يكنى أبا عبد الله. قدم علينا مالقة مرارا وأقام بها مدة. وأبو عبد الله هذا من فحول شعراء الأندلس المفلقين. كان ﵀ شاعرا مجيدا وكاتبا مطبوعا، سلس الطبع رائق المعاني سهل الألفاظ ذاكرا للآداب متصرفا بأنواع البلاغات. أنشدنا خالي ﵀ قال: أنشدنا أبو عبد الله بن مرج الكحل (^٥): [رمل]
مثل الرّزق الذي تطلبه … مثل الظّلّ الذي يمشي معك
أنت لا تلحقه (^٦) متّبعا … فإذا ولّيت عنه تبعك
ومن شعره أيضا: [وافر]
سقى الله الجزيرة من محلّ … فقد حسنت لقاطنها مراحا
وطاف بها طواف الصّلّ نهر … كما أبصرت في خصر وشاحا
وربّ عشيّة فيه طفقنا … نرود الظّلّ والماء القراحا
_________________
(١) الأبيات في: تاريخ قضاة الأندلس: ١١٣.
(٢) في قضاة الأندلس: … سال فيك النهر
(٣) التكملة من تاريخ قضاة الأندلس: ١١٣ وهو ينقل عن ابن خميس.
(٤) تنظر ترجمته في: زاد المسافر: ٦٩ - المغرب لابن سعيد ٣٧٣/ ٢ - التكملة ٦٣٦/ ٢ - الذيل ١١٠/ ٦ - الوافي ١٨١/ ٢ - الاحاطة ٣٤٧/ ٢.
(٥) البيتان في: التكملة ٦٣٧/ ٢ - والذيل ١١٧/ ٦ - والاحاطة ٣٤٧/ ٢.
(٦) في التكملة، والاحاطة، والوافي: أنت لا تدركه / وفي الذيل: أنت لا تطلبه
[ ١٦٦ ]
وقد ضرب الضّريب بها قبابا … على الأدواح أبهجت البطاحا
وكان جنابها يخضرّ اسا … فأصبح وهو مبيضّ أقاحا
كأنّ الخضر قرّبه يمينا … ومدّ عليه جبريل جناحا
ومن شعره يعتذر عن أحد إخوانه لغلام كان يهواه، وكان قد رآه فأعرض عنه فلامه على ذلك: [طويل]
يقولون لي أعرضت عمّن تحبّه … كذبتم ولكن لم يكن رائق النّفس
ولم يكن الإعراض منّي تعمّدا … وهل يمكن الإعراض عن غاية الأنس
ولكن صرفت الطّرف عن نور وجهه … كما تصرف الأبصار عن قرصة الشّمس
وقد دخل رثّ الحالة على الأستاذ ابن طلحة (^١)، فتكلّم مع أحد الطلبة، فزجره الأستاذ، وزجر الطالب، فارتجل هذين البيتين، ودفعهما إليه، وهما: [كامل]
بأبي رشا هام الفؤاد بحبّه … وتقطّعت من لوعة أفلاذه
شغف البريّة كلّها بجماله … وأشدّهم شغفا به أستاذه
ومن شعره أيضا: [بسيط]
لا تغضبنّ الذي ترميك أسهمه … فقد جعلت له الأعراض أغراضا
فالماء والنّار بعض من عناصره … يغلي إذا اتّقدت، وربّما فاضا
ومن شعره (^٢): [طويل]
دخلتم فأفسدتم قلوبا بملككم … فأنتم على ما جاء في سورة النّمل
وبالعدل والإحسان لم تتخلّقوا … فلستم على ما جاء في سورة النّحل
وأنشدني خالي رحمة الله تعالى عليه، قال: أنشدني أبو عبد الله بن مرج الكحل لنفسه / يهجو: [طويل]
_________________
(١) هو أبو محمد طلحة بن طلحة الأموي اليابري (توفي ٦٤٣) / ترجمته في: الذيل ١٦١/ ٤ والمراجع المذكورة بالهامش.
(٢) البيتان في الذيل ١١٧/ ٦ - والاحاطة ٣٤٧/ ٢.
[ ١٦٧ ]
دع ابن حريق (^١) يزدهي بكلامه … فإنّ رحاه دون طحن يجعجع
وهل شعره إلاّ كبارق ومضه (^٢) … خليّ من المعنى، ولكن يفرقع
ومن شعره (^٣) أيضا: [رمل]
ذهب الحرص (^٤) (على) الوعد الذي … سدّ عن إنجازه كلّ طريق
طال فيه المطل (^٥) حتّى إنّني … قد تمثّلت بشعر ابن حريق
ومن شعره يهجو مؤذنا: [وافر]
ألا قل لابن بغل لا يؤذّن … فينجس ذكر خالقه بفيه
إذا ما كان في فمه كنيف … فكيف يحلّ ذكر الله فيه
ومن شعره في أحد الولاة: [طويل]
وكنت أظنّ الحبّ بالضّدّ للقلى … ولم أعتقد أنّ الولاية ضدّه
فلا تطلبوا من عند وال محبّة … ألا ربّ وال قد تغيّر ودّه
فإن شئتم حدّا لسكر معربد … فلا تضربوه، فالولاية حدّه
ومن شعره مما أنشدنيه خالي: [مخلع البسيط]
لا تطلبوا الودّ عند وال … في تركه للأذى (^٦) كفايه
ربّ ضعيف، أذاه خاف … يبدي مع القوّة الإذايه
ما كان في النّفس من خبايا … تخرجه الخمر والولايه
ومن شعره: [كامل]
_________________
(١) هو الشاعر أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد بن حريق المخزومي البلنسي (ت ٦٢٢) ترجمته في: الذيل ٢٧٥/ ٥ والمراجع المذكورة بالهامش - صلة الصلة: ١٢٩.
(٢) في الأصل أ: … كفارع حمص.
(٣) التقديم في أصل الاستاذ المنوني / وهو ليس واضحا في مصورة الأصل.
(٤) في الأصل أ: ذهب الحص والوعد
(٥) في الأصل أ: المطال.
(٦) في الأصل أ: في تركه الأذى
[ ١٦٨ ]
تسليط أعدائي عليّ لنعمة … ولقد سررت فإنّه تمحيص
قد كنت أحسب أنّه لي نقمة … لو أنّني وحدي به مخصوص
ومن شعره: [مجتث]
اصبر على الظّلم تكف … وتؤت أجرا موفّى
من كان غارس شيء … فلينتظر منه قطفا
ومن شعره يصف عشية أنس (بنهر القبداق) (^١): [كامل]
عرّج بمنعرج الكثيب الأعفر … بين الفرات وبين شطّ الكوثر
ولتغتبقها راحة (^٢) ذهبيّة … من راحتي أحوى المدامع (^٣) أحور
وعشيّة قد كنت أرقب وقتها … سمحت بها الأيّام بعد تعذّر
نلنا بها آمالنا في روضة … تهدي لناشقها شميم العنبر
والدّهر من ندم يسفّه رأيه … فيما صفا (^٤) منه بغير تكدّر
والورق تشدو والأراكة تنثني … والشّمس ترفل في قميص أصفر
والرّوض بين مفضّض (^٥) ومذهّب … والزّهر بين مدرهم ومدنّر
والنّهر مرقوم الأباطح والرّبى … بمصندل من زهره ومعصفر
وكأنّه وكأنّ خضرة شطّه … سيف يسلّ على بساط أخضر (^٦)
وكأنّما ذاك الحباب فرنده … مهما طفا في صفحة (^٧) كالجوهر
وكأنّه، وجهاته محفوفة … بالآس والنّعمان، خدّ معذّر
نهر يهيم بحسنه من لم يهم … ويجيد فيه الشّعر من لم يشعر
_________________
(١) الزيادة من الاحاطة ٣٤٣/ ٢ - والقصيدة واردة فيها، وبرنامج الرعيني ٢٠٨ - وتحفة القادم ٨٢ - والذيل ١١١/ ٦.
(٢) في البرنامج، والتحفة، والذيل، والاحاطة: قهوة.
(٣) في الاحاطة: أحوى المراشف.
(٤) في الذيل، والاحاطة: فيما مضى.
(٥) في البرنامج، والتحفة، والذيل: مذهب ومفضض.
(٦) في برنامج الرعيني: يتأخر هذا البيت بعد البيتين التاليين له.
(٧) في البرنامج، والتحفة، والذيل: صفحه.
[ ١٦٩ ]
ما اصفرّ وجه الشّمس عند غروبها … إلاّ لفرقة حسن ذاك المنظر
ومن شعره ونقلت من خط أبي عمرو بن سالم (^١): [كامل]
يا نظرة أودت بحسن (^٢) شبابي … وقضى عليّ نعيمها بعذاب
ما كنت أحسب نظرة من بصرة (^٣) … تقضي على مشتاقها بعقاب
يا شادنا عيناه تفعل بالنّهى … ما تفعل الصّهباء بالألباب
لو ذقت ما ذوّقت من ألم الهوى … لعلمت قدر الشّوق للأحباب
إنّي لأعجب من عتاب عواذلي … جهلا عليك وما يفيد عتابي
قلبي يرى أن لا سلوّ من الهوى … رضي الذي يلقى من الأوصاب
يا عاذلي ماذا تضرّك شقوتي … القلب قلبي والعذاب عذابي
ومن شعره يمدح الكاتب ابن عياش (^٤): [طويل]
سرى الطّيف من أسماء والنّجم راكد … ولا جفن إلاّ وهو في الحيّ راقد
شفى ألما لمّا ألمّ بمضجعي … وبات يدانيني وكانت (^٥) تباعد
ألمّ على رغم الرّقيب ودوننا … على عدوان الدّهر بيد فدافد
ومنها:
سقى عهدها عهد السّحاب ولم يكن … على العهد لولا (أن تبقّى) (^٦) المعاهد
معاهد تذكي حرقة الكبد التي … تكابد من آلامها ما تكابد
كأنّ بها الغدران زرق نواضر … بها الطّلّ كحل والغصون مراود
أعلّل بالآمال نفسا عليلة … تكدّر للآمال منها موارد
ومنها:
إليكم بإيلام الملام فمسمعي … كقلب ابن عيّاش، وتلك حقائد
_________________
(١) القطعة في: مختارات من الشعر المغربي والأندلسي: ٢٢٥.
(٢) في مختارات: بشرخ.
(٣) هكذا في الأصل أ. وفي: مختارات نضرة.
(٤) الأبيات الخمسة الأولى واردة في: مختارات من الشعر المغربي والأندلسي: ٢٢٦.
(٥) في مختارات: وكان تباعد.
(٦) ما بين القوسين اضافة ليستقيم الوزن والنص. وهي أيضا بياض في مختارات من الشعر.
[ ١٧٠ ]
إمام البرايا في بلاغته التي … يقرّ لها بالعجز من هو جاحد
ومنها:
ومن عجبي أن ترحل الشّمس دائما … ومثليّ في مثل الجزيرة قاعد
إذا لم يلائمني مكان ألفته … فكلّ مكان مثله لي فاقد
ولست كقوم أضمرتهم بلادهم … أولئك موتى والبلاد ملاحد
ولو لم يكن أصلي - وحاشاه - ماجدا … كفى الفرع منّي أنّه اليوم ماجد
ومنها:
وقال حسودي أين إرثك منهم … فقلت لهم: مال الأكارم نافد /
إذا لم يفدك المال حمدا مؤبّدا … فيا ليت شعري ما تكون الفوائد
(ومن شعره) (^١): [وافر]
رأوا بالجزع برقا فاستهاموا … ونام العاذلون ولم يناموا
وعندي من معاطفها (^٢) حديث … يخبّر أنّ ريقتها مدام
وفي أجفانها (^٣) السّكرى دليل … وما (^٤) ذقنا ولا زعم الهمام
تعالى الله ما أجرى دموعي … إذا عرضت (^٥) لمقلتيّ الخيام
وأشجاني إذا لاحت بروق … وأطربني إذا غنّت (^٦) حمام
ومن شعره يخاطب صفوان بن إدريس (ويعتب عليه) (^٧): [طويل]
سقى سدرة الوادي السّحاب الغوائث … وإن غيّرت منه السّيول العوائث
_________________
(١) القطعة بكاملها في: أزهار الرياض ٣١٦/ ٢ - والأبيات الأربعة الأخيرة منها في: زاد المسافر: ٦٩ - الاحاطة ٣٤٦/ ٢ - والنفح ٥٣/ ٥ - والبيتان الثاني والثالث في: المغرب لابن سعيد ٣٧٤/ ٢.
(٢) في الاحاطة، والنفح، وأزهار الرياض: مراشفها حديث.
(٣) و(^٤) في المغرب: ألحاظها ولاذقنا
(٤) في الذيل والاحاطة والنفح: عنت لمقلتي.
(٥) في أزهار الرياض: اذا غنى الحمام.
(٦) الأبيات الستة الأخيرة في زاد المسافر: ٦٩ - وفي الاحاطة ٣٤٦/ ٢، والنفح ٥٣/ ٥ أبيات أربعة هي البيت: الثاني، والثالث، والرابع، والخامس.
[ ١٧١ ]
عذيري من الأيّام (^١) خابت صقورها … ونالت جزيل الحظّ منها الأباغث (^٢)
وقالوا ذكرنا بالغنى، فأجبتهم … خمولا، ولا ذكر مع البخل لابث (^٣)
وما ضرّ خلاّ طيّبا ورث الغنى (^٤) … إذا لم يغيّره من الدّهر حادث
يهون علينا أن تبيد (^٥) أثاثنا … وتبقى علينا المكرمات الأثائث
فهل عند صفوان بن إدريس أنّني … مقيم على حفظ (^٦) المودّة ماكث
وإن كنت قد خاطبت فصل خطابه … فعاقت عن الودّ الخطوب الكوارث
ومن شعره (يتشوق إلى أبي عمرو بن غياث) الشريشي (^٧): [وافر)]
أبا عمرو متى تقضي اللّيالي … بلقياكم وهنّ قصصن ريشي
أبت نفسي هوى إلاّ شريشا … ويا بعد الجزيرة من شريش
ومن شعره: [كامل]
دع عنك قسطاس اللّسان ولا تزن … من كنت تحسب راجحا أو ناقصا
وإذا نقدت فكن نحاسا وليكن … من كنت تبصره لجينا خالصا
وأدبه ﵀ كثير، وشعره شهير. وسأذكر قطعة منه في باب موسى (^٨).
وتوفي ﵀ في نحو عام أربعة وثلاثين وستمائة.
ومنهم: