المشهور بابن عسكر. وهو خالي رحمة الله عليه، يكنى أبا عبد الله، مبتدئ هذا الكتاب.
كان ﵀ جليل المقدار متفننا في العلوم على اختلافها، ومشاركا فيها على تشتت أصنافها، يتقد ذكاء، ويشرق طهارة وزكاء. نشأ بمالقة وبها أعلام وجلة أكابر، فأربى عليهم في معارفه. وكان معظما عندهم مشارا إليه فيهم. كانت الفتوى تدور عليه بمالقة، والمسائل ترد عليه من البلاد، فيفتي فيها، ويعمل فيها برأيه، والقضاة يعظمونه كل التعظيم ويقطعون برأيه في أحكامهم.
وكان معظما عند الملوك مقرّبا لديهم. ولي القضاء بمالقة نائبا عن القاضي أبي عبد الله بن الحسن، وذلك في مدة أبي عبد الله بن هود. ثم إن ابن الحسن أخّر.
فلما كان في أيام الأمير أبي عبد الله بن نصر، ولي مرة ثانية مستقلا. وصل كتابه في توليته القضاء في يوم السبت الثامن والعشرين من رمضان المعظم عام خمس وثلاثين وستمائة. فبكى ﵀، وامتنع. وكتب إلى الأمير / أبي عبد الله يذكر أنه لا
_________________
(١) له ترجمة في: التكملة ٦٤١/ ٢ - الذيل ٤٤٩/ ٦ - الاحاطة ١٧٢/ ٢ - المرقبة العليا للنباهي: ١٢٣ - تاريخ الاسلام للذهبي: الطبقة ٢٨٥/ ٦٤ رقم الترجمة: ٤٣٢ - نفح الطيب ٣٥١/ ٢.
[ ١٧٥ ]
يصلح للولاية حرصا على أن يعزله عنها تورعا منه ﵀. فلم يقبل الأمير ذلك منه. وبقي على ولايته.
وظهرت في أيامه الحقوق، وسار من السيرة الحسنة ما لم يسربها أحد قبله.
كان ماضي العزيمة، مقداما مهوبا منفّدا للأحكام. فكان بذلك مستحسن المقاصد، مشكورا في الصادر والوارد.
وكان ﵀ أفضل الناس خلقا، وأرحبهم صدرا، وأجملهم عشرة، وأتمّهم رجولة، وأنداهم يدا، وأكثرهم احتمالا. يحسن إلى من أساء إليه، ويجود بماله على من بخل به عليه، مع ما كان عليه من سياسة الناس ومداراتهم وقضاء حوائجهم وله في صنعة التوثيق باع مديد، وسهم سديد. وكان سريع القلم سهل الألفاظ مختصر الوثيقة، غاية في البراعة إلى الشعر الرائق، والكتب الفائق.
وله تصانيف عجيبة متداولة بأيدي الناس، كالمشرع الروي في الزيادة على كتاب الهروي، والتكميل والإتمام لكتاب التقريب والإعلام، والأربعين حديثا الموافق فيها اسم الشيخ لاسم الصحابي، وهو منزع لم يسبق إليه، وكنزهة الناظر في مناقب عمّار بن ياسر، وكالجزء المختصر في السلو عن ذهاب البصر، وغير ذلك.
رحل الناس إليه وأخذوا عنه. وكان ﵀ قد أخذ عن شيوخ جلة كأبي الحجاج ابن الشيخ، وأبي محمد القرطبي، وأبي علي الرندي، وأبي جعفر الجيار، وكالقاضيين أبي محمد بن حوط الله، وأبي سليمان داود، وكالقاضي أبي الخطاب بن واجب، وكأبي زكرياء بن عبد المنعم الأصبهاني وغيرهم.
وكان قد مال أخيرا إلى الرواية. وإنما نبّهت عليه هذا التنبيه، وذكرت بعض ما كان من المحاسن فيه، مخافة أن ينقرض الزمان. فتنقرض أخباره. ويفنى ناس عصره، فتنسى مآثره وآثاره، وليقف من لم يدركه على مناقبه الجميلة، ويشاهد بعض مآثره الحميدة ومنازعه الجليلة. وما زالت مناقب الأئمة تخلد وتذكر، وتذاع وتنشر.
وإذا كان من العلم قد تعيّن شرعا، واستحسن طبعا، فحقّه عليّ آكد الحقوق، وسكوتي عن الاعتناء بتخليد مناقبه ضرب من العقوق. ولا غرو أن يقال: ما باله أطال في مدحه عنانه، وأدرّ من سماء فكره عنانه، فذكر له ما لم يذكره لسواه، ولا أظهر على أحد نصه ولا فحواه، فعذري في ذلك أنه لم يكن أحد من أهل عصره
[ ١٧٦ ]
يجاريه، وأيضا لفرط حبي فيه، واعتنائه ﵀ بي وتحفّيه (^١)، فلا أقلّ من أن أوفّي له بعض ما له من الحقّ، وأقوم به فأنا الأوجب / بذلك والأحقّ.
وعلمه ﵀ وفضله كثير من أن أحصيه.
وقد نعيت إليه نفسه، (حين) آن أن تغرب من سماء مغاربه شمسه. فمن شعره في ذلك ﵀ (^٢): [طويل]
ولمّا انقضت إحدى وخمسون حجّة … كأنّي منها (^٣) ما تذكّرت أحلم
ترقّيت أعلاها لأنظر فوقها … إلى الحتف (^٤) منّي علّني منه أسلم
إذا هي قد أدنته منّي (^٥) كأنّما … ترقّيت فيها نحوه وهي سلّم
ومن شعره: [طويل]
إلى الله قوم قد تعرّضت الدّنى … لهم ورمتهم كي تصيب فراغ
وتبّا لنفسي إنّها عن طريقهم … تميل لقوم بالجهالة راغوا
أهاب ذنوبا صيّرتني لميتة … إهابا وما إلاّ المتاب دباغ
تقسّمت الأعضاء منّي بطالة … فللهو قلب، والرّقاد دماغ
وبيني وبين النّفس في كلّ حالة … دفاع، فتردي (^٦) مرّة وتراغ
عجزت فما وسم الجلاد (^٧) بلائح … عليّ، ولكن للوساد صداغ
وأخلدت للرّاحات، والموت يستوي … أولو ضنك عيش عنده ورباغ
_________________
(١) في الأصل أ: وتحليه / وترد بعد هذا فقرة وضعت عليها علامة المحو. ونصها: حلبة تباري السوابق بالكودني / وهي مواد بيت في قصيدة سترد بعد صفحة من هذا الموضع تقريبا.
(٢) الأبيات في الاحاطة ١٧٥/ ٢ - والمرقبة العليا: ١٢٣.
(٣) في الأصل أ: كأني ما تذكرت منها أحلم / والتصحيح من المرقبة / وفي الاحاطة: كأني منها بعد كرب
(٤) في الأصل أ: من الحتف عني علني / والتصحيح من المرقبة / وفي الاحاطة: مدى الحتف مني علي،،.
(٥) في الأصل أ: اذا هي قد أدنت إليه كأنما ترقيه
(٦) في الأصل أ: فترديني / وما بعدها غير مقروء.
(٧) في الأصل أ: الجود.
[ ١٧٧ ]
ومن شعره وقد طرقه همّ (^١): [مخلع البسيط]
واصبر لما يعتريك تغنم … غنيمتي راحة وأجر
فإنّ همّ الخطوب ليل … لا بدّ يجلوه ضوء فجر
ومن شعره وقد استدعي أن يجيز (^٢): [طويل]
أجبتك لا أنّي لما رمته أهل … ولكنّ ما أحببت محتمل سهل
وكيف أراني أهل ذاك وقد أتى … عليّ المميتان: البطالة والجهل
وما العلم إلاّ البحر طاب مذاقه … وما ليّ علّ (^٣) في الورود ولا نهل
فأسأل ربّي العفو عنّي فإنّه … لما يرتجيه العبد من فضله أهل
وله في المعنى: [طويل]
أجبت على حكم التّواصل والودّ … سؤالك لمّا لم أجد منه من بدّ
مقرّا بأنّي لست أهل إجازة … وما كلّ مشموم وإن طاب كالنّدّ
وما كلّ / ماء للصّديّ وإنّما … كتبت كما واسى المقلّ من الجهد
فأسأل (^٤) ربّي أن يمنّ بعطفة … تقرّب للقربى وترشد للرّشد
وله يستدعي من أبي عبد الله بن مرج الكحل أن يجيزه رواياته، وكتب إليه بها إلى إشبيلية: [كامل]
يا من تصوّر شخصه من نور … (^٥)
وقد رغب منه الفقيه الكاتب أبو الحسن الرعيني أن يجيز أولاده، فكتب إليه:
[سريع]
أصوّح النّبت فيرعى الهشيم … عذرا فما برقي ممّا يشيم
_________________
(١) البيتان في المرقبة العليا: ١٢٣.
(٢) الأبيات في الذيل ٤٥١/ ٦ - والاحاطة ١٧٥/ ٢.
(٣) في الأصل أ: محل. والتصحيح من الذيل.
(٤) في الأصل أ: فنسأل. وكذلك في الذيل.
(٥) بياض بالأصل أ.
[ ١٧٨ ]
فصارم العجز لديّ اغتدى … صلبا وعضب العلم في الجهل شيم /
حسب المعيديّ سماع فما … له إذا ينظر، مرأى وسيم
إن تطلب الرّؤية منه فقد … كلّف (^١) من ذلك خسفا، وسيم
وهي طويلة.
ومن شعره في المعنى: [متقارب]
ويقصر مهدي النّعاج (^٢) العجاف … عن السّمن البدن والبدّن
أمثلي يعرض في حلبة … تباري السّوابق بالكودني
ومن ذا الذي في رواة العلوم (^٣) … فأثبتني بعد أو عدّني
ولو رمت إلحاق نفسي بهم … لطاردني العجز أو ردّني
وإنّي وإن أنأ عنهم خطى … لأرجو، وحسبي أن أدّني
ومن لي بإدراك قوم سروا … إلى أشرف الفعل والدّيدن
وقد قصّر السّنّ بي والسّنا … ء عن ذلك العتن الأهدن
ولمّا تبسّم عرف العرا … ق حرّكني الشّوق واعتدّني (^٤)
ووالى (^٥) ارتياحا لمن حلّه … كعهدك بالغصن الألدن
أناس بهاليل بيض غدوا … يلوحون في الزّمن الأكدن
ومنها:
تنصّ المعالي على مجدكم … كنصّ عليّ على المدني
ولمّا علمت بهم لم أبال … بمن سدته بعد أو سدّني (^٦)
وكلّفت ردّ الجواب لهم … فحمّلت من ذاك ما أدّني (^٧)
_________________
(١) في الأصل أ: كل.
(٢) في الأصل أ: النغاد.
(٣) في الأصل أ: … رواة العلم أثبتني.
(٤) في الأصل أ: واعتادني.
(٥) في الأصل أ: وولت.
(٦) في الأصل أ: أو سادني.
(٧) في الأصل أ: أدبني.
[ ١٧٩ ]
فأصبحت فيهم قصيرا (^١) كمن … يقيس الردينيّ بالمردن
فعذرا لمظهر سوقه … يروم معارضة الصّيدني
وكتب معها بعد الصدور، وبعد: فإنّه لمّا دعا لهذه الإجابة أكرم داع، وجب الفعل بالاتّباع لا بالابتداع. فكم آلى (^٢) (عليّ) أن أبرز في منصّة العجز سعالتي، وأطرّز من العذر ما أحتمل به على علالتي. فلعلّ هذا المكلّف قصد أن يجمع إلى الخزّ المشوب، أو أظنّه طلب أن ينظم إلى الدّرّ المخشوب (^٣). فلو لم يأخذ القوس إلاّ الباري، ولا دخل الحلبة إلاّ السّابق المباري، لما علم الأرفع من الأنزل، والرّامح من الأعزل، ولرميت أدواء الجهل بالتّعطيل، وعريت أفعل عن صفة التّفضيل. لكن اقتضت الحكمة أن يباين النّدّ ندّه، ويلاين الشّيء ضدّه، حتّى يعرف العذب بالأجاج، ويشرف الدّرّ بمقايسة الزّجاج. ولمّا علمت أنّي إذا امتثلت، ونثرت كنانتي ونثلت، فإنّما أكون من بيّن سبق الجواد بعيره /، وزيّن بهدره بلاغة غيره، فأجبت، بعد أن تستّرت من الحياء واحتجبت، فكتبت والقلم عاثر، والعجز لما أروم نظمه من الكلام ناثر. وبعد أن وقفت على هذا الاستدعاء الذي طلعت من المطالع العراقية شمسه، وحسر اليوم بهذه البلاد الغربية عليه أمسه، وكسا هذا الأفق من حال التّشريف والتّنويه، ما لم يكن يحتسبه ولا ينويه، وتأهّل لأن يحمل من أهله العلم حيث قطبه الذي عليه مداره، ويروي عنه بالمكان (الذي) (^٤) هو محلّه وداره. فيا عجبا للبحار كيف استمدّت أوشالها، واستعدّت لطلب المكاتبة. وقد كان يجب أن تقصد ويمشى لها. فيا لها نفحات مسكية، ولمحات نيّرة ذكية، أوجبت للإجابة حقّا، وصيّرت كلّ سامع مسترقّا ومستحقّا … وهي طويلة.
وكتب معزيا: مثل سيدي أجزل الله أجره، وأطلع في ليل مصابه فجره، في
_________________
(١) في الأصل أ: قصورا.
(٢) ما بين القوسين زيادة ليستقيم بها السياق.
(٣) في الأصل أ: المخشلب.
(٤) إضافة يقتضيها السياق.
[ ١٨٠ ]
متصبّره من الفضل الذي ملك زمامه، والعلم الذي أصبح إمامه، والزّهد الذي رداه رداء الورع، والمجد الذي فاق فيه نظراءه فبرع. لا تزعزعه النّوائب، ولا تهزّه ولا تروعه المصائب، ولا تستفزّه جريا على سنن الفضلاء الأكابر، وأخذا بما ذخر الله تعالى للصّابر.
وفي فصل منها: ولست أعزّك الله ووقاك بأوّل من أفرده الدّهر من حميمه، وجرّعه كأس حميمه. فشيم الزّمان، عدم الأمان، وسجايا الدّهر، رزايا العلماء في البرّ والبحر. ألم يفجع متمّما بمالك، وصيّره يبكي القبور لقبر ثوى بين اللّوى فالدّكادك. وأصاب الخنساء بصخر، فلم يحجبه ما يسّرته له من الثّناء والفخر، وفرّق بين ندماني جذيمة، فأفقد كلّ واحد منهما نديمه، وملأ قلب سيبويه أحزانا، حتّى أنشد (عن) (^١) أخوين كانا … (^٢): [رجز]
كلّ أخ (مهما غدا) (^٣) … أخ له مفارقه
لا بدّ أن يطرقه … من الحمام طارقه
وسوف يلحق الفرقدين العناء، فلا ينفعهما الاستثناء. فإذا علم المرء أنّه إلى الموت مآله، وقد درج عليه سلفه وآله. فما ينفعه الوله، وسوف يفني آخره كما أفنى أوّله: [طويل]
وما المرء إلاّ هالك وابن هالك … وذو نسب في الهالكين عريق
وكتب معها: [متقارب]
عزاء، فمثلك من يؤتسى … به في العزاء إذا (^٤) الخطب لم
ومن كان قلبك في صدره … محا الصّبر ما خط فيه الألم
_________________
(١) إضافة يقتضيها السياق.
(٢) البيتان وردا متداخلين غير مبينين ضمن أسلوب التعزية النثري.
(٣) فراغ أحدثه الناسخ باسقاط كلمة أو كلمتين في الأصل أ / والاحاطة هنا إلى كتاب سيبويه ٣٧٥/ ١ حيث أنشد الشاهد الشعري التالي: وكلّ أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلاّ الفرقدان
(٤) في الأصل أ: العزاء والخطب
[ ١٨١ ]
ومنها:
وللعلم بدر به يجتلي … إذا ما ادلهمّت دياجي الظّلم
ومن يدر أنّ الرّدى منتهاه … فليس مفيدا له: ليت لم /
ومن أمّل الخلد في دهره … فمن جهله نفسه قد ظلم
وكتب مهنئا بزواج فقال بعد ما تقدم جزء من الرسالة: فيا لها خطبة ما أسعدها وأسناها، وبغية تنيل مبتغيها عظمى المقاصد وحسناها. فهنيئا له بقرينة (^١) يفوز منها بوسطى سلك الحسب والعد، وزهرة رياض العلى والمجد، ودرّة لم تنشقّ عن مثلها الصّدف، وزهرة طلعت في سماء المجد والشّرف. قسما لقد جلّت قدرا عن كلّ محاول، وقصّرت عن إدراكها يد المتطاول. فلو صنعت من قرص الشّمس دنانير مهرها، وطبعت دراهمه من نيّرات الكواكب وزهرها، وبذل الوجود في نقد صداقها، وسلبت لها الجوزاء عن تاجها ونطاقها، وأجري من برّها إلاّ ما قصر عنه كلّ بحر، وسيقت لخدمتها الثّريّا في ملاءة الفجر؛ لما بلغ لها بحقّ، ولقصّر عن الأوجب لها والأحقّ.
وكتب يوما: مثل سيّدي تذكّر بعد أمّة، ورعى الأمانة وواجب الذّمّة. فالفضل يتعلّم من أخلاقه، والعلم من جملة ذخائره وأعلاقه. وما أظنّ سيّدي إلاّ أنّ النّسيان المركّب في طباع بني آدم، غلب عليه حتّى طال العهد وتقادم. ولا غرو فإنّ البشر بذلك أنسوا، ونسي أبوهم فنسوا. إلاّ أنّي قد ذكّرت سيّدي غير مرّة، وأعملت من المخاطبة كلّ طمرّة. فتارة وعد بالتّوجيه، فقلت: لا تنكر نجابة من آل الوجيه، وأخرى جعلت فيها العتاب، للمتوجّه بالكتاب. فقلت: لعلّه لم يكن أهلا لأدائه، فلا أرمي غيري بدائه. والآن يصل به إن شاء الله فلان، وهو من أهل الأمانة والثّقة، وممّن يختصّ منّي بالمودّة والمقة. وأرجو إن (^٢) وصّله إلى ناديكم، فليكن الإسعاف من أياديكم، إن شاء الله، وإن كان محتقرا قدرا، ومن سقط المتاع الذي يستخفّ به
_________________
(١) في الأصل أ: لقد يفوز
(٢) في الأصل أ: أن يوصله.
[ ١٨٢ ]
ويزرى. ففي علمك أنّ الطّالب يقنع بورقه، ويراها أعظم من بدر النّهار ورقّه (^١).
والسّلام.
وكتب يوما: وصل الله بقاء الفقيه أبي الحجّاج، مؤمّلا لقبول الشّفاعة وقضاء الحاج. قد علمت، أدام الله عزّتك، وجعل للمكارم ارتياحك وهزّتك - أنّ حقّ الجار مرعي، وذمامه شرعي. فينبغي أن يلاحظ ويرتقب، فهو كما قال ﵇:
أحقّ بالصّقب. وإن كان خامل المقدار، فيرعى له قرب الدّار. وحسبك من هذه المرتبة المنيفة، / قصّة أبي حنيفة، حين استعمل قدمه في إكمال الشّفاعة، وما أهمل (جاره) (^٢) ولا أضاعه. وإنّ رجلا خديما تعرفه إن شاء الله من قبل موصّلها، وهو … جار لي بيت بيت، فحرّكني للشّفاعة بعد أن أبيت. فوصلتني الآن رغبة في أن أشفع له شفاعة حسنة، وأفوز بنصيب من هذه الحسنة. وذكر أنّ مقرّ الوزارة العظمى، لا ينحّى (^٣) من لاذ به ولا يظما، أعلى الله مقداره، وأجرى بأفق مراده أقداره؛ سجنه لأمر سبّبه، وأدب أوجبه. ويرجى إن شاء الله أن يكون الأدب قد أقامه، وألزمه الاستقامة. فالغرض منك أيها الصّفيّ الوفيّ في إحراز هذه الفضيلة، وتبليغ هذه الوسيلة، لعلّ الشّفاعة تتقبّل، فيكون حقّ المجاورة قد رعي ولم يهمل.
لا زال محلّ الوزارة قابلا شفاعة الشّافع، مواصلا على الجميع أشتات الأيادي والمنافع. ولا زلت أعزّك الله ساعيا في خير، جاريا بمقاصدك أسعد يمن (وطير …) (^٤) بمنّه، والسّلام.
ومن شعره: [متقارب]
ولمّا أذاب الهوى مهجتي … فأصبحت (منها كرسم) (^٥) دثر
ولم يبق عين تراه العيو … ن منّي ولا أثر من أثر
_________________
(١) في الأصل أ: والدقة.
(٢) يرد في الأصل أبهذه الصفة: … في الكمال للشفاعة وما أهمله ولا أضاعه.
(٣) في الأصل أ: لا يضحى.
(٤) زيادة تقتضيها السجعة.
(٥) في الأصل أ: فأصبحت كطاسم دثر.
[ ١٨٣ ]
تعرّضته قاصدا كي يرى … شحوبي فيشفق أو يعتبر
وناديت رفقا فقال: اعجبوا … أمن دون جسم يلام البشر
وقال أتبصرني هازلا … فإنّك لست ترى بالبصر
فقلت لقد صدق القائلون: … أريها السّها وتريني القمر
ومن شعره في ناعورة: [سريع]
ودائر يسرق من مائه … كواكبا فهو بها صاعد
حتّى إذا قام بها واستوى … وقلت: هذا فلك زائد
أهوت إلى الأرض كما قد جرت … نيازك لاح لها مارد (^١)
فعاد من حليتها عاطلا … وهو إلى حالته عائد
ومن شعره في المعنى: [سريع]
وسابح في الماء أعجب به … لم يعرف السّبح ولا أنكرا
يجري مدى الدّهر وما زال عن … موضعه يوما ولا قصّرا
وينتقي من مائه فضّة … يسبكها من حينه جوهرا
ومن شعره في قوس: [وافر]
ألا يا ناظرا رميي تعجّب … كأنّي في الإصابة لحظ ريم
أسرّ بحسن ريشي من رمى بي (^٢) … كأنّي قد رميت على الهموم
إذا أرمي السّهام يقال (^٣): هذا … هلال الأفق يرمي بالنّجوم /
فلو أرمي على الشّيطان يوما … سبقت إليه من قبل الرّجوم
ومن شعره في أحدب (^٤): [سريع]
وأحدب تحسب في ظهره … حبابة في نهر عائمه
_________________
(١) في الأصل أ: المارد.
(٢) الا في الأصل أ: رماني.
(٣) في الأصل أ: يقول.
(٤) البيتان واردان في الاحاطة ١٧٥/ ٢.
[ ١٨٤ ]
مثلّث الخلقة لكنّها … في ظهره زاويّة (^١) قائمه
وله فيه: [سريع]
يا أوقص الخلقة بعدا فقد … شوّهك الله بهذا الوقص
وزادك الله، ولكنّها … زيادة أكثر منها نقص
كأنّه في حملها صائد … يحمل من دون طيور قفص
وله فيه: [طويل]
وقالوا أتهوى أحدبا فأجبتهم: … أرى حبّه للقلب أسلى وأروحا
فقالوا: فصفه، قلت: غصن تحدّبت … كمامته من قبل أن تتفتّحا
وكتب وقد استدعيت منه أقلام: سيّدي الأرفع، وسندي الأمنع، الذي أفخر بولائه، وأذّخر ودّه لأزمات الدّهر ولأوائه، ما زال للأدب يدير أفلاكه، ويسر أملاكه، وينظم عقوده وأسلاكه. وصلت أحرفك المشرقة، وغصون أدبك المورقة، تعبّر (^٢) عن براعة، وتعرب في العبارة عن طلب يراعة. فلله أنت، لقد أبدعت في وصفك، وصدعت بالحقّ في نظمك ورصفك (^٣)، فحلّيتها من ألفاظك بدرر، وأعليتها فوق الشّمس والقمر، حتّى تمنّى الوشيج أن يكون يراعا، وتحقّقت الصّوارم أنّها لم تزل للأقلام أتباعا، وأشرت أن يكون ممّا خرّجته أناملي، وصرّفته عواملي.
فكيف وهو في يميني لا يكاد يمشي خجلا، وفي يمينك ينشئ حللا. وعندي يريد أن يعرب فيعجم، وعندك ينبئ عن البيان ويترجم. فخفت أن يعدي على خطّك الأغرب، كما يعدي الصّحيح الأجرب. لكنّي سأوجّه إليك إن شاء الله بابنة حزن، وغدية مزن، نابتة في الحجر الصّلد، ومستوية كاستواء (^٤) الملد، قد امتدّت أنابيبها امتداد القداح، وطالت في دوحتها طول الرّماح، وامتنعت لمدى (^٥) من الأوراق،
_________________
(١) في الأصل أ: رواة.
(٢) في الأصل أ: تعرب.
(٣) في الأصل أ: ووصفك.
(٤) في الأصل أ: باستواء.
(٥) في الأصل أ: بمدى.
[ ١٨٥ ]
واجتمعت وإنّما تصلح بالافتراق. فحينئذ تبرى وتقطّ، وتكتب وتخطّ، فتبدي إذا صحبت يمينك سحرا، وتخرس من آدابك الرّائقة بحرا. والله تعالى يبقي إخاءك، ويديم ولاءك، بمنّه. وكتب محبّك الأشكر، محمد بن عسكر. والسلام.
وله من قصيدة يمدح بها أمير المؤمنين أبا العلاء إدريس (^١): [طويل]
إليك تركت (^٢) الأرض والمال والأهلا … لأسمع من داعي قبولك (لي): أهلا
وفيك هجرت العيش أخضر ناعما … بها ونسيم الأرض أعطر معتلا /
ومنها:
ركبت إلى لقياك (^٣) كلّ مطيّة … مبرّأة أن تعرف الأب والنّسلا
إذا نسبوها فالتّنوفة أمّها … ووالدها ماء الغمام إذا انهلاّ
وما علمت يوما غذاء وإنّما … أعار لها الأعضاء سائسها (^٤) فتلا
وقد ضمرت حتّى اغتدت من نسوعها … فلو عرضت للشّمس ما أسقطت ظلاّ
وما في قداها (^٥) قدر مقعد راكب … ولكنّها ساوت مساحتها الرّجلا
لتبليغها المضطرّ تدعى ببلغة … وإن قست بالتّشبيه سمّيتها نعلا
سأشكرها جهدي وأثني بفضلها … فقد بلّغتني خير من وطئ الرّملا
مليكا كأنّ الشّمس فوق جبينه … وليث الشّرى في درعه حاملا (^٦) شبلا
إذا رام أمرا لم يخف (^٧) فيه من عسى … وإن قال كن لم يخش في غرض من لا (^٨)
وما ذاك إلاّ أنّ في الله همّه … فيجري له في ذلك القول والفعلا (^٩)
_________________
(١) منها عشرة أبيات في الذيل ٤٥١/ ٦.
(٢) في الأصل أ: تركد الأرض.
(٣) في الأصل أ: وركبت إلى لقائك … / وهذا أول الأبيات العشرة الواردة في الذيل.
(٤) في الذيل: صانعها.
(٥) في الذيل: قراها.
(٦) في الذيل: حاميا.
(٧) في الذيل: لم يكن.
(٨) في الذيل: مولى / ولا معنى لها.
(٩) هنا تنتهي الأبيات العشرة الواردة في الذيل.
[ ١٨٦ ]
ومنها:
له فتكات في العدى وعزائم … تسدّد رعبا (في) قلوبهم النّبلا
نعدّهم أسرى وهم في ديارهم … ونحسبهم ما بين أهليهم قتلى
همام إذا ما الحرب شبّت تقدّمت … به همّة. حسب الشّجاع بها فضلا
ومنها:
إذا أوعد الأعداء لم يعرفوا البقا … وإن وعد العافين لم يعرفوا المطلا
ومنها:
ولا غرو إن لاحت نحيلة باطل … فعجّل (^١) بها، فالحقّ يعلو ولا يعلى
ألم تر موسى حين ألقى عصاه لم … يطق ساحر يلقي عصيّا ولا حبلا
وما ابن لبون الحرب يسطيع صولة … إذا هو قد رام القناعيس والبزلا
ومنها:
تقابله سيفا، ومنك تسابقا … حسام محلّى أو دهاء قد استعلى
طلعت بأفقي إمرة وخلافة … كما اشترك النّوران واتّحدا فعلا
وإنّ امتزاج الطّيب بالطّيب مكسب … له قوّة ما كان يعرفها قبلا
رضيت بتغريب يصحّف لفظه … لديّ بتقريب إليك، فما أحلى
وبالشّوق للأحباب إذ أنت مؤنسي … وكم وحشة صارت طريقا لما يسلى
وبالبين (^٢) عنهم خائفا (^٣) مترقّبا … وإذ سار موسى خائفا (^٤) لحق الرّسلا
ومنها:
جهول يرى أنّ السّيادة شرعة … فقل: سامريّ صاغ من عسجد عجلا
وما زلت أوليه من البشر والرّضا … نصيبا، ويولي من إساءته كيلا (^٥) /
إلى حين أصمتني سهام قسّيه … «فأوقعن بي عيبا وسبّبن لي نغلا (^٦)»
_________________
(١) في الأصل أ: فعاجل / والنحيلة تصغير نحلة، وهي الدعوى والمذهب.
(٢) و(^٣) و(^٤) في الأصل أ: … عنهم جائعا … جائعا لحق
(٣) في الأصل أ: كفلا.
(٤) شطر كلماته مطموسة وغير مقروءة في الأصل أ / وما أثبته بين القوسين هو مجرد احتمال للقراءة.
[ ١٨٧ ]
وسرت طريدا في البلاد كأنّني … لأحمد سمعا قد حملت به عذلا (^١)
فأحمد ربّي إذ منيت بغربة … ولم يرني صانعت وغدا ولا ردلا
وربّتما ماتت من الجوع حرّة … ولم ترض أن تختار من ثديها أكلا
فمن مبلغ الأعداء أنّي آمن … وأنّ أذاهم عاد ممتنعا سهلا
وأنّي بحيث الدّهر قد صار خائفا … لإضراره بي أن أحمّله الثّكلا
وأنّي منكم في جوار وأرتقي … له البدر، ما شان المحاق له شكلا
أما علموا أنّي بآخر آية … من اقتربت (^٢)، سحرا يورّثهم خبلا
فدمت بكم أجني السّرور ويجتني … عدوّيّ من فرط الحسادة لي نكلا
وله في قارئ يقرأ ما يكتب له تحت أثوابه باللمس من غير أن يعاين ما في الطّرس مكتوبا: [سريع]
وقارئ ما تحت أثوابه … كأنّما ينظر في طرسه
نورية (^٣) فاضت بأعضائه … فانقلبت فيه إلى حسّه
كأنّما قوّة إبصاره … قد نقّلت منه إلى لمسه
كأنّما الحرف له نابض … وهو كجالينوس في جسّه
لا تعجبوا من (أمر) إدراكه … ينفد ما يعلوه من لبسه
فالأفق الأعلى سماواته … لا تحجب الإدراك عن شمسه
لمثله كان سليمان قد … تفقّد الهدهد في نفسه
فيا لها من آية أعجزت … عن مثلها كلّ بني جنسه
ومن شعره يصف عشية أنس ﵀: [طويل]
أأنسى من الأزمان أنس عشيّة … أجلنا بها الأحداق بين الحدائق
_________________
(١) يرد في الأصل أهكذا: لأحمد سمع قد حللت به عذلا.
(٢) هكذا في الأصل أ / والاشارة هنا إلى قوله تعالى: سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ. والآية هي: «اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ» سورة القمر.
(٣) في الأصل أ: نرية / وهذه القطعة الشعرية هي مما نشرها الاستاذ محمد العرائشي في مجلة دعوة الحق / / ١١٠ عدد / ٢ سنة / ٢٣ ضمن نصوص مختارة من ترجمة محمد بن عسكر الواردة في أعلام مالقة - وفيه: نورية / - وفي أصل المنوني: نورية أيضا.
[ ١٨٨ ]
حدائق بيض بالأزاهر وسطها … جداول كالأسطار وسط المهارق
كأنّ على تلك الأباطح جرّدت … صوارم لمّا خيف من كلّ طارق
صفت وصفا فيها الحصا فكأنّها ال … مجرّة حفّت بالنّجوم الشّوارق
وقد أودع الأرواح عند هبوبها … عليها يدي داود، ربّ الخلائق
يصوغ دروعا فوقها كلّما جرت … فيا لك من حسن للحظك رائق
وغنّت بها الأطيار وهي تجيبها … فيا عجبا من حسن أخرس ناطق
أقمنا عليها بعض يوم كأنّه … لمبصره في العمر لمعة بارق
مع ابناء صدق طاهرين كأنّهم … نجوم سماء أشرقت بالمشارق
حسان الذي يبدو فويق جيوبهم … أعفّة ما قد ضمّ تحت المناطق /
أقرّ بنو الدّنيا جميعا بأنّهم … شياه وكلّ النّاس مثل البيادق
يديرون في وصف العلوم كئوسهم … وليس سوى الآداب خمرا لذائق
رأت أنسنا شمس النّهار فلم تزل … تسارع نحو الغرب سير السّوابق
وغارت بنا فاصفرّ للنّاس وجهها … كما اصفرّ من خوف النّوى وجه عاشق
عجبت لها قد أبصرتنا ولم تقف … وقد وقفت قدما لقتل العمالق
فهلاّ أقامت كي يدوم وصالنا … ولو قدر ما ترتدّ مقلة وامق
فتبّا لدهر لا يدوم نعيمه … لقد قطعت للأمن منه علائقي
تطول على الحرّ اللّبيب صروفه … كليل سليم أو عذاب منافق
وتقصر ساعات الوصال إذا أتت … كخلّب برق أو كغفلة سارق
فيا لزمان بالورى متقلّب … خلائقه للخلق شرّ الخلائق
كأنّ بني الدّنيا لوقع صروفها … عصافير ترمى عن قسيّ البنادق
فما منهم من يستطيع تحصّنا … لإصماء سهم للمنيّة راشق
سواء عزيز القوم مثل ذليلهم … لديه، ومن في السّفح أو في الشّواهق
فما عمرت عمرو بن هند جنوده … ولا أنعم النّعمان قصر الشّقائق
كأنّ جميعا إذ سقاه حمامه … بكأس حقاق خرّ من رأس حالق
أطعت الهوى حتى خدعت ومن يطع … هوى النّفس يخدعه كخدع المآذق
فيا نفس كفّي قد بلغت بي المدى … أمالك بعد الشّيب توبة صادق
ويا ربّ عفوا إنّني منك واثق … فمنّ على عبد بجودك واثق
[ ١٨٩ ]
وله من قصيدة كتب بها جوابا لبعض إخوانه: [بسيط]
أطل (على) (^١) الدّهر في عتب أو اقتصر … فلست منه على حال بمنتصر
ودع بنيه ففيهم من شمائله … ما قد تضمّن من مستقبح السّير
حازوا التّليدين من لؤم ومن حسد … إلى الطّريفين من عيّ ومن حصر
ومنها:
كم قد تنكّر لي من قد محضت له … ودّي وما جئت من شيء له نكر
وظلّ يؤثر أفراس العداوة لم … ينفعه (^٢) وعظ ولم أغدر ولم أتر
ومنها:
لمّا توهّم أن يقوى بقدرته … على المضرّة لم أصرف له بصري
وكّلت لله آمالي فأعجزه … وقلت بالجبر لمّا قال بالقدر
ومنها:
إيه فديت (^٣) بأرواح العداة أبا … محمّد وفداك الدّهر بالنّفر
أتشتكي حسد الحسّاد وهو لهم … كالنّار تعرف فيها نكهة القطر
ومنها:
إن كنت تطلب منهم مثل نفسك قد … طلبت معجزة من غير مقتدر
عذرا لهم فلقد راموا بجهلهم … شأو امرئ فوق أوج الشّمس والقمر
مهما مشى (^٤) نحو قصد، للعلاء سعوا … وإن سعوا خلفه في غاية يطر
تجري اليراع (^٥) بيمناه فتبلغ ما … يغيب من سمهريّ (^٦) في يمين جري
ومنها:
وصفتني بصفات أنت مالكها … لكن تكسّيت منها ثوب مفتخر
فالرّيح تخطر بالأزهار جاريّة … فتكتسي من شذاها الطّيّب العطر
_________________
(١) زيادة ليستقيم الوزن والنص. وفي الأصل أ: … على عتبي
(٢) في الأصل أ: ولم أعظه.
(٣) في الأصل أ: فديتك / وفيه: أتاك الدهر.
(٤) في الأصل أ: مهما مشوا … للعلاى سعى.
(٥) و(^٦) في الأصل أ: اليراع يمناه / وفيه: يغيب من سميري
[ ١٩٠ ]
كأنّما كنت في المرآة تبصر من … وصفته، فلديها العكس للصّور
حقّا دعيت بزهري (^١) منك قد جمعت … في الطّرس بين (فنون) (^٢) الزّهر والزّهر
وقد برعت زهيرا في القريض، ومن (^٣) … تقارب اللّفظ، خصّوا ذاك بالصّغر
إيه تكلّفني ردّ الجواب وقد … علمت أنّي لا أسطيعه (^٤)، فدر
لمّا بعثت رياضا منك مثمرة … سرقت منها، وليس القطع في الثّمر
فإن نطقت فعن علم بصفحك (لي) (٢) … وإن سكتّ فإنّي بالسّكوت حر
وكتب إليه الفقيه أبو علي الاستجي بقطعة شعرية، فجاوبه عليها مسرعا: [كامل]
يا سيّدي قد أفحمتني أحرف … ألفيت (^٥) فيها كلّ سحر مودعا
وافت (^٦)، وعهد أخيك، عن أثبالها … قد طلّ من (٦) نهب السّرور وودّعا
ذكّرت عن قمرين لاحا عندنا … ولعلّ (^٧) عندك أشرقا وتطلّعا
سكرا (^٨) بأفلاك جرت بهما لنا … فتألّفا في أفقنا وتجمّعا
فلعلّ إظلاما (^٩) لدينا ينجلي … بهما، وأنسا قد مضى أن يرجعا
ولقد غنيت بنور وجهك عنهما … وبنور ذهنك إذ بدا وتشعشعا
ولئن تغب عنّا فإنّك حاضر … فاعجب لمفترقين قد حضرا معا
فإذا تمتّع ناظري حسنا فقد … لاح الجمال للحظكم فتمتّعا
ومن شعره وقد سأله بعض الطلبة أن يجود عليه، فكتب إليه مع جملة دراهم أعطاها له: [مخلع]
_________________
(١) في الأصل أ: بزهري فإنك
(٢) زيادة ليستقيم الوزن والنص.
(٣) في الأصل أ: وقد تقارب
(٤) في الأصل أ: لا يستطيعه
(٥) في الأصل أ: ألفت.
(٦) في الأصل أ: ولفت / و: طال.
(٧) في الأصل أ: تقل / والتصحيح من أصل بو خبزة.
(٨) في الأصل أ: سكر الأفلاك.
(٩) في الأصل أ: ظلاما.
[ ١٩١ ]
عذرا فإنّ الحسام ينبو … إن لم تساعده شفرتاه
والصّقر إن لم يكن بريش … لم تستطع نهضة قواه /
وربّ ذي منية ولكن … باعده الفقر من مناه
فاقبل - فديت - القليل ممّن … لم يستطع غيره يداه
وله يصف سيلا دخل على أمير المؤمنين أبي العلاء في رياضة بوادي (^١) …:
[كامل]
يا أيّها الملك الذي قد أشرقت … أقطار ريّة من سناه ونوره
يا من يرينا الشّمس فوق جبينه … حسنا، وليث الغاب فوق سريره
وإذا الزّمان رأى رجاحة عقله … صرفته عن ثهلانه وثبيره
عذرا لواد أمّ قصد مقامكم … كدرا، وحسن الزّور (^٢) في تكديره
عجلان محمرّ الأديم كأنّما … غلب الحياء عليه عند خطوره
يحكي الحوامل باضطراب فؤاده … قلقا، وعدو الأيم عند مسيره
سيريك متن السّيف عند صفائه … جريا، وسرد الدّرع عند فتوره
وافى يقبّل في الثّرى إذ لم يطق … تقبيل كفّ تزدري بنميره
ويروم يقضي بعض حقّكم الذي … عجزت أولو الأفهام عن تعبيره
منع الكلام وقد تعيّن شكركم … فأتاك يعرب عنه صوت خريره
وتوفي ﵀ عليه في ظهر يوم الأربعاء لجمادى الآخرة عام ستة وثلاثين وستمائة غفر الله له وجعل الجنّة مأواه بمنّه وكرمه لا رب سواه.
ومنهم: