور بخطه المغربي المدموج. وتوجد منها مصورة على الشريط بالخزانة العامة بالرباط، كما توجد منها مصورات على الورق أخذت من الأصل المخطوط مباشرة، عند بعض المهتمين بالتراث المغربي والأندلسي ممن لهم علاقة ما بالفقيه بوخبزة.
وقد كان الفقيه بوخبزة أمينا في رسم الصورة التي تولدت معها هذه النسخة، والتعريف بالأصول الخطية التي اعتمد عليها في النقل. ولذلك شرح في خاتمة نسخته الظروف التي تمت فيها هذه المحاولة، والكيفية التي ابتدأ بها عمل النسخ في هذا الكتاب والمآل الذي انتهى به إليه. فيذكر في الصفحة الأخيرة من نسخته ما نصه: «… انتهى ما وجد من هذا الكتاب، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. وكان ابتداء نقله من مصورة الأخ الشريف السيد محمد إبراهيم بن أحمد الكتاني الفاسي المأخوذة
[ ٥٠ ]
عن ميكروفيلم محفوظ بالخزانة العامة برباط الفتح، عن النسخة الوحيدة المعروفة لهذا الجزء المملوكة لأحد فضلاء مدينة مكناس، في نحو عام ثمانين وثلاثمائة وألف. وتوقفت عن النسخ مرارا لرداءة الصورة وكثرة التحريف والتصحيف في الأصل، حتى أعارني الأخ الأستاذ الباحث بلديّنا عبد الله بن محمد المرابط الترغي صورته من النسخة وأوراقا بخطه تمثل نحو ثلثي الكتاب عانى فيها إخراج نسخة تامة. فاستعنت بهما، وأتممت هذه النسخة على ما فيها في صيف عام سبعة وأربعمائة وألف. وبالله التوفيق. وكتب محمد بن الأمين بوخبزة الحسني عفا الله عنه بمنه آمين».
وقد أمدتني محاولة الفقيه بوخبزة هذه بنسخة مقروءة وشبه تامة من النص الموجود من الكتاب. وهي النسخة التي أطلقت عليها: نسخة الأصل الثاني. وقد اعتمدت عليها في إخراج هذا الكتاب اليوم وتحقيقه.
٥ - وتأتي آخر المحاولات ليكتمل بها الكتاب في صورته النهائية التي أقدمه بها إلى المطبعة. وتقوم هذه المحاولة على القراءة المتأنية للنص قراءة سليمة، اعتمادا على نسخ الأصول المتقدمة الذكر، ومعاناة قراءة ما تبقى أو ظل غامضا، وإعادة قراءة ما كان في حاجة إلى تقويم أو تصحيح أو ترجيح. وقد أعطت هذه المحاولة الصيغة النهائية التي استقر عليها كتاب أعلام مالقة ليكون جاهزا للطبع وتقديمه نصا سائغا إلى القارئ.
وهكذا كانت عملية إخراج نسخة سليمة من الكتاب وتحقيق نصه اليوم - بما تحمله هذه العملية من مجهود صاحبها - تستوعب محاولة السابقين من الأساتذة في قراءة مواده، وتستعين بمجهودهم في ذلك. فهي قراءة اجتهادية تسعى إلى الصواب وترجيح صيغه في أصل أثّر فيه الناسخ، فداخله الكثير من التحريف والتصحيف والسقط. وهي في الأخير معاناة لهذا النص لتستقيم قراءته ولو في مستوى من مستويات هذه الاستقامة، حسب ما بذله المحقق من جهده، وحسب ما تيسر له من معارف، وحسب ما أتاه الله من رشد وفضل. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
[ ٥١ ]