المعروف بالكتندي، يكنى أبا بكر، من أهل غرناطة، وسكن مالقة مدة. وكان كاتبا لبعض ولاتها، وتردد عليها. وكان صاحبا لأبي عبد الله الرصافي، ولأبي علي ابن كسرى، وبينهم بمالقة مقامات أدبية ومجالس / شعرية وارتجالات نبيهة.
وكان أبو بكر هذا من أهل الأدب البارع والنظم الفائق. وذكرته، وإن لم يكن من أهل مالقة لسكناه بها، وما بينه وبين أدبائها … فمن شعره ﵀ ما حدثني به الفقيه أبو القاسم بن عبد الواحد ﵀، وذلك في قوله يصف صفيحة نحاس عليها أسود نحاس أربعة: [مخلع البسيط]
انظر إلى الماء وانصبابه … يجري من افواه أسد غابه
أزرق ينساب ذا حباب … كأنّه الأيم في انسيابه
فاعجب لمرأى يروع، لكن … قد زاد أنسا محلّنا به
من كلّ ليث إزاء ليث … يمجّ رقطاء من لعابه
أمنك من أنف ذي وفيها … آمن (^٢) من ظفر ذا ونابه
وقوله: [كامل]
ومهفهف هزّ الحسام وربّما … فلّت لواحظه مضارب حدّه
حيّى فبالغ في تحيّته وقد … أبدى الحياء تورّدا في خدّه
فسألت ما هذا، فقال مجاوبا: … أنسيت نيسانا ويانع ورده
لا تنكروه فمن دم أهريقه … بلحاظ من ساورت منه بودّه (^٣)
الورد خدّي، والمهنّد ناظري … ودم المحبّ هديّة من عنده
وقوله ﵀، قال شيخنا أبو القاسم: وهو مما ارتجل فيه: [بسيط]
يا نخبة الظّرف بل يا نخبة الأدب … (هل) (^٤) للهوى غير ذاك الحسن من سبب
_________________
(١) ترجمته في: المغرب ٢٦٤/ ٢ - زاد المسافر: ٩٥ - الذيل ٣٤٩/ ٦ - التكملة ٥٣٥/ ٢.
(٢) في الأصل أ: امنا.
(٣) يرد في الأصل أبهذه الصفة: بلواحظ من ساورته تودده.
(٤) زيادة ليستقيم الوزن والنص. وفي أصل المنوني: ما للهوى.
[ ١٠٦ ]
البدر أطلعت من قدّ على غصن … متى ظفرت بأفلاك من القضب
وقوله ﵀ في النّارنج: [سريع]
انظر إلى النّارنج مستغربا … فما على إغرابه (من) (^١) مزيد
ألّفت الضّدّين أشجارها … وذاك من أغرب ما في الوجود
وقوله ﵀ (^٢): [وافر]
لأمر ما بكيت وهاج شوقي … وقد سجعت على الأيك الحمام
لأنّ بياضها كبياض شيبي … فمعنى شذوها (^٣): قرب الحمام
ومن شعره ما حدثني الأديب أبو عمرو بن سالم عن الأديب أبي علي بن كسرى عنه، / وهو قوله رحمه الله تعالى (^٤): [مخلع البسيط]
يا سرحة الحيّ يا مطول … شرح الذي بيننا يطول
عندي مقال فهل مقام … تصغين فيه لما أقول
ولي ديون عليك حلّت … لو انّه ينفع الحلول
ماض من العيش، كان فيه … ملبسنا ظلّك الظّليل
زال وماذا عليه، ماذا … يا سرح لو لم يكن يزول
وقوله ﵀ في الزهد: [بسيط]
أنت الغنيّ وإنّ الفقر برّح بي … فأغنني بالغنى المغني عن الوصب
إن تدرّكني برحمى لم أخف دركا … وإن تكلني إلى نفسي فيا نشبي
وحدثني الأديب أبو علي بن كسرى، قال: دخلت يوما بستان الوزير أبي عمران بن مرزوق (^٥)، فوجدت أبا بكر الكتندي، وفي يده إناء قد ملأه ماء، وهو
_________________
(١) زيادة ليستقيم الوزن والشعر.
(٢) البيتان في زاد المسافر: ٩٥.
(٣) في زاد المسافر: فمعنى سجعها
(٤) الأبيات في: التكملة ٥٣٦/ ٢ - والذيل ٣٥٠/ ٦ - وزاد المسافر: ٩٥ وبرنامج الرعيني ٦٦.
(٥) هكذا في الأصل / وسترد ترجمته في أعلام مالقة تحت اسم موسى بن رزق.
[ ١٠٧ ]
يسقي به أصل بهار قد ظهرت فيه نوارة في غير أوانها، فعجبت من كلفه بها. فقلت:
هل حضرك شيء فيها؟ فأطرق ساعة ثم أنشدني ﵀: [مخلع البسيط]
وحقّكم إنّه بهار … يوجب أن تصبح العقار
عزّه تشرين. أيّ يوم … إليه من حسنه يشار
بعد احتجاب وطول عهد … أبدى فما، خدّه البهار
في روضة سال كلّ شرب … منها كما تنتضى الشّفار
سقيت وسميّة هموعا … يا روضة حثّها ابتكار
قال الأديب أبو علي: ثم اتفق أن دخلت البستان المذكور في أول البهار فكتبت إلى أبي بكر الكتندي ﵀: [مخلع البسيط]
يا مولعا بالبهار زرنا … فروضنا زاره البهار
وانشط إلى قهوة أرتنا … شمس نهار ولا نهار
في روضة إن حللت فيها … حلّ بها الأنس والوقار
باكر أبا بكر المفدّى … كأسا وزهرا له ابتكار
راق سناه العيون لمّا … واسط مبيضّه اصفرار /
كأنّه كأسنا المدار … فذا زجاج، وذا عقار
يبسم ثغر الرّياض منه … عن درر، حشوها نضار
قال أبو علي: فلم ألبث إلاّ يسيرا حتى سمعنا صوته وهو يقول:
ها أنا بالباب عبد قنّ … أتى به طيفك الهنيّ
قال أبو علي بن كسرى: كنت في أحد الأيام (قد) فارقت الأديب أبا بكر الكتندي على أن أجتمع معه عشي ذلك اليوم في البستان المذكور. ثم اتفق أن خرجت مع جملة أصحاب، وتركت أبا بكر المذكور. فأعلم بجمعنا فكتب إليّ:
[مخلع البسيط]
يا مولما قد ألام (عنّا) (^١) … لم يثن قوما إلى مزاره
_________________
(١) زيادة ليستقيم الوزن والنص. / وفي أصل المنوني: لم يثن ندبا إلى مزاره.
[ ١٠٨ ]
جدت له من دمي بمزن (^١) … وضنّ بالرّشف من قراره
جنّته أزلفت لغيري … وبرّزت لي جحيم ناره
وقال أبو علي: فلما قرأت البطاقة خجلت، وخجل من كان معي من الفتيان، فكتبت إليه: [مخلع البسيط]
يا لائما قد ألام لمّا … أجريت فعلي على اختياره
فرّق ما بيننا اجتماع … أشفقت منه على وقاره
لمّا اضطررنا له، ولكن … لا عذر للمرء في اضطراره
وحدثني الأديب أبو عمرو قال: أنشدنا أبو الحسن الوقّشي، قال: أنشدنا أبو بكر الكتندي، وأمر أن تكتب على قبره ﵀ (^٢): [مديد]
حيّ قبرا بالبقيع حوى … ذا اغتراب حطّ أرحله
جدّ في تسياره وجرى … طلقا ما شاء أطوله
فهو قد ألقى عصاه ولم … يدّخر إلاّ توكّله
وله رحمة الله عليه: [بسيط]
إلى أبي القاسم المختار من مضر … حنّت (له) الجدع قبلي، فاز بالكرم
أنام ملء جفوني لا يمثّل لي … في نومة فكأنّ العين لم تنم
فالنّفس في يأسها منكم مولّهة … ليست من الأمل الأسنى على أمم
كم رمتها يا رسول الله مرتبة … لو كنت آمل أن ألقاك في الحلم
وشعره ﵀ كثير (^٣).
ومنهم: