يكنى أبا البحر. أصله من مدينة مرسية. واجتاز على مالقة، وأقام بها مدة، وأخذ عنه بها من شعره كثير. ثم انتقل إلى مراكش فأقام بها مدة. وهذا المذكور من فحول شعراء الأندلس وأدبائها، شاعر مفلق وكاتب بارع، تضرب ببراعة كتبه الأمثال. وله رسائل عجيبة ومقامات غريبة، وأشعار رائقة. نقلت من خط أبي عمرو بن سالم قال: أنشدني أبو البحر صفوان لنفسه بمالقة عند توجّهه إلى الحضرة من شعره (^٤): [كامل]
يا حسنه والحسن بعض صفاته … والسّحر مقصور على حركاته
_________________
(١) في الأصل أ: سبيل الوالد. ولا معنى لها.
(٢) راجع ترجمة أبي الأصبغ عيسى بن عياش القيني رقم ١٤٧ ص: ٣٢٨ ولا شيء فيها مما يحيل عليه المؤلف.
(٣) له ترجمة في: المغرب ٢٦٠/ ٢ - تحفة القادم ١١٩ - الذيل ١٤٠/ ٤ - معجم الأدباء ١/ ١٢ - الإحاطة ٣٤٩/ ٣ - مقدمة المحقق لكتابه زاد المسافر: ٩ وما بعدها.
(٤) القصيدة واردة في تحفة القادم: ١٢٠ مع اختلاف في ترتيب الأبيات - وبعضها في المغرب ٢٦١/ ٢ - ورفع الحجب ٥٧/ ١ - ونقلها كاملة المحقق في تقديم زاد المسافر: ٣٧.
[ ٢١٣ ]
بدر لو (^١) انّ البدر قيل له اقترح … أملا، لقال: أكون من هالاته
عبثت بقلب محبّه (^٢) لحظاته … يا ربّ لا تعتب على لحظاته
ركب المآثم في انتهاب نفوسنا … فالله يجعلهنّ من حسناته
يعطي ارتياح الحسن غصنا أملدا (^٣) … حمل الصّباح فكان من زهراته
والخال ينقط في صحيفة خدّه … ما خطّ حبر (^٤) الصّدغ من نوناته
وإذا هلال الأفق قابل خدّه (^٥) … أبصرته كالشّكل (^٦) في مرآته
ما زلت أخطب للزّمان وصاله … حتّى دنا، والبعد من عاداته
فغفرت ذنب الدّهر فيه لليلة … سترت على ما كان من زلاّته
غفل الزّمان فنلت منها بدره (^٧) … يا ليته لو دام في غفلاته
ضاجعته واللّيل يذكي تحته (^٨) … نارين من نفسي ومن وجناته
بتنا نشعشع والعفاف نديمنا … خمرين من غزلي ومن كلماته
وضممته (^٩) ضمّ البخيل لماله … أحنو عليه من جميع جهاته
أو ثقته في ساعديّ لأنّه … ظبي خشيت عليه من فلتاته
والقلب يدعو أن يصيّر ساعدا … ليفوز بالآمال في ضمّاته
حتّى إذا همّ (^١٠) الكرى بجفونه … وامتدّ في عضديّ طوع سناته
عزم الغرام عليّ في تقبيله … فنهضت أبدي (^١١) الطّوع من عزماته
وأبى عفافي أن يقبّل (^١٢) ثغره … والقلب مطويّ على جمراته
_________________
(١) في التحفة: بدرا، بالفتح.
(٢) في التحفة: عميده.
(٣) في التحفة: غصن أملد، بالرفع.
(٤) في التحفة: ما خط مسك
(٥) في التحفة: وجهه.
(٦) في التحفة: كالشخص.
(٧) في التحفة: منه نظرة.
(٨) في الأصل أ: كتب فوق تحته: بيننا.
(٩) في التحفة: فضممته.
(١٠) في التحفة: … اذا هام
(١١) في التحفة: فنفضت أيدي
(١٢) في التحفة: أن أقبل
[ ٢١٤ ]
فاعجب لملتهب الجوانح غلّة … يشكو الظّما والماء في لهواته
وله يخاطب أبا عبد الله بن مرج الكحل المتقدم الذكر، فقال /: [طويل]
سأنفث والمصدور لا شكّ نافث … وأسمع إن أصغت إليّ الحوادث
وكم وقفت لي بالمعاتب مثلها (^١) … على حين لا شيء على الصّبر باعث
فهل سحر هاروت، يقي (لملمّة) … فروعي مميت، والتّوهّم باحث (^٢)
خليليّ من سكّان بابل حدّثا … فإنّ الخليل للخليل محادث
هل السّحر باق مثل ما قد عهدته … أم اتّفقت بعدي أمور حوادث
وما عند هاروت وماروت فانظرا … أعلمهما في ذلك الغار لابث
وإلاّ فشعر قد أعارته (^٣) عينها … فإنّ ابن مرج الكحل بالسّحر نافث
أما والذي أعطاه في الشّعر غاية … أماني ابن حجر عن مداها روائث
وقال أليس الحسن ذلك طبعه … وأنّك فيه من محلّ لماكث
لقد راع سربي أن عناني بقوله … تغيّر لي فيمن تغيّر حارث
فمن بعد هذا القول لست بجانح … إلى مكسب إذ مكسبي هو حارث
ومنها:
ووجّهتها غرّاء علّ قرينه … يصيخ، وبي فكّ القديم الكثاكث (^٤)
كأنّ بياض الطّرس سام كرامة … وأسوده حام، فمن هو يافث
ومنها:
وفي حرم الإخلاص ودّك عندنا … وقد منعت عنّا هناك الرّوافث
وسوق ودادي نفّقت كاسد الوفا … وقد كسدت فيها المساعي الرّثائث
متى رمت بي نصرا تجبك ثلاثة … لساني وودّي والسّريجيّ ثالث
_________________
(١) شطر، أكثر كلماته مطموسة في الأصل أ.
(٢) بيت، كلماته مطموسة غير مقروءة في الأصل أ.
(٣) في الأصل أ: أعارت.
(٤) بيت، كلماته مطموسة غير مقروءة في الأصل أ.
[ ٢١٥ ]
وكتب إليه ابن مرج الكحل بقصيدة أولها: [طويل]
أعادتك من ذكر الأحبّة أشجان … فقلبك خفّاق ودمعك هتّان
تحنّ على شحط المزار إليهم … ومن دون لقياهم قفار وبلدان
خليليّ ما في الأرض صفو مودّة … إذا لم يكن يصفي المودّة صفوان
رماني بزور وهو بالحقّ عالم … وكلّ كلام الشّرّ زور وبهتان
نطقت فأفحمت العراق بلاغة … وأخرست ما تحوي السّراة خراسان
ولو سمعت سمعا (^١) عكاظ بلاغتي … لما جرّر الأذيال (^٢) في الدّهر سحبان
ولو كنت في جيل الأوائل لم يكن … ليذكر بالإحسان في الشّعر حسّان
فجاوبه الفقيه أبو بحر صفوان بقصيدة منها: [طويل]
سل البان عنهم كيف بعدهم البان … أشاقوه إذ ساروا، وراعوه إذ بانوا
ألم يتعاط دون بان قضيبه … فتلك القدود الهيف في العين إخوان /
فما بالها لم تدن شوقا إليهم … ولم تنقدح فيها من الوجد نيران
ومنها:
إليها فلا انجرّت ذيول ظلالها … ولا أشبت منها المعاطف أغصان
فإن حكموا أنّ القدود ذوابل … فشاهدهم أنّ النّواظر خرصان
وإن أجمعوا أنّ الخدود أزاهر … فحجّتهم أنّ المعاطف أفنان
خليليّ عوجا وانظرا وتبيّنا … ولا تكسلا، لن يبلغ المجد كسلان
أهدّي الذي تهدي الرّياح سلامهم … فإنّي أرى للرّيح عرفا له شان
لعلّهم قد أودعوها شذاهم … ليرتاع مشتاق ويهتزّ هيمان
وإلاّ فقولا أنتما قول منصف … أطبع نسيم الرّيح روح وريحان
أقول لقلبي حين أشعر غدرهم … ثكلت، أترضى أن تخون كما خانوا
ولا غرو أنّي كنت للعهد حافظا … وكلّهم عند الشّدائد خوّان
_________________
(١) في الأصل أ: ولو سمعت سمعي
(٢) في الأصل أ: الاذيال / وقبلها كلمة غير مقروءة / وفي أصل بو خبزة: جرر الاذيال.
[ ٢١٦ ]
فعن حكمة ما يخزن النّار مالك … ويخزن دار الخلد والفوز رضوان
ولا كابن مرج الكحل علق مضنّة (^١) … تشدّ عليها للشّدائد أيمان
وما راعني من ودّه، غير أنّه … يغيّره قوم كدهري ألوان
أقول له لمّا أصاخ لقولهم: … أمن نفحات الرّيح يهتزّ ثهلان
ومنها:
لعمري وما عمري بحلفة فاجر … ولكنّها برّ وصدق وأيمان
لقد علّمتني كيف تصفو مودّتي … «أعادتك من ذكر الأحبّة أشجان»
صدقت، إذا لم يصف صفوان ودّه … فليس بصافي الودّ في النّاس إنسان
هل النّون في صفوان إلاّ مزيدة … من الصّفو والإخلاص يستبن (^٢) صفوان
شهدت يقينا أنّ فكرك آية … يؤيّدها من معجزاتك برهان
فلا تجعلنّي من بني الدّهر إنّهم … لنعلي - على أنّي تسامحت - عبدان
ولا كلّ من يدعى فتى هو مالك … ولا كلّ من فوق البسيطة سعدان
ألست الذي ارتجّ (^٣) العراق لذكره … كما ارتجّ إذ لاقت جيادي صنعان
وكم كلفت مصر بنشر مآثري … وقامت على ساق لذكري بغدان
لي الكلم العذب الذي (لو) (^٤) بذلته … لطالبه ما استعمل الماء صديان
من الكلم الرّطب الذي لو أبحته … لزيّف عقيان وبهرج مرجان /
كلام إذا أرسلته قال بعضهم … لبعض: أعنّي الآن عمري لقمان
ومنها:
وإنّي لماضي المضربين وحاملي … جبان ولكن في (المجامع) (^٥) سحبان
جردت حساما في يد الدّهر لو درى … لساد به، لكنّما الجهل حرمان
ولو أنّ إنساني يسرّ مودّتي … لما انطبقت من فوقه لي أجفان
_________________
(١) من ضن: بمعنى بخل. والمضنّة هو ما يضنّ به لنفاسته.
(٢) في الأصل أ: تستبن / وأصلها: يستبنى / فحذف ألف الحمل لضرورة الوزن.
(٣) في الأصل أ: ارتاج.
(٤) زيادة ليستقيم الوزن والشعر. / في أصل بو خبزة: الذي (إن) بذلته
(٥) كلمة غير واضحة في الأصل أ / ولعلها لفظة المجامع.
[ ٢١٧ ]
وكتب ﵀ عن أحد الناس يستعطف أحد أهل الدنيا: أما بعد، أدام الله مدّة الشيخ أبي فلان، وأبقاه عمادا وجنّة ونصرة، وعاطفا على من استجار به من ساعة العسرة. ولا زال منتصرا للمظلوم، دافعا في صدر الظّلوم، راعيا حقّ الأدب الذي أضاعه الزّمان وأهمله، منتهضا منه ما قعد به الدّهر فأخمله، فإنّما يرجى للعظيمة العظيم، ويدّخر للشّدائد من حقّه التّوقير والتّعظيم، وإلى الله يلجأ اللهفان، وبسفينة نوح يستجير من يكنفه الطّوفان. وأنا بالله ثمّ بك من زمان عطّل أدبي، وأردت أن أقوم به فأقعد بي (^١). وكلّما أشرت إلى أن أبرأ، نهب، وإن جنحت إلى أن أخمد، ألهب، وأنشد وقد جاء بالتّعنيف (^٢) وذهب:
الضّبّ والنّون قد يرجى اتّفاقهما … وليس يرجى التقاء اللّبّ والذّهب
فبقيت لا أدري هل انطباعي قصّر من طباعي، أم براعتي أخملت يراعتي، أم فصاحتي عمّرت بالخمول ساحتي، أم سحر أدبي إلى الهوان أدّى بي، أم إطنابي قصّر أطنابي. كما لا شكّ أنّ إشعاري جعلت اتّصال أشعاري، ورسائلي قطعت وسائلي، وشوارد أمثالي أبت أن يسود أمثالي. فهلاّ بناني عناني، ولم تكن مذهّباتي مذهباتي، وخطابي للغير خطابي. أستغفر الله لا أشكو ولا أدع، رغم أنف الأشمّ وشموخ الأجدع. فأقسم بمآثرك الّتي خلّدتها حجولا للزّمان وغررا، ونسّقتها في جيد الوجود دررا، ثمينا في غير إغلاق، لولا أنّ الله تعالى يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾، لوأدت بنات فكري بغير ذنب، ونفضت يدي من الأدب (^٣) عن الصّاحب بالجنب، وبرئت من الأدب وأربابه، وأتيت الزّمان من بابه. ولكن بقي أعزّك الله في هذه الفضيلة فضلك، وهذا الهدف سيقرطسه إن شاء الله نصلك. وها أنا قد وقفت بين يدي علاك أخاصم دهري، وأباحثه لأيّة علّة فتق كمائم الخمول عن زهري، أم كان أراد أن لا يجمع بي الحسنيين، ولا يطابق في المنظر والمخبر بين
_________________
(١) في الأصل أ: فأقعدني.
(٢) في الأصل أ: بالتعنف.
(٣) هكذا في الأصل أ. ولم أهتد إلى معنى الصيغة ككل.
[ ٢١٨ ]
المغنيين. فعلى (هذا) (^١) من يحسن في جميع الجهات ويجمل، من ذا الذي يعطى الكمال فيكمل. وإن كان إنّما حطّ درجتي / ظلما وهضما، وعبث بجاهي فشرط نظما، فكفى بك حكما من أهله، يضرب على يدي جهله ونشله (^٢). يا أبا سليمان، اخبر الزّمان، واحكم في قضاياه حكم سليمان، واقض بيني وبين زماني بالواجب الأحقّ، وإنّما نحن خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق، ومثلك نهض بمن ألقي إليه يد الاستسلام، نهضة عمر بن الخطّاب ﵁ لشهرة الإسلام.
وإليكها تختال كما تفعل كلّ ذات ذيل، وتستجير بك من زمان ضلّ في اهتضامها ضلال هذيل. ولا غرو أن تجيرها، فالفضيلة خامسة طبائعك، وإسعاف مؤمّلك عنوان صنائعك. وكم لها من أخيّة، تصغيرها على حدّ التّكثير كما قالوا بريق ودويهية، والمشار بهما إلى الأمر. والله تعالى يخلّد ذكر مجدك في بطون الأوراق، يتهاداه العراق من الشّام والشّام من العراق، والسّلام كما اعتمره الزّمان بالأشواق، وطير الثّناء يروح ومجدك سخيّ (^٣) بالعشيّ والإشراق، والسّلام.
وكتبه ﵀ كثير مشهور.
_________________
(١) زيادة ليستقيم النص.
(٢) النشل هنا معناه: اللدغ.
(٣) في الأصل أ: يروح مجدك سجين بالعشي
[ ٢١٩ ]