تُوفِّىَ لأربَعَ عَشْرةَ سنة.
كان قد حَفِظ القرآن، وتفقَّه، وتُوفّى وهو ابن أربعَ عَشْرةَ، ولمَ يَبلُغْ. وكان له كلامٌ يدلُّ على عَقْلٍ غَزيرٍ وفَهْمٍ ودِينٍ.
قرأتُ بخَطِّ أبيه أبى الوفاء -وكان هذا الصَّبىُّ قد طال مرضُه، وأنْفَق عليه أبوه مالًا فى المرض وبالَغَ- قال أبو الوفاء: قال لى ابْنِى لمَّا تقَارَبَ أجَلُه: يا سَيِّدى، قد أنفَقْتَ وبالَغْتَ فى الأدوية والطبِّ والأَدْعية، وللهِ سبحانه فِىَّ اخْتِيارٌ، فدَعْنِى مع اختيار الله تعالى.
قال أبو الوفاء: فو اللهِ ما أنْطَقَ اللهُ سبحانه وَلدى بهذه المَقالَةِ التى تُشاكِلُ قولَ إسحاقَ لإِبراهيمَ: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ (^٢) إلَّا وقد اختاره اللهُ للحُظْوة (^٣).
* * *
_________________
(١) تاريخ بغداد ٦/ ٣٧، وطبقات الحنابلة ١/ ٨٩، ٩٠، وبرد الأكباد عند فقد الأولاد ص ٢٩ وذكره المصنِّف فى أثناء ترجمة "الحربى" من صفة الصفوة ٢/ ٤٠٩، ٤١٠. (*) وُلد فى ذى الحجة سنة أربع وسبعين وأربعمائة، وتُوفى سنة ثمان وثمانين وأربعمائة المنتظم ٩/ ٩٧، والذيل على طبقات الحنابلة ١/ ١٦٥، والمنهج الأحمد ٢/ ٢٣٢، وشذرات الذهب ٤/ ٤٠.
(٢) سورة الصافات ١٠٢. وقوله: "التى تُشاكل قول إسحاق لإِبراهيم" هذا على أن الذَّبيح هو إسحاق، وهو أحد قولين، والقول الثاني أنه إسماعيل. وقد نصره الإِمام ابن قيّم الجوزيَّة ﵀، قال: "وإسماعيل هو الذّبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين، ومَن بَعْدهم. وأما القولُ بأنه إسحاق فباطلٌ بأكثر من عشرين وجهًا، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس اللهُ رُوحَه يقول: هدا القولُ إنما هو مُتلقَّى عن أهل الكتاب، مع أنه باطلٌ بنَصّ كتابهم، فإنَّ فيه: إن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنَه بِكْرَه، وفى لفظٍ: وَحِيدَه، ولا يشكُّ أهلُ الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بِكْرُ أولادِه. والذى غَرَّ أصحابَ هذا القول أن فى التوراة التى بأيديهم: اذبحْ ابنَكَ إسحاق، قال: وهذه الزيادة مِن تحريفهم وكذبهم؛ لأنها تُناقض قولَه: اذبَحْ بِكْرَك ووحيدَك، ولكنَّ اليهودَ حسدَتْ بنى إسماعيل على هذا الشَّرف، وأحبُّوا أن يكون لهم، وأن يَسُوقُوه إليهم، ويحتازوه لأنفسهم دُونَ العرب، ويأبى اللهُ إلَّا أن يَجعلَ فضْلَه لأهلِه. . ." زاد المعاد ١/ ٧١، ٧٢. وانظر زاد المسير ٧/ ٧٢، ٧٣، وتفسير ابن كثير ٧/ ٢٣.
(٣) بهامش الأصل: "فى كتاب الثَّبات عندَ الممات لابن الجوزى: قال أبو الوفاء بن عقيل: مات ولدى عقيل، وكان قد تفقَّه وناظرَ وجمَع أدبًا حَسَنًا، فتعَزَّيْتُ بقصَّة عَمرِو بن عبد وُدّ الذى قتله علىُّ بن أبى طالب، فقالت أُمُّه تَرْثيه: لو كان قاتلُ عَمرٍو غير قاتِلِه ما زِلتُ أبكى عليه دائمَ الأَبَدِ لكنَّ قاتلَهُ مَن لا يُقادُ به من كان يُدْعَى أبوه بَيْضَةَ الَبَلدِ" =
[ ١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قلتُ: لم أجد ذلك النقل فى كتاب الثبات عند الممات الذى نشره الأستاذ عبد اللطيف عاشور، بمكتبة القرآن. القاهرة ١٩٨٦ م. وهو فى المنتظم ٩/ ١٨٧، والذيل على طبقات الحنابلة ١/ ١٦٤، والمنهج الأحمد ٢/ ٢٣٠، وشذرات الذهب ٤/ ٣٩. وتمام الخَبَر فى هذه الكُتُب: "فأسلاها وغزَّاها جلالةُ القاتل، وفخرها بأنَّ ابنها مَقْتُولُه، فنظرتُ إلى قاتل ولدِى الحكيم المالِك، فهانَ علىَّ القَتْلُ والمَقْتولُ؛ لجلالة القاتل". وهذا الابن الثانى "عقيل" كنيتُه أبو الحسن، وُلِد ليلةَ حادى عشر رمضان سنة إحدى وثمانين وأربعمائة. وكان فى غاية الحُسْن، وكان شابًّا فَهِمًا، ذا خَطٍّ حَسَن. تفقَّه على أبيه، وناظر فى الأصول والفُروع، وسمع الحديثَ الكثيرَ، وكان فقيهًا فاضلًا يفهم المعانى جيّدًا، ويقول الشِّعر، وكان يشهد مجلس الحكم، ويحضر المواكب. توفى يوم الثلاثاء منتصف محرم سنة عشر وخمسمائة، وقيل: يوم الجمعة ثانى عشر ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة وخمسمائة. أمَّا قَتْلُ على بن أبى طالب ﵁ لعمرو بن عبد وُدّ، فقد كان يومَ الخَنْدق. وهذا الشعر الذى قيل فى رثائه يُنْسَب أيضًا إلى ابنته عَمْرة، وإلى امرأة من بنى عامر بن لؤىّ. انظر ثمار القلوب ص ٤٩٦، ومجمع الأمثال ١/ ٩٨، واللسان (بيض). ويروى: "مَن لا يُعاب به".
[ ١٣ ]