المقدمة
كتاب أعلام مالقة التقديم والدراسة
[ ٥ ]
﷽
وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
هذا كتاب نفيس طالما تشوق إليه الباحثون في التراث العربي. فهو يتعلق بتراجم أعلام حاضرة أندلسية، هي مالقة، كان لها دور مهم في بناء الحضارة والثقافة في دولة الإسلام بالأندلس. وهو بموضوعه هذا يمثل أحد كتب التراجم البلدانية الأندلسية التي نجت من التلف رغم عوادي الزمان وأحداث الضياع التي أصابت التراث العربي في هذا القطر.
فهو بتراجم رجاله يكشف عما كانت تعرفه حاضرة مالقة من علم ونشاط في ممارسته تحصيلا وتدريسا وتأليفا. وهو بما يحتفظ به من حديث عن هؤلاء الرجال وآدابهم وسلوكهم وتصوراتهم ومواقفهم يقرب لنا بيئة الأندلس في حواضرها ومجالس علمائها وما كان يجري في ساحات الدرس بين طلبتها وأساتذتها.
فهو يسد ثغرة كبيرة في تاريخ وأدب هذا الأندلس في التراث العربي، فيختص بما أنتجه رجال مالقة من علم وأدب وما ساهموا به من جهتهم في تجلية الصورة الثقافية العامة والخاصة في الأندلس. ولم يكن غيره ليسد ذلك طالما أنه ينفرد بالعديد من هذه التراجم والعديد من نصوص الأدب التي ارتبطت بأصحاب هذه التراجم شعرا ونثرا.
ورغم الضرورة التي كانت تلح وبشدة على نشر هذا الكتاب والعمل على تحقيقه وتيسير الاستفادة منه، فقد كانت هناك موانع متعددة تحول دون ذلك.
فالكتاب في أصله يوجد في نسخة خطية وحيدة. ومن سوء الحظ أن ناسخ هذا الأصل الفريد لم يكن ممن يتقن عمل النسخ، فوقع في النص التحريف والتصحيف وداخله الإسقاط والزيادة والتغيير. وهي الموانع التي ظلت تحول دون
[ ٧ ]
تعميم الاستفادة من هذا النص والعمل على تحقيقه ونشره. ولطالما أوقفت هذه الموانع المحاولات الكثيرة التي قام بها العديد من الأساتذة في المغرب وغيره لتحقيق هذا النص وتخريجه.
إلا أن إرادة الله في إخراج هذا النص وإحيائه وتيسير سبل نشره والاستفادة منه، قد آذنت فيه بالعمل لهذا العبد الضعيف ليقتحم مغالقه، وقربت إليه من الأسباب الإلهية والعلية ليتجاوز موانعه، وهيأت له من فضل الله كل الظروف من وقت وعلم وصحة لتكبر بجانبها آمال النجاح في بعث هذا الكتاب وإجراء قراءته.
لذلك كان الإقدام على تحقيق هذا الكتاب وإخراجه بالصورة التي يعم بها النفع يحمل الإذن من الله تعالى في تجاوز تلك الموانع والتغلب عليها بالصبر والمتابعة واستيفاء النظر والتأمل والإخلاص في العمل وخلق فرص نجاحه.
فتجاوز ما كان يعرف بالنسخة الوحيدة من هذا النص وما طرأ عليها من أعمال الناسخ بالتصحيف والتحريف والإسقاط والزيادة وغيرها مما كان يبدو في أول الأمر مستحيلا، قد بات بفضل الله أمرا ممكنا، مع تتابع العمل والإصرار على ملاحقته:
بالتأمل الطويل أولا. فقد مرت عليّ أيام وأنا أراود في هذا النص بيتا شعريا أو جملة نثرية استعصت صياغتهما الواردة في الأصل أن تستقيم. فأقلب احتمالاتهما وأستوفي ما يحضر فيهما من لغة وصرف وتركيب وبلاغة.
وبالاستفادة ثانيا من المصادر والمراجع والعودة إليها مرات متعددة لما يمكن أن تحمله من حل لغز الخفاء في النص أو ترجح الصواب في صيغة من صيغه.
وقد استقام النص في النهاية بفضل الله، والله يؤتي الفضل من يشاء، ليغيب عنه البياض، وينجاب عنه ظلام التحريف والتصحيف والإسقاط والزيادة، فيصبح في وضع ينفع فيه الناس وتستجيب مواده للقراءة والاستفادة.
وما كان ليتم هذا التحقيق وبهذه الصورة لولا مجهود الذين سبقوا بالعمل فيه.
فأعمال الفقيه سيدي محمد بوخبزة، والأستاذ المنوني والأستاذ المرحوم بنتاويت التطواني، كانت خطوات مرحلية لا بد منها لتجاوز ما تسلط على هذا النص من موانع الإرجاف والتهويل والتخويف. فلهم الفضل في اقتحام موانع هذا النص ورسم معالم الطريق نحو إحيائه بالتخريج والتحقيق. وإنه بإحياء هذا الكتاب وتهيئه للقراءة
[ ٨ ]
السليمة المفيدة نكون قد أضفنا جديدا إلى الثقافة العربية والإسلامية، وذلك بالكشف عن نص نادر فيه من الأدب والتاريخ ما لا نجده في مصدر آخر، وكذلك بإزاحة الأستار عن ملامح الأسلوب الثقافي والحضاري الذي صاغ به الإسلام بيئة الإنسان في الأندلس وطبعها به.
وأخيرا أرجو من الله التوفيق والسداد، وحسبي الله ونعم الوكيل.
طنجة ٣٠ رمضان ١٤١٤ موافق ١٣ مارس ١٩٩٤
الدكتور عبد الله المرابط الترغي
[ ٩ ]