لعلَّ ناظِرًا عَجِلًا فى هذا الكتاب على هذا المنهج، يردُّه إلى الطرائف والنَّوادر والمسامرات؛ لأن ابن الجوزى يذكر فيه مثلًا أن سيدَنا رسولَ الله -ﷺ- تُوفِّى فى سنّ الثالثة والسِّتِّين، وهى السِّنّ التى توفّى فيها أبو بكر الصديق وعمر ابن الخطاب وعبد الله بن مسعود، ﵃ أجمعين، وغيرهم من المشاهير (^١).
ويذكر أن الحليفة هارون الرشيد مات فى السابعة والأربعين، وهى السّنّ التى مات فيها ابنه المأمون (^٢).
وهؤلاء إخوةٌ ثلاثة وُلِدُوا فى سنة واحدة، وتُوفُّوا فى سنة واحدة، وهم: يزيد وزياد ومدرك، بنو المهلّب بن أبى صُفرة (^٣).
فهذا كلُّه ممَّا قد يدخل فى باب المسامرة والمذاكرة. ولكنْ ليس الطريقُ هنالك! ففى هذا الكتاب بذلك المنهج فوائد تاريخية، تراها أيها القارئ الفَطِن، إذا أتَيْتَ على الكتاب: قراءةَ بَصَرٍ وتَدَبُّر، ولكنّى أُونِسُكَ بالدَّلالة عل شئٍ منها، ولعلَّك -إن شاء الله- بالغٌ بأناتك مالم أبلُغْه بعَجَلتِى:
أولًا: تصحيح التصحيف، وذلك أنه يشيع فى بعض كُتبنا فيما يتّصل بعُقود الأعداد، الخلطُ بين "السبعين" و"التسعين"، ولذلك يُقيّد بعض المؤلِّفين أو الناسخين الضابطين بالعبارة، بقولهم: "السبعين، بتقديم السّين"، و"التّسعين بتقديم التاء"، ويُهمل ذلك بعضُهم فيقع الخَلطُ بالتصحيف. فذِكْرُ العُقود فى كتابنا هذا وسيلةُ أمانٍ من ذلك التصحيف المأثور. وقد صَحَّح ذلك المنهجُ بعضَ ما رأيته من ذلك فى كتب التراجم (^٤).
_________________
(١) انظر ص ٤١ من الكتاب.
(٢) ص ٣٢، لكنّى علَّقْتُ هناك بأن هذا لا يستقيم بالنسبة للرشيد، فإنهم ذكروا مولده سنة ١٤٨، أو ١٤٩، أو ١٥٠، وأنه توفى سنة ١٩٣، فيكون قد مات دون السابعة والأربعين التى ذكرها المصنّف.
(٣) ص ٣٢، ٣٣.
(٤) انظر تراجم (جبر بن عتيك، وعبد الله بن عمرو، وطاوس بن كيسان، وأبي الحسن المدائني، وأبي سعيد الخدرى، وخَوَّات بن جُبير) صفحات ٤٩، ٥٠، ٥١، ٨٩.
[ ١٤ ]
ثانيًا: بعضُ الأعلام لم يذكر المترجِمُون لهم إلَّا سنةَ وفاتهم، فبِذكْر مَبلَغِ أعمارهم عند وفاتهم عَرفْنا سنةَ ميلادهم. وهذا فى الكتاب كثير.
ثالثًا: بعض الأعلام لم يذكر المترجمون لهم تاريخ مولد أو تاريخ وفاة، فلم يَيْقَ عنهم إلَّا مبلغ عمرهم الذى ذكره المصنّف، ويُترك تحديدُ العصر والزمن لظروف العَلَم المترجَم؛ روايةً وشيوخًا وتلاميذَ (^١).
وفيما وراءَ تلك الفوائد التى يُتيحها لنا منهج الكتاب، نقف عند فوائد أخرى، منها:
أولًا: فى تراجم المُعمِّرين جاءنا ابن الجوزيّ بزيادات لم تأت فى أشهر كتابٍ عن المعمَّرين، وهو كتاب أبي حاتم السِّجستانى (^٢)، بل إنه حكى أشياء عن أبي حاتم ليست فى كتابه المعمّرين المطبوع، ممَّا يُرجِح أن فى هذا المطبوع منه نقصًا.
ثانيًا: ضَبطت النسخة المخطوطة من الكتاب -وهى مقروءة على ابن الجوزى، كما يأتى بيانُ ذلك إن شاء الله- ضَبطتْ بعضَ الأعلام المشتبهة، ممَّا كان سَنَدًا لبعض علماء المُشْتَبِه فيما بعد (^٣).
ثالثًا: لابن الجوزيّ (مَشْيخة) ذكَر فيها شُيوخَه مَرْويّاتِه عنهم، وهى مطبوعةٌ مُتداوَلَة، ولكنه ذكر فى كتابنا هذا ثلاثةً من شيوخه لم يذكرهم فى (مشيخته) وهم: أبو الحسين بن الفراء، وزاهر بن طاهر، وأبو الحسن ابن عبد السلام (^٤). كما أنه أيضًا صَحَّح شيئًا فى تلك (المشيخة) (^٥).
_________________
(١) انظر ترجمة (نصر بن زياد) ص ٨٧، واجتهدتُ فيه اجتهادات أرجو أن تكون صحيحة. وانظر أيضًا ترجمة (الزبير بن حبيب) ص ٥١ وترجمة (أحمد بن جعفر بن حمدان السَّقطى) ص ٩١.
(٢) انظر تراجم (أكثم بن صَيْفى، وأبيه صَيْفى، وأبي وجزة) صفحتى ١٠٦، ١١٢.
(٣) انظر ترجمة (ثُوَب بن تُلْدة) ص ١٠٨، و(مِرْداس بن ضَبْثم) ص ١١١.
(٤) انظر ص ٥٣، ٧٤، ويبدو أنه اكتفى فى (مشيخته) بالأكابر منهم فقط، فقد قال فى ختامها ص ١٩٨: "هذا آخر المشايخ الأكابر، وقد سمعتُ من جماعةٍ غيرهم، ولى إجازات من خلق بطول ذكرهم". ولكنّ هؤلاء المذكورين من الأكابر أيضًا.
(٥) انظر ص ٥٥ تعليق ٧.
[ ١٥ ]
رابعًا: معلومٌ أن ابن الجوزيّ كان من كبار الحنابلة، وهذا سبب ما نراه من عناية ظاهرة بأعمار الحنابلة، وهو ما يُفسِّر لنا أيضًا إغفالَه لأعمار بعض العلماء الأعيان ممّن لهم شُهرةٌ ونباهة، فمِعْيار "الأعيان" عنده -فى غالب الأمر- الحَنبليّة أولًا، ثم يأتى بعض المشاهير الآخرين، فى مناصبهم أو فى علومهم، وعلى ذلك لا نستطيع أن نقول إنه استقصى "الأعيان" بالمعايير العامَّة.
خامسًا: ابن الجوزيّ بغداديّ المولد والوفاة، وهو مشدودُ النظر إلى بغداد، لا يكاد يُديرُ وجهَه عنها، ولذلك يبدو فى كنابه المنتظم -وهو أشهر مصنَّفاته التاريخية- كما يقول الدكتور شاكر مصطفى: "بغداديًّا عراقيًّا، لا إسلاميًّا عالميًّا؛ لأنه يركز جهودَه على تاريخ بغداد بالذات، ذاكرًا فى ختام حوادث كلِّ سنةٍ وفَيات الرجال فيها، وهم بدَوْرِهم بغداديون فى الأغلب" (^١).
فلا عجب إذن أن يكون معظم "أعيانه" فى هذا الكتاب من البغداديّين، فكأنَّ "البغداديّة" هى المعيارُ الثانى عندَه بعد "الحنبلية" ولا نَكِرَةَ -إن شاء الله- فإن حبَّ البلد (^٢)، والعصبيّة للمذهب مما هو مركوزٌ فى الطِّباع.
* * *
_________________
(١) التاريخ العربيّ والمؤرِّخون ٢/ ١٠٨، ١٠٩.
(٢) ممَّا يُسْتأنَسُ به هنا قول بهاء الدين محمد بن إبراهيم بن النحاس المتوفى سنة ٦٩٨، فى مقدمة كتابه هدى مهاة الكلّتين ص ٧٣، ٧٤: "فإن بعض من يعزّ علىَّ جاءني بقصيدة الأديب العالم الفاضل المتقن شهاب الدين محاسن بن إسماعل بن علي بن أحمد بن الحسين بن إبراهيم الحلبى المعروف بالشَّوّاء، تغمَّده الله برحمته، التى جمع فيها بعض ما يقال بالياء والواو، والتمس منّى أن أنبِّه على ما جمعه منها، فنشطنى لذلك جامعُ البَلَديَّة، وأن أومئ إلى مقدار ما اشتمل عليه أهل بلدى من الفضائل، وما امتازوا به من العلوم التى لم يحرِّر مثلها إلَّا أكابر الأوائل".
[ ١٦ ]