يكنى أبا عبد الله. هو أول من أدبني وعلمني القرآن رحمه (الله) ونفعه (به) (^١).
كان ﵀ فاضل الخلق، حسن العشرة، موطّأ الأكناف، مشفقا. فقد (^٢) كنت أقرأ عليه القرآن في الصّغر، وأنا يومئذ من نحو ست سنين، فربما كان النوم يغلبني، فكان يضمّني إلى نفسه، ويغطيني بردائه، جزاه الله خيرا وأسكنه الجنة بمنّه. وكان ﵀ فاضلا ورعا، منزويا عن الناس، حسن الخط، مجودا للقرآن، حسن الإيراد له، كاتبا بليغا، وشاعرا مطبوعا. لما حدقت عنده رحمه (الله) (^٣) في سورة فاطر، وجّه خالي رحمة الله عليه الحدقة إليه، وكتب له معها أبيات شعر يستعذر له فيها: [مجزوء الكامل]
عذرا أبا عبد الإله … فإنّه نزر يسير
واقبل قليل أخ له … في ودّه العدد الكثير
_________________
(١) زيادة يقتضيها السياق.
(٢) في الأصل أ: لقد.
(٣) زيادة يقتضيها الوزن والسياق.
[ ١٥٨ ]
لو كان يهدي قدر ما … يخفي من الودّ الضّمير
لم يرض ثهلانا ولم … يقنع بوزنته ثبير
دامت بكم تحيى النّفو … س هدى فتنشرح الصّدور
ثمّ السّلام عليك ما … لاحت بآفاق بدور
فأجابه أبو عبد الله المذكور: [مجزوء الكامل]
لله درّك من أخ … قد جلّ قدرا عن نظير
أكتبت معتذرا وقد … أفحمت بالبرّ الشّكور /
وبذلت ما يسخو به … في الجود أرباب الدّثور
حيّت سحاءتك اللتي … في كتبها منك الضّمير
من خالص الودّ الذي … ما مثله العذب النّمير
فلك التّطوّل والنّدى … ولك السّيادة والظّهور
لا زلت في سعد يدو … م مدى اللّيالي والدّهور
ما لاح (نجم) (^١) في الدّجـ … ـنّة أو سرى قمر منير
وعليك من محض التّح … ـيّة ما نمى المسك النّثير
وكتب في آخر القطعة بنثر، وهو: وردت عليّ، أدام الله توفيقك، وأنجح إلى مرضاته طريقك، أبياتك تفصح عن ودّك، وقد اقترنت برفدك، على حين أقفر من خطّة النّظم ربعي، واختلّ فيه طبعي، لأنّي كنت قد عطّلت وترها، ونظرت إليّ بعين من وترها، فرمت في الحين مجاوبتك. وكيف وبين يدي من يجاذبني من كلّ وجهة (^٢)، ويرمي خاطري عند تسديده بكلّ شبهة. فما لي منه بعد ضجر، بشيء دون خشونة الحجر. وأنت بأفضالك (^٣)، تغضي على هناته متطوّلا بذلك. وكتب محبّكم في الإعلان والإسرار، محمد بن عمّار. والسّلام عليكم ورحمة الله.
وتوفي ﵀ فيما أظن في شهر ذي حجة آخر عام أربعة وعشرين وستمائة.
_________________
(١) زيادة يقتضيها الوزن والسياق
(٢) في الأصل أ: وجه.
(٣) في الأصل أ: بفضلك.
[ ١٥٩ ]
ومنهم: