عاش ذو الإصْبَع العَدْوانِيّ (^١) -واسمه حُرْثان بن مُحرِّث بن الحارث ابن ربيعة- ثلاثَمائة سنة. وهو أحدُ حُكَّام العرب فى الجاهلِية.
رَوى الهَيْثمُ بنُ عديّ، عن مِسْعَر بن كِدام، قال: حدَّثنا سعيد (^٢) ابن خالد الجَدَلِىّ، قال: لمَّا قَدِم عبدُ الملِك بن مَروانَ الكُوفةَ بعدَ قَتْل مُصْعَب دَعَى الناسَ، فأتيناه، فقال: مَن القومُ؟ فقلنا: جَدِيلة. قال: جَدِيلةُ عَدْوانَ؟ قلنا: نعم. فتمثَّل عبدُ الملك:
عَذِيرَ الحَىِّ مِن عَدْوا نَ كانوا حَيَّةَ الأرضِ
ومِنْهُمْ كانت السَّادا تُ والمُوفُون بالقَرْضِ
ومِنهُمْ حَكَمٌ يَقْضِى فلا يُنْقَضُ ما يَقْضِى
ثم أقبل على رجُلٍ كُنَّا قَدَّمْناه أمامَنا، جَسِيمٌ وَسِيمٌ، فقال: أيُّكم يقولُ هذا الشِّعْرَ؟ فقال: لا أدرِى. فقلتُ [أنا] (^٣) مِن خَلفِه: حُرْثان.
فأقبل عليه وتركنى، فقال: لِمَ سُمِّىَ ذا الإصْبَع؟ فقال: لا أدْرِى. ففلتُ أنا: نَهَشَتْهُ حَيَّةٌ على إصْبَعه.
فأقبل عليه وتركنى، فقال: مِن أيِّكُمْ كان؟ فقال: لا أدرِى. فقلتُ أنا: مِن ناجٍ (^٤).
_________________
(١) شاعرٌ فارسىٌّ قديمٌ جاهلىٌّ. وسُمِّىَ ذا الإصبع لأن حيَّةً نهشَتْه. وقيل: كانت له إصبع زائدة. أخباره وأشعاره في المعمّرين صفحات ٥٦، ٥٨، ١١٣، وشرح المفضليات ص ٣١٢، والشعر والشعراء ص ٧٠٨، والأغاني ٣/ ٨٩ - ١٠٩، والسِّمط ص ٢٨٩، ٢٩٠، وأمالى المرتضى ١/ ٢٤٤ - ٢٥٣، والخزانة ٥/ ٢٨٤ - ٢٨٧.
(٢) وكذلك جاء في أمالى المرتضى. وجاء في الأغانى: "معبد".
(٣) من أمالى المرتضى، وسيأتى نظيرها.
(٤) بنوناجٍ. انظر الاشتقاق ص ٢٦٧، ٢٦٨.
[ ١١٤ ]
فأقبل على الجَسِيم، فقال: كم عطاؤُك؟ قال: سبعمائة دِرْهم. ثم أقبل عليَّ فقال: كم عطاؤك؟ فقلت: أربعمائة دِرهم. فقال: يا ابنَ الزُّعَيْزِعَة: حُطَّ مِن عَطاء هذا ثلاثَمائة، وزدها فى عطاء هذا.
عَمرو بن حُمَمة الدَّوْسىّ (^١). قَضَى على العرب ثلاثَمائة سنة، فكان يقول:
تقولُ ابْنَتِى لمَّا رأتْنِى كأنَّنِى سَلِيمُ أفاعٍ لَيْلُه غيرُ مُودَعِ (^٢)
وما الموتُ أفْنانِي ولكنْ تَتَابَعَتْ علىَّ سِنُونٌ مِن مَصيفٍ ومَرْبَعِ (^٣)
ثلاثُ مِئينٍ قد مَرَرْنَ كوَامِلًا وها أنا هذا أرْتَجِى مَرَّ أربَعِ
فأصبحتُ مِثلَ النَّسْرِ طارتْ فِراخُه إذا رام تَطْيارًا يُقالُ له قَعِ
أُخَبِّرُ أبناءَ القُرونِ التى مَضَتْ ولا بُدَّ يومًا أن يُطارَ بمَصْرَعِى
_________________
(١) أحد حُكّام العرب في الجاهلية، وأحد المتعمّمين بمكّة مخافة النساء على أنفُسِهم من جمالهم. واليمن تقول: إنه أول من قُرِعت له العَصا، وكان الرجل إذا كَبِر وخشى الذهول والغفلة، أمر مَن حولَه إذا أحسُّوا فيه غفلةً أو خطأ أن يقرعوا له العَصا تنبيهًا وإرشادًا، وضربت العرب بذلك المثل فقالت: إنَّ العَصا قُرِعَتْ لذى الحِلْم وقد اختلفوا فى أمر "عمرو بن حُمَمة" فذكر ابن دريد أنه وفد على النبي -ﷺ-، وذكر غيره أنه مات فى الجاهلية، وهو الأكثر. وزعم ابن حبيب أنه هو الذى كَسَر الصنم المسمّى "ذا الكَفَّين"، وكذلك قال ابن حزم، والصحيح أن الذى تولى ذلك بأمرٍ من النبىّ -ﷺ- هو الطفيل بن عمرو الدَّوْسىّ. وقد كشف هذا اللبسَ الواقدىُّ حين ذكر أن "ذا الكَفَّين"، هو صَنَم عمرو بن حُمَمة الدوسى، وأن الطفيل هو الذي تولَّى كَسْره. المغازى صفحات ٧، ٨٧٠، ٩٢٣. وانظر الأصنام ص ٣٧، والمحبَّر صفحات ١٣٧، ٢٣٢، ٣١٨، وجمهرة ابن حزم ص ٤٩٤، والمعارف ص ٥٥٣، والمعمّرين ص ٥٨، والاشتقاق ص ٥٠٥، ومعجم الشعراء ص ١٧ - وذكر أنه عاش ٣٩٠ سنة- ومجمع الأمثال ١/ ٣٩، والإصابة ٤/ ٦٢٥.
(٢) يقع اختلاف في رواية هذه الأبيات، أمْسَكْتُ عن ذِكره مخافة التطويل، فَيُلْتَمَس من المراجع التي ذكرتُها، وبخاصة معجم الشعراء للمرزباني.
(٣) فى الأصل: "ومرتع"، بالتاء الفوقية. والصواب ما أثبتُّ، وهو فى معجم الشعراء، والمربع: هو الرَّبيع. قال الحُطيئة: أمِنْ رسمِ دارٍ مَرْبَعٌ ومصيفٌ لعينيك من ماء الشُّؤون وَكِيفُ ديوان ص ١٦٦.
[ ١١٥ ]
وكذلك عاش ذوجَدَن الحِمْيرىّ الملكُ ثلاثَمائةِ سنة (^١). وكذلك شِرْية ابن عبد الله الجُعْفىّ بن سعد العَشِيرة (^٢)، وأدرك الإسلامَ فى زمن عُمر. وكذلك عَبِيد بن شِرْية الجُرْهُمىّ (^٣)، وأدرك الإسلامَ فأسلم وقَدِم على معاوية. وكذلك جعفر بن قُرْط العامرىّ (^٤).
المُسْتَوْغِر بن ربيعة بن كعب بن سعد (^٥). عاش ثلاثَمائة سنة. وقال
_________________
(١) المعمّرون ص ٤٣، والمحبَّر ص ٣٦٧ - واسمه عنده: الحارث بن شرحبيل- والمعارف ص ١٠٤، ٦٣٧، وجمهرة ابن حزم ص ٤٣٦ - واسمه عنده: علس- والاشتقاق حاشية ص ٥٣١، وأمالى ابن الشجرى ١/ ٢٦١ (أذواء اليمن).
(٢) المعمّرون ص ٤٩، ٥٠، والإصابة ٣/ ٣٨٥. و"شرية" كانت مضبوطة فى الأصل بفتح الشين وسكون الراء، ثم ضُبِّبَ على الفتحة، ووُضِعت كسرة تحت الشين. وقيَّدها ابن حجر بالعبارة "شَرْيَة" قال: بفتح أوله وسكون الراء وفتح التَّحتانيَّة. وسيَضْبِطها في الاسم التالى على غير هذا.
(٣) المعمّرون ص ٥٠ - ٥٣، وفهرست ابن النديم ص ١٠٢، ودرة الغوَّاص ص ٧٣، ونزهة الألبّا ص ٢٨، ومعجم الأدباء ١٢/ ٧٢ - ٧٨، والإصابة ٥/ ١١٥، وضَبَطَ "شَرِيَّة" هاهنا بفتح الشين وكسر الراء وتشديد الياء التحتية، بوزن "عَطِيَّة". وانظر الترجمة السابقة. وكان عبيد بن شرية راويةً للأعشى، كما أنه يُعَدُّ مِن أقدم من ألَّف فى الأمثال العربية. ويزعم كرنكو المستشرق الألمانى أن "عبيد بن شرية" شخصية وهميّة اخترعها ابن النديم، وكتب بذلك إلى خير الدين الزركلى، وقد نفت نبيهة عَبّود الشكوك التى ثارت حول أخباره. انظر الأعلام ٤/ ٣٤١، وتاريخ التراث العربى -المجلد الأول - الجزء الثانى- التدوين التاريخى ص ٣٢، ومصادر الشعر الجاهلى ص ٢٤٠، والأمثال العريبة القديمة ص ٥١، وانظر فهارسه.
(٤) وأدرك الإسلام، كما ذكر أبو حاتم فى المعمرين ص ٥٤، وحكاه عنه ابن حجر، وزاد من كلامه "فأسلم" الإصابة ١/ ٥٣٧.
(٥) المعمّرون ص ١٢، ١٣، وطبقات فحول الشعراء ص ٣٣، ٣٤، والشعر والشعراء ص ٣٨٤، ٣٨٥، وأمالى المرتضى ١/ ٢٣٤، ٢٣٥، ومعجم الشعراء ٢٣، ٢٤، ولطائف المعارف ص ٢٧، والاشتقاق ص ٢٥٢، وجمهرة ابن حزم ص ٢٢١، ٤٩٤، والروض الأنف ١/ ٦٦، والإصابة ٦/ ٢٩٠، ٢٩١، وقيَّده ابن حجر "المستوعز" بعين مهملة ثم زاى، وهو مخالِفٌ لما فى الكُتُب؛ لأنهم قالوا: إن اسمه عمرو، وإنما سُمِّىَ "المستوغر" لقوله يصف فرسًا: ينِشُّ الماءُ فى الرَّبَلاتِ منها نَشِيشَ الرَّضْفِ فى اللَّبن الوَغير النَّشُّ: صوت الماء عند الغليان أو الصَّبّ. والرَّبَلات، بفتح الباء: جمعَ رَبْلَة، بفتح الباء =
[ ١١٦ ]
ابن قُتَيْبة: يقال: إنه عاش ثلاثَمائة سنة وعشرين سنة. قال:
ولقد سَئِمتُ من الحياةِ وطُولِها وعَمَرْتُ مِن عَدَدِ السِّنين مِئِينا
مائةٌ حَدَتْها بعدَها مائتانِ لى وازدَدتُ مِن بعدِ الشهور سِنِينا
هل ما بَقَى (^١) إلَّا كما قَدْ فاتَنِى يومٌ يَمُرُّ ولَيلَةٌ تَحْدُونا
قال ابن قُتَيْبة: (^٢) ويقال: إنه مَرَّ بِسُوق عُكاظ يَقُودُ ابنَ ابنِه خَرِفًا، فقال له رجلٌ: يا عبدَ الله أحسِنْ إليه فطالَما (^٣) أحسَنَ إليك، فقال: أوَتَعْرِفُه؟ قال: هو أبوك أو جَدُّك، قال المُسْتَوْغِر: هو واللهِ ابنُ ابنى. قال الرجل: ما رأيتُ كاليومِ قَطُّ ولا المُسْتَوْغِر! قال: فأنا المُسْتَوْغِر.
عَبِيد بن الأبْرَص. ذكره ابنُ قُتَيْبَة (^٤)، وقال: عَبر الثلاثمائة.
أنطونس السَّائح. عاش ثلاثَمائة وعشرين سنة.
عَمْرو بن لُحَىّ بن قَمَعَة (^٥). عاش ثلاثَمائة وأربعين سنة. وهو أوَّلُ مَن سَيَّبَ السَّوائب (^٦). وكان يركب معه مِن وَلَدِه ألفُ مُقاتِل.
_________________
(١) = وسكونها، وهى باطن الفخذ. والرَّضْف: حجارة تُحْمَى وتُطْرَح فى اللبن ليجمد: والوغير: اللبن يُسخَّنُ بالحجارة المحماة.
(٢) قيَّده ابن سَلَّام بفتح القاف، ثم قال: "يريدَ بَقِىَ، وهى لغة طيِّئ.
(٣) فى الموضع السابق من الشعر والشعراء.
(٤) رُسِمت فى الأصل: "فطال ما" منفصلة، والصواب وَصْلُها، ومثلها "قَلَّما"، وإن كان ابن درستويه يرى فيهما الفصل. انظر كتاب الكُتَّاب له ص ٥٧، وهمع الهوامع ٢/ ٢٣٧، وكتاب الإملاء للشيخ حسين والى ص ٢١٩، وحواشى الشعر والشعراء ص ٣٨٥.
(٥) الشعر والشعراء ص ٢٦٧ - ٢٦٩، والمعمّرون ص ٧٥، ٧٦، وطبقات فحول الشعراء ص ١٣٨، والأغانى ٢٢/ ٨١ - ٩٥.
(٦) هو أوّل من غَيَّر دِين إسماعيل ﵇، ودَعا العربَ إلى عبادة الأوثان. الأصنام ص ٨، وأخبار مكة للأزرقى ص ٩٦ - ١٠١، والمحبَّر ص ٩٩، والسيرة النبوية ١/ ٧٦، والروض الأنف ١/ ٦٢، ومروج الذهب ٢/ ٥٦، ٢٣٨، والأوائل ص ٩٨ - ١٠١، وجمهرة ابن حزم ص ٢٣٣ - ٢٣٥، ٣٩٤، والاشتقاق ص ٤٦٨، وتلبيس إبليس ص ٥٣ - ٥٦، وفتح البارى (باب قصة خزاعة. من كتاب المناقب) ٦/ ٥٤٧ - ٥٤٩، و(باب ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام. من كتاب التفسير)، ٨/ ٢٨٣.
(٧) كان الرجلُ إذا نَذَر لقُدوم من سفر أو بُرْء من مرض، أو غير ذلك، قال: ناقتى سائبة، =
[ ١١٧ ]
وكذلك عاش الرَّبيع بن ضَبُع بن وَهْب (^١).
عبد المَسِيح بن عمرو بن قيس بن حَيّان بن بُقَيْلَة (^٢). وبُقَيْلَة اسمُه ثعلبة، وقيل: الحارث. وإنما سُمِّىَ بُقَيْلَة؛ لأنه خرج على قومه فى بُرْدَين أخْضَريْن، فقالوا: ما أنت إلَّا بُقَيْلَة، فسُمِّىَ بذلك.
عاش عبدُ المسيح ثلاثَمائة وخمسين سنة، وأدرك الإسلامَ ولم يُسْلِم.
_________________
(١) = فلا تُمنَع من ماءٍ ولا مَرْعًى، ولا تُحْلَب ولا تُركب. وكان الرجلُ إذا أعتق عبدًا فقال: هو سائبةٌ، فلا عَقْلَ بينَهما ولا ميراث، وأصلُه من تسييب الدوابّ، وهو إرسالُها تذهبُ وتجيء كيف شاءت. النهاية ٢/ ٤٣١.
(٢) الفَزارىّ. يقال: عاش ستّين سنة فى الإسلام، ولم يُسلم. وقد بقى إلى أيام عبد الملك ابن مروان. المعمّرون ص ٨ - ١٠، وأمالى المرتضى ١/ ٢٥٣ - ٢٥٦، والسّمط ص ٨٠٢، والإصابة ٢/ ٥١٠، ٥١١، والخزانة ٧/ ٣٨٣ - ٣٨٩. و"الربيع" يُضْبَط بفتح الراء، وبضمِّها على التصغير. وللربيع أبيات تأتى شواهد سيّارة عند اللغويين والنحاة. مثل قوله: إذا كان الشتاءُ فأدفئونى فإن الشيخ يهدمه الشتاءُ إذا عاش الفتى مئتين عامًا فقد ذَهب اللَّذاذةُ والفتاء وقوله: أصبحتُ لا أحملُ السِّلاحَ ولا أملِكُ رأسَ البعير إن نَفَرا والذئبَ أخشاهُ إن مررتُ به وحدى وأخْشَى الرياحَ والمَطَرا
(٣) المعمّرون ص ٤٧، ٤٨، والبيان والتبيين ٢/ ١٤٧، ١٤٨، والأغانى ١٦/ ١٩٥، وأمالى المرتضى ١/ ٢٦٠ - ٢٦٣، والديارات ص ٢٣٩، ٢٤٠، واللباب ١/ ١٣٦، والاشتقاق ص ٤٨٥، وجمهرة ابن حزم ص ٣٧٤، وفتوح البلدان ص ٢٩٧، ٣٣٩، ومروج الذهب ٢/ ١٩٣. و"عبد المسيح"، هذا هو ابن أخت "سَطِيح الكاهن" وهو مذكورٌ معه فى حديث سطيح المشهور فى دلائل النبوة، وما كان فى الليلة التى وُلِد فيها رسول الله -ﷺ-، من ارتجاس إيوان كسرى وما سقط من شُرُفاته، وخمود نار فارس، وغَيْض بُحَيْرة ساوة، ثم ما كان من قدوم عبد المسيح على خاله سطيح، وسؤاله عمَّا أزعج كِسْرَى وأقْلَقه. راجع هذا الحديث فى منال الطالب ص ١٥٤ - ١٥٧، والمراجع التى بحاشيته، وهواتف الجِنَّان للخرائطى ص ١٧٩ - ١٨٢ (ضمن نوادر الرسائل). وشرح المقامات ٢/ ٣١١ - ٣١٣.
[ ١١٨ ]
وكان نصرانيًّا، فلما نزل خالدُ بن الوليد على الحِيرة تَحَصَّن منه أهلُها، فقال: ابعثوا إلىَّ رجُلًا مِن عُقلائكم، فبعثوا عبد المسيح، فأقبل يمشى حتَّى دنا مِن خالد، فقال: انْعَمْ صَباحًا أيُّها المَلِك.
فقال: قد أغْنانا اللهُ عن تحيّتك هذه! فمِن أين أقْصَى أثرِك أيها الشَّيخُ؟
فقال: مِن ظَهرِ أبى.
قال: فمِن أين خرجْتَ؟
قال: مِن بَطْنِ أُمِّى.
قال: فعلامَ أنت؟
قال: على الأرض.
قال: ففيم أنت؟
قال: فى ثيابى.
قال: أتَعْقِلُ؟ (^١).
قال: إى والله وأُقَيِّدُ.
قال: ابْنُ كم أنت؟
قال: ابنُ رجلٍ واحد.
قال خالدٌ: ما رأيتُ كاليوم! أسألُه عن الشئ ويَنْحُو فى غيره.
فقال: ما أنْبأتُكَ إلَّا عمَّا سألتَنى.
فقال: أعَرَبٌ أنتم أم نَبَطٌ؟
قال: عَرَبٌ استَنْبَطْنا، ونَبَطٌ اسْتَعْرَبْنا.
_________________
(١) بعد هذا فى البيان وأمالى المرتضى: "لا عَقَلْتَ".
[ ١١٩ ]
قال: فحرْبٌ أنتم أم سِلْمٌ؟
قال: بل سِلْمٌ (^١).
قال: كم أتَى لك؟
قال: خمسون وثلاثمائة سنة.
قال: فما أدْرَكْتَ؟
قال: أدركْتُ سُفُنَ البَحْرِ تُرْفَأُ إلينا فى هذا الجُرْف، ورأيت المرأة مِن الحِيرةِ تَضَع مِكْتَلَها على رأسها، لا تَزَوَّدُ إلَّا رغيفًا واحدًا حتى تأتىَ الشَّامَ، ثم قد أصبحت اليومَ خَرابًا (^٢).
قال: ومعه سَمُّ ساعةٍ يُقلِّبُه فى كفِّه. فقال له خالد: ما هذا؟ قال: سَمٌّ. قال: وما تَصْنَع به؟ قال: إن كان عندك ما يُوافِقُ قومِى وأهلَ بلَدى حَمِدتُ الله وقبِلتُه، وإن كانت الأُخْرى لم أكن أوَّلَ مَن ساقَ إليهم ذُلًّا، أشْرَبُه وأستريح مِن الحياة، وإنما بَقِىَ من عُمْرى اليسير.
قال خالد: هاتِه، فأخذه وقال: بسم الله وباللهِ، رَبّ الأرض والسَّماء، الذى لا يَضُرُّ مع اسمه شئٌ. ثم أكله (^٣)، فتَجلَّلَتْه غَشْيَةٌ، ثم ضَرَب بذَقَنِه
_________________
(١) بعد هذا فى المرجعين المذكورين: "قال: فما بالُ هذه الحُصُون؟ قال: بنيناها للسَّفيه حتى يجئَ الحليمُ فينهاه".
(٢) بعده فيهما: "وذلك دأبُ الله فى العباد والبلاد". وقد وقف الكلام فى البيان عند هذا الحَدّ. وذكر الميدانى من أول هذا الحِوار إلى قوله: "حتى يجئ حليم فينهاه" وذكر نظائر لهذا النمط من الكلام. مجمع الأمثال ٢/ ٧٢، ٧٣، وانظر أيضًا تاريخ الطبرى ٣/ ٣٤٥.
(٣) هكذا في الأصل، وأمالى المرتضى، والمعتاد فيمن يتعاطى السّمّ أن يقال: "شربه" ولكن قوله فيما سبق "يُقَلّبه فى كفِّه" يدلُّ على أنه مما يؤكل وليس مما يُشْرَب، مع أنه قد قال: "أشربه وأستريح من الحياة" وسيأتى قوله: "أكَلَ سَمّ ساعة". والذى ظهر أن "سَمّ ساعةٍ". هذا كان شيئًا معروفًا عندَهم.
[ ١٢٠ ]
فى صَدرِه طويلًا، ثم عَرِق وأفاق كأنما أُنْشِطَ (^١) مِن عِقال.
فرجع ابن بُقَيْلة إلى قومِه، فقال: جئتكم مِن عندِ شيطان، أكل سَمَّ ساعةٍ فلم يضُرَّه! صانِعُوا القومَ وأخْرِجُوهم عنكم، فإنَّ هذا أمرٌ مصنوعٌ لهم (^٢). فصالَحُوهُم على مائة ألف دِرهم.
عاش عبيدة بن الحارث بن الدُّول (^٣) ثلاثَمائة وستِّين سنة.
عاش إدريسُ النبىُّ -ﷺ- ثلاثَمائةٍ وخمسًا وستّين (^٤).
عاش الرَّبيعُ بن ضَبُع الفَزارِىّ ثلاثَمائة وثمانين (^٥) سنة، منها سِتُّون فى الإسلام.
وكذلك عاش قُسّ بن ساعدة ثلاثمائة وثمانين (^٦).
عاش كَعْب (^٧) بن حُمَمة الدَّوْسىّ ثلاثمائة وتسعين سنة.
* * *
_________________
(١) فى الأصل: "نشط". وأثبته بالألف من أمالى المرتضى. قال ابن الأثير: "فى حديث السِّحر: "فكأنما أُنْشِط من عِقال" أى حُلَّ. . . وكثيرًا ما يجئ فى الرواية: "كأنما نَشِط من عِقال" وليس بصحيح. يقال: نَشطتُ العقدة: إذا عَقَدْتَها، وأنْشطْتُها وانتشطتُها: إذا حَلَلْتَها". النهاية ٥/ ٥٧.
(٢) بحاشية أمالى المرتضى: أى كأن اللهَ صَنَعه لهم.
(٣) انظر جمهرة ابن حزم ص ٢٩٤.
(٤) وهو "أخنوح". المحبَّر ص ٣، وتاريخ الطبرى ١/ ١٧٠، ومروج الذهب ١/ ٣٩، ٤٠، وقصص الأنبياء لابن كثير ١/ ٨٠.
(٥) فى الأصل: "وثلاثين"، وأثبتُّ ما يقتضيه التدرُّج فى الأعمار، وما يقتضيه قوله بعدُ: "وكذلك عاش قُسّ"، على أن "الربيع بن ضَبُع" قد مضى فيمن عاش ٣٤٠ سنة ص ١١٨.
(٦) المعمّرون ص ٨٧ - ٨٩، وحديثه معروف، وقد أشبعتُه تخريجًا فى منال الطالب ص ١٣٦، وزد على ما ذكرتُه هناك: هواتف الجِنّان ص ١٨٥، والبرهان فى وجوه البيان ص ١٩٧، والزُّهَرَة ٢/ ٣١، والفوائد المجموعة ص ٤٩٩ - ٥٠١، ومروج الذهب ١/ ٦٩، ٧٠.
(٧) وهكذا جاء فى كتاب المصنِّف تلقيح فهوم أهل الأثر ص ٤٥١، ولم أجد "كعب بن حُمَمة" هذا فى كتاب، والذى قيل إنه عاش ٣٩٠ سنة إنما هو "عمرو بن حُمَمة" وتقدَّم فى ص ١١٥.
[ ١٢١ ]