إذا كنا لم نظفر بترجمة مفصلة لابن خميس لغياب المصادر التي يمكن أن تكون قد عرفت به، وانحجابها عنا، فإن الذي بين أيدينا مما بقي من كتاب أعلام مالقة وتتميمه، يقدم لنا على الأقل مادة أولية يمكن أن نستشف منها ما يمكن أن نتعرف به على الرجل في جانب من جوانب حياته، أو في نشاط من أنشطته العلمية.
فنحن لا نعرف تاريخ ولادة أبي بكر بن خميس بالضبط، ولا تاريخ وفاته أيضا. غير أننا نعرف أنه كان بين سنتي ٦٣٦ هـ - وهو تاريخ وفاة خاله ابن عسكر - و٦٤٢ هـ - وهو تاريخ وفاة شيخه أبي عبد الله الأستجي الحميري (^٣) - كامل الأهلية العلمية، وقادرا على التأليف ومتابعة تتميم كتاب أعلام مالقة الذي كان قد ابتدأه خاله ابن عسكر، وتوفي دون إكماله.
_________________
(١) ترجمته وأخباره في صلة الصلة: ٣٠ (مرقون).
(٢) له ترجمة في: الاحاطة ١٨٤/ ٣ - بلغة الامنية ٢٦ - اختصار الاخبار: ٢٨ - طبقات المالكية: ٤٠٩ (مخطوط) - دعوة الحق: / ٥٣ عدد ٢٦٥.
(٣) له ترجمة في اختصار القدح: ١٢٨ وذكر وفاته ٦٤٢ - والذيل ٢٣٨/ ٦٩ - والاحاطة ٣١٥/ ٢.
[ ٢٤ ]
فقد ورد في التتميم عند ذكر شيخه أبي عبد الله الإستجي الدعاء له بالبقاء (^١)، وهو أمر يقطع بأن العمل في هذا التتميم كان يجري وشيخه هذا ما يزال على قيد الحياة. وقد علمنا أن شيخه أبا عبد الله الإستجي كان قد رحل عن مالقة سنة ٦٣٩، وأنه توفي بغرناطة سنة ٦٤٢.فكم كان عمر أبي بكر بن خميس حين وفاة خاله ابن عسكر سنة ٦٣٦.وكم كان سنه لحظة الاشتغال بكتاب أعلام مالقة وتتميمه؟.
لعل في كتاب أعلام مالقة من الملاحظات ما يمكن أن يقرب لنا مجال التعرف على أبي بكر بن خميس وتاريخ ولادته.
فأول ملاحظة تستقطب في هذا السياق أنه - وإلى حدود منتصف العقد الثالث من القرن السابع الهجري - كان ابن خميس ما يزال صغير السن لم يصل بعد إلى مستوى الأخذ عن الشيوخ والاستفادة منهم.
فهو لم يأخذ عن الشيخ أبي علي عمر بن عبد المجيد الرندي (^٢) (توفي بمالقة عام ٦١٦)، ويصفه فقط بشيخ شيوخنا (^٣).
ولم يأخذ عن الأديب أبي عمرو بن سالم الهمداني المالقي (^٤) (توفي بمالقة عام ٦٢٠) رغم أنه ينقل عنه وعن مقيداته ومعلقاته كثيرا، إما من خطه مباشرة أو بواسطة خاله. ويصفه في بعض التراجم بشيخ شيوخنا (^٥).
ولم يأخذ عن أبي جعفر أحمد بن عبد المجيد الجيار المالقي (^٦) (توفي بإشبيلية عام ٦٢٤)، ولا يرد ذكره في أعلام مالقة إلا باعتباره شيخا لخاله ابن عسكر (^٧).
بل إنه لم يأخذ عن الشيخ عبد الرحمن بن دحمان الأنصاري المالقي (^٨) (توفي
_________________
(١) راجع أعلام مالقة: ٢٣٤ ترجمة رقم ٧١.
(٢) تنظر ترجمته في: أعلام مالقة: ٣٢٦ ترجمة رقم ١٤٤ - الذيل ٤٥٠/ ٥ والمراجع المذكورة بالهامش. - الاحاطة ١٠٧/ ٤.
(٣) راجع أعلام مالقة: ٢٠٧ ترجمة رقم: ٥٨.
(٤) تنظر ترجمته في: أعلام مالقة: ٣٣٧ ترجمة رقم ١٥٦ - برنامج الرعيني: ١٠٥ - الذيل ٢/ ٤.
(٥) راجع أعلام مالقة: ١٢٦ ترجمة رقم ٣٠.
(٦) له ترجمة في: التكملة ١١٤/ ١ ط العطار - برنامج الرعيني ١٣٥ - الذيل ٢٥٨/ ١.
(٧) راجع أعلام مالقة: ١١٣، ١١٥: ترجمة رقم ١٥، ورقم ٢٦.
(٨) له ترجمة في: أعلام مالقة: ٢٥٨ ترجمة رقم ٩٣ - وصلة الصلة ١٢٣ (مرقون).
[ ٢٥ ]
بمالقة عام ٦٢٧)، فيكتفي فقط عند الحديث عنه بإيراد ما ذكره الناس له أو بما خبروه عنه (^١).
وليس في أعلام مالقة ما يفيد أنه تنبه إلى الأخذ عن الشيوخ الكبار ممن أدركهم آنذاك بمالقة من أمثال أبي الفضل عياض الحفيد (^٢) (توفي بمالقة عام ٦٣٠)، وأبي محمد بن عبد العظيم الزهري (^٣) (توفي بمالقة عام ٦٣٠)، وهما معا من شيوخ خاله القاضي بن عسكر.
غير أن الشيخ الوحيد الذي جلس إليه في هذه الحقبة هو شيخه في القرآن محمد بن عمار المكتب الذي توفي بمالقة عام (^٤) ٦٢٤.فهو أول شيوخه في التعلم، وقد احتضنه في المكتب وهو ابن ست سنوات، ولا أراه حسب الترجمة التي صاغها له في أعلام مالقة قد طالت مدة الأخذ عليه وملازمته له.
ومعنى هذا أنه إلى حدود سنة ٦٢٧ لم يكن ابن خميس قد اشتد عوده ليبدأ مرحلة الأخذ عن الشيوخ والجلوس إليهم.
ولذلك لا نجد من شيوخه ممن ذكرهم في أعلام مالقة من تقدمت وفاته على سنة ٦٣٠.
فإذا افترضنا أن مرحلة الأخذ عن الشيوخ والجلوس إلى حلقاتهم تبدأ في الأغلب مع مرحلة البلوغ من عمر الطالب، أي بعد حفظه القرآن والمتون العلمية - تأكد لنا بالتقريب أن ولادة أبي بكر بن خميس لا محالة قد تمت خلال إحدى سنوات العقد الثاني من القرن السابع. يؤكد هذا أنه حين ذكر بعض أصحابه في أعلام مالقة، سمى منهم ابن المعلم (^٥)، وأبا بكر حميد (^٦). وقد تبين أن هذا الأخير قد ولد بمالقة سنة ٦٠٧.فالذي يصفه أبو بكر بن خميس بصاحبنا لا شك سيكون قرينا له أو قريبا منه في سنه وعمره، وستجمع بينهما طبقة واحدة ..
_________________
(١) أعلام مالقة: ٢٥٨ ترجمة ٩٣.
(٢) له ترجمة في أعلام مالقة ٣٣٠ ترجمة رقم ١٥١ - صلة الصلة ١٦٥ - الذيل ٢٤٤/ ٨ - الاحاطة ٢٢١/ ٤.
(٣) له ترجمة في: أعلام مالقة: ٢٤٢ ترجمة رقم ٧٩ - التكملة ٨٩٤/ ٢ ط العطار - صلة الصلة: ٨٤ (نسخة مرقونة).
(٤) راجع ترجمته في أعلام مالقة: ١٥٨ ترجمة رقم ٤٢.
(٥) راجع أعلام مالقة: ٢١١ ترجمة رقم ٦٠ - وراجع الذيل ١٣٥/ ٤.
(٦) راجع أعلام مالقة: ٢٣٦ ترجمة رقم / ٧٢ توفي أبو بكر أحمد (حميد) ابن الحافظ أبي محمد القرطبي المالقي بمصر عام ٦٥٢ - ومولده بمالقة عام ٦٠٧ - له ترجمة في الذيل ١٣٨/ ١.
[ ٢٦ ]
وإذا تبين بالتقريب تاريخ ولادة ابن خميس، فإن الذي لا يتبين لنا هو تاريخ وفاته. فلا أعرف شيئا عن نشاط الرجل بعد سنة ٦٣٨ وهي السنة التي يرد ذكرها في أعلام مالقة (^١)، حيث كان ما يزال يشتغل في جمع وصياغة مواد الكتاب وتراجمه.
ولا أعرف شيئا عن أعماله ومواقفه، ولا عن المدى الذي امتد إليه عمره خلال القرن السابع للهجرة. فالرجل كما نرى قد ابتدأ حياته في سنة من سنوات العقد الثاني من القرن السابع على وجه الترجيح. وكان ما يزال حيا في أواخر العقد الرابع من هذا القرن، حيث كان ينجز تتميم كتاب أعلام مالقة.