يكنى أبا عبد الله ويعرف بابن الفخار. من أهل مالقة، الحافظ الإمام. كان ﵀ حافظا للحديث وأسماء الرجال، وكان فقيها ذاكرا. قال شيخنا أبو جعفر ابن عبد المجيد (^٤): كان أبو عبد الله ﵀ حسن الخلق، حسن الملاقاة، كثير الذكر مع دعابة كانت فيه.
ووصفه شيخنا أبو علي ﵀ في رسالته إلى أهل سبتة، فقال: صقل أيّام
_________________
(١) سيترجم له في أعلام مالقة تحت اسم: عبد الله بن محمد بن … ذمام.
(٢) الأبيات في: الذيل ٢٧٩/ ٦، وفيه: وأرى كل من صحبت دفينا.
(٣) ترجمته في: الذيل ٨٧/ ٦ - والتكملة ٥٤٧/ ٢ (ط. العطار) - بغية الملتمس: ٥٧ - تذكرة الحفاظ: ١٣٥٥ - الأعلام للمراكشي ١٢٥/ ٤، وقد خلط بينه وبين ترجمة ابن كامل الحضرمي، ويعرف أيضا بابن الفخار المالقي.
(٤) هو أبو جعفر الجيار (ت ٦٢٤) ترجمته في: الذيل ٢٥٨/ ١ والمراجع المذكورة.
[ ١١١ ]
شبيبته، وكهولته صوارم الاجتهاد وشحذ مداه، حتّى طبّق مفصل الحمل وأدرك من العلم غايته وبلغ مداه. فقيّد بخطّه من العلم شوارده، وثقفها حتّى حمد الغادي والرّائح مصادره وموارده، فرأس بعد ما درس، وأحيا بمعرفته ما ذهب من العلم ودرس. وقد عوّل عليه في مشورته وفتاويه، فليس أحد من نظرائه يجاريه ولا يساويه. بذّ (أقرانه) في حفظ المتون والنّصوص، فهو فذّ على العموم والخصوص.
وأمّا طرق الحديث ومعرفة رجاله، فليس أحد يتصرّف فيها تصرّفه ولا يجول كمجاله. قد أتقن ذلك الباب وأحكم طرائقه، وتربّى بمحاسن جمّة وآداب رائقة.
وكان (^١) ﵀ في أول أمره يعقد الوثائق بمالقة. وكان مع ذلك لا يفتر عن الدرس والنظر. ويحكى عنه أنه كان أيام الفتنة بمالقة ربما طلب بالمبيت في السور أو نحو ذلك مما يجمع الناس إليه، فكان لا يفارق كتابه ولا يفتر عن درس دولته.
ولم يزل على اجتهاده وهو إمام يرحل إليه حتى توفي ﵀.
وكان (قد) وظف على نفسه وظائف من الكتب التي كان يحفظ. يستظهرها حتى يختمها.
وحدثني الطبيب أبو محمد بن الفخار، وهو قريبه، قال: سافرت مع خالي أبي عبد الله من مالقة إلى مراكش حين استدعي إليها، وكان ذلك في فصل الشتاء، وصادفنا الأمطار والأوحال، فكان مع ذلك لا يفتر عن القراءة ليلا ولا نهارا، مستظهرا من حفظه. وسمعته ليلا وقد ختم ودعا، فتوهمت أنه ختم القرآن، فكلمته في ذلك، فقال: ختمت كتاب الموطأ (^٢).
ولد ﵀ في التاسع من رجب عام أحد عشر وخمسمائة. واستدعاه أمير المؤمنين المنصور أبو يوسف إلى حضرة مراكش في عام ثمانين وخمسمائة. وتوفي بمراكش في السابع عشر من شعبان المكرم سنة تسعين وخمسمائة.
حدث ﵀ عن الأستاذ أبي مروان بن محمد، وعن الفقيه الخطيب أبي محمد عبد الغفور، وعن الفقيه الزاهد أبي عبد الله بن معمر، وعن أبي مروان بن مسرة، / وعن الإمام أبي بكر بن العربي، وعن الشريف أبي عبد الله القرشي
_________________
(١) و(^٢) وردت هذه الفقرات في الذيل والتكملة ٩٠/ ٦ نقلا عن ابن عسكر، مع تقديم وتأخير.
[ ١١٢ ]
المرواني، وعن الأستاذ أبي محمد بن فائز، وعن غيرهم حسبما تضمنه برنامج روايته. وحدث عنه شيوخنا ﵏ وجماعة من أصحابنا. وقد أخبرني (^١) بعض أصحاب خالي أبي الحسن ﵀ أن خالي ﵀ كان قد استجازه (لي) (^٢) في آخرين ممن أدركتهم ولادتي فأجازوني. ولكن لم أقف على ذلك، فلم أسامح نفسي في الرواية بهذه الإجازة.
وكان ﵀ كثيرا ما يملي في مجالسه من حفظه الحكايات الأدبية والأمثال العربية والأشعار.
قرأت على شيخنا الأستاذ أبي علي بن عبد المجيد ﵀، قال: حدثنا الحافظ أبو عبد الله قال: حدثني الفقيه أبو عبد الله بن معمر، عن الفقيه القاضي أبي عبد الله بن خليفة، عن العذري، عن أبي عمرو عثمان بن أبي بكر الصدفي، قال:
حدثنا أبو حازم، قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن الحسن، قال: أنشدنا أبو حاتم: [بسيط]
اليأس أبقى لماء الوجه من طمع … والصّبر أفضل في المكروه من جزع
ولست مدرك شيء أنت طالبه … إن كان شيء من المقدور لم يقع
وقرأت على الأستاذ أبي علي ﵀ عن الحافظ أبي عبد الله، عن أبي بكر (ابن العربي، عن) (^٣) ابن طرخان، قال: أنشدني أبو عبد الله الحميدي لأبي محمد الحجاري (^٤): [متقارب]
ألا أيّها العائب المعتدي … ومن لم يزل بالعدا مرتد
مساعيك يكتبها الحافظان … فبيّض كتابك أو سود
وحدثني الأديب أبو عمرو بن سالم قال: حدثنا الحافظ أبو عبد الله لفظا، قال: قال الأصمعي: كنت مقبلا في الهاجرة من أرض بني عذرة راكبا على بعيري فسمعت صوتا (يقول) (^٥): قف يا أصمعي. فالتفتّ فلم أر أحدا. ثم نوديت الثانية:
_________________
(١) صائغ الترجمة هنا هو القاضي أبو عبد الله ابن عسكر، ويحيل هنا على خاله أبي الحسن على ابن عسكر.
(٢) ما بين القوسين زيادة من أصل المنوني.
(٣) زيادة يقتضيها النص.
(٤) البيتان في: الغنية للقاضي عياض: ٢٠٠ وفيه: ومن لم يزل للعدا … / والصلة: ٤٧١.
(٥) زيادة يقتضيها السياق.
[ ١١٣ ]
قف يا أصمعي. فالتفت فلم أر أحدا. فاقشعرّ جلدي. ثم نوديت الثالثة، فرفعت رأسي، فإذا شخص راكب بين السماء والأرض على كركي، وهو معمّم بثعبان، وقد جعل رأسه مما يلي جبهته، وبيده أفعى يضرب بها الكركي، فقال: من أين أقبلت يا أصمعي؟ قلت: من بني عذرة. قال: ما صنعت عندهم؟ قلت: كتبت عنهم الأشعار واللغات والأخبار. قال: أتعرفني؟ قلت: لا. قال: أنا إبليس، أتيت رجلا من الجن فسألته حاجة، فأبى عليّ فيها، وقد قلت في ذلك بيتي شعر، فاروهما عنّي، ثم أنشد: [مجزوء الكامل]
ما بقى في الإنس حرّ … لا ولا في الجنّ حرّ (^١)
قد مضى حر الفريقي … ـن فطعم العيش مرّ
ثم ضرب كركيه ومشى. فلا أراه إلاّ كلّف رجلا من الجنّ أن يغوي له مؤمنا من الإنس، فأبى عليه، والله أعلم. /.
قال الأديب أبو عمرو: وأنشدني بعض الأدباء قبل هذين البيتين:
ذهب النّاس ومرّوا … ومضى العيش الأغرّ
ومن نحو ذلك ما حدثني به الشيخ الصالح أبو جعفر بن عبد المجيد ﵀. ونقلت من خط خالي (^٢) ﵀، عن الحافظ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم ابن الفخار قال: حدثنا الفقيه أبو مروان بن بونة، قال: حدثنا أبو بحر سفيان بن العاصي الأسدي، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن عمر بن أنس العذري، قال: قال أبو العباس الكسائي، قال: حدثنا الحسن بن محمد بن أبي بكر المرادي الوزير، قال: قال الحسن التنيسي، قال: رأيت إبليس راكبا على ثعبان ملجم بأفعى وهو يقول: [سريع]
ألم ير القاضي وأصحابه … ما فعل الله بأهل الورى
بلى ولكن ليس من سفلة … إلاّ إذا استعلى أذلّ الورى
يا ليتني قد متّ فيما مضى … ولم أعش حتّى أرى ما أرى
_________________
(١) كتب بهامش الأصل أما نصّه: انظر شعر ابليس لعنه الله.
(٢) أي خال القاضي ابن عسكر، وهو أبو الحسن علي بن عسكر / وسيترجم له في أعلام مالقة.
[ ١١٤ ]
فكلّ ذي خفض وذي رفعة … لا بدّ أن يعلو عليه الثّرى
قال: فاستوقفته، فوقف لي، وقال لي: يا حسن، إن لي نفسا تحبك. ولقد كنت إلى لقائك بالأشواق. جالس العلماء وزاحمهم بركبتك، تعش بينهم محبّبا.
وإيّاك والحسد، فإن الحسد أوقعني فيما أوقعني. ومخرق على الناس ومخرق بهم، فإنما الدنيا مخاريق. فولّى وهو يقول: [سريع]
إذا أردت الآن أن تكرما … فأرسل الدّينار والدّرهما
وكلّما أبصرت شيئا ولم … تسطع بأن يأتي فأرسلهما
فليس في الأرض وما فوقها … أقضى لما أحببته منهما
وحدثني الأديب أبو عمرو، قال: حدثنا الحافظ أبو عبد الله بن الفخار بسند اختصرته مخافة التطويل. قال علي بن عبد الصمد الكوفي: خدمت بهلولا عشر سنين ألتقط من نوادره وأتلقف من أشعاره، وأذب عنه من يؤذيه، ففقدته أياما على شدة طلبي له، فوجدته يوما، وحوله جماعة من الصبيان يرمونه بالحصى، فسلمت عليه، فلم يردّ. إلا أنه قال: نحّ عنّي أولاد بني الطّوامث، فأزلتهم عنه. ثم سألته عن حاله. فقلت له: ما تشتهي؟ فقال: أشتهي بريد الباقل بدهن شيدج أو بدهن جوز، فصنعتها وهيأتها. ثم أدخلته مسجدا ووضعتها بين يديه. فجعل يأكل أكلا دلّني على أنه جائع. فقلت له: أيها الأستاذ، هل أحدثت شيئا في رقّة الشّعر؟ فهمّ أن يضرب رأسي بالقصعة. / فتركته حتّى شبع، وسكن، وطابت نفسه. ثم قلت له:
أيها الأستاذ ما قلت؟ قال: اكتب: [سريع]
أضمر أن أضمر حبّي له … فيشتكي إضمار إضمار
رقّ فلو مرّت به نملة … لخضّبته بدم جار
فقلت: أرقّ من هذا. فقال: اكتب: [بسيط]
شبّهته قمرا إذ مرّ مبتسما … فكاد يجرحه التّشبيه إذ علما
ومرّ في خاطري تقبيل وجنته … فسيّلت فكرتي من عارضيه دمّا
فقلت: أرقّ من هذا. فقال: اكتب: [منسرح]
[ ١١٥ ]
أضمر أن يأخذ المرآة لكي … ينظر تمثاله فأدناها
فجاز وهم الضّمير منه إلى … وجنته في الهوا فأدماها
فقلت: أريد أرقّ من هذا. فقال: يا ابن الفاعلة! أيّ شيء أرق من هذا.
انتظرني حتى نطبخ في المنزل حريرة تكون أرقّ من هذا.
ومنهم: