هو جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علىّ بن محمد، ينتهى نسبه إلى أبى بكر الصديق ﵁ (^١).
أمَّا "الجوزى" فى نسبته فترجع إلى أحد أجداده الأَعْلَيْن: "جعفر الجوزى".
قيل: نِسبة إلى فُرْضة الجَوْز: موضع مشهور، وقيل: إلى مَشْرَعة الجوز، وهى إحدى محالّ بغداد بالجانب الغربىّ. وقيل: نسبة الى جَوْزةٍ فى داره.
وُلد ابن الجوزى ببغداد، بدرب حبيب، سنة ثمانٍ أو تِسْع أو عشرٍ وخمسمائة. ومات أبوه وله نحو ثلاث سنين، ولمَّا شب وترعرع حملتْه عمَّتُه -وكانت امرأة صالحة- إلى مجلس خاله الحافظ أبى الفضل محمد بن ناصر السَّلامىّ، فاعتنى به وأسمعه الحديث. وأوّل شئ سمع فى سنة ٥١٦، أى وهو فى نحو الثامنة.
قال فى أول مشيخته: "حملنى شيخنا ابن ناصر إلى الأشياخ فى الصغر، وأسمعنى العَوالى، وأثبت سماعاتى كلّها بخطه، وأخذ لى إجازات منهم، فلما فهمت الطلب كنت ألازم من الشيوخ أعلمهم، وأُوثِر من أرباب النقل أفهمهم، فكانت هِمَّتى تجويد العُدَد، لا تكثير العَدَد" (^٢).
ثم مضت حياة ابن الجوزى بين الجِدّ فى الطلب والتحصيل، وبين الإقراء
_________________
(١) لا سبيلَ إلى ذكر ترجمة كاشفة مستوعبة لابن الجوزى بعدَ هذا الفيض من الترجمة له قديمًا وحديثًا. لكنْ لا بدّ عن كلمة تكون تذكرةً وعونًا لطالب العلم المبتدئ. ومن أراد المزيد فعليه بسير أعلام النبلاء ٢١/ ٣٦٥، والمراجع بحاشيتها. ثم مقدمة تحقيق "مشيخة ابن الجوزى" للأستاذ محمد محفوظ.
(٢) مشيخة ابن الجوزى ص ٥٣، نقلًا عن ذيل طبقات الحنابلة ١/ ٤٠١. وانظر فهارس المشيخة ص ٢٦٦، ٢٦٧.
[ ٢٦ ]
والتصنيف، وقد بلغ فيه شأوًا عظيمًا. وقد سبق قول الحافظ الذهبى عنه: "وما علمت أحدًا من العلماء صنَّف ما صنَّف هذا الرجل" ورُوِى أن ابن الجوزى سُئل عن عدد تصانيفه، فقال: "زيادة عن ثلاثمائة وأربعين مصنَّفًا، منها ما هو عشرون مجلدًا، ومنها ما هو كرّاسٌ واحد". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية فى أجوبته المصرية: "كان الشيخ أبو الفرج مفتيًا كثيرَ التصنيف والتأليف. وله مصنَّفات فى أمور كثيرة، حتى عددتُها فرأيتُها أكثرَ من ألف مصنَّف، ورأيت بعد ذلك ما لم أرَه" (^١).
يقول الحافظ الذهبىّ فى وصفه: "الشيخ الإمام العلَّامة، الحافظ المفسِّر، شيخ الإسلام مفخر العراق. . . . وكان رأسًا فى التذكير بلا مُدافَعَة، يقول النَّظمَ الرائق، والنَّثْرَ الفائق بَدِيهًا، ويُسْهِب، ويُعْجِب، ويُطْرِب، ويُطْنِب، لم يأت قبلَه ولا بعدَه مثلُه، فهو حامل لواء الوعظ، والقيِّم بفنُونه، مع الشكل الحسَن، والصوتِ الطيّب، والوقع فى النفوس، وحُسنِ السِّيرة، وكان بحرًا فى التفسير، علَّامةً فى السِّير والتاريخ، موصوفًا بحُسْن الحديث، ومعرفة فُنونه، فقيهًا، عليمًا بالإجماع والاختلاف، جيِّدَ المشاركة فى الطبّ، ذا تَفَتُّنٍ وفهمٍ وذكاءٍ وحفظٍ واستحضار، وإكباب على الجمع والتصنيف، مع التصوُّن والتجمُّل، وحُسن الشارة، ورشاقة العبارة، ولُطف الشمائل، والأوصاف الحميدة، والحرمة الوافرة عند الخاصّ والعامّ، ما عرَفْتُ أحدًا صنَّف ما صنَّف" (^٢).
وقال الموفَّق عبد اللطيف البغدادىّ فى تأليفٍ له: "كان ابن الجوزى لطيفَ الصورة، حلوَ الشمائل، رخيمَ النَّغْمة، موزون الحركات والنغمات، لذيذَ المفاكهة، يحضر مجلسَه مائةُ ألفٍ أو يزيدون، لا يُضيِّع من زمانه شيئًا، يكتبُ فى اليوم أربعَ كراريس، وله فى كلّ عِلم مشارَكة، لكنه كان فى التفسير من
_________________
(١) الذيل على طبقات الحنابلة ١/ ٤١٣، ٤١٥.
(٢) سير أعلام النبلاء ٢١/ ٣٦٥، ٣٦٧.
[ ٢٧ ]
الأعيان، وفى الحديث من الحُفَّاظ، وفى التاريخ من المتوسِّعين، ولديه فقهٌ كافٍ" (^١).
وقد عَلَتْ شهرةُ ابن الجوزى فى الوعظ والتذكير، وقد حضر بعضَ مجالسِه فى الوعظ الرحَّالة ابن جُبَير، المتوفى سنة ٦١٤، وقد وصف مجلسًا من مجالسه فى شهر صفر سنة ٥٨٠، فقال: "ثم شاهدنا صبيحة يوم السبت بعده مجلس الشيخ الفقيه الإمام الأوحد جمال الدين أبى الفضائل بن على الجوزىّ. . . . فشاهَدْنا مجلسَ رجل ليس من عمرٍو ولا زيد، وفى جوف الفراكلُّ الصَّيد، آية الزمان، وقُرَّة عين الإيمان، رئيس الحنبليّة، والمخصوص فى العلوم بالرُّتَب العليّة. . . . ومن أبهر آياته، وأكبر معجزاته، أنه يصعد المنبر، ويبتدئ القُرّاء بالقرآن، وعددُهم نيِّف على العشرين قارئًا، فينتزع الاثنان منهم أو الثلاثة آيةً من القراءة يتلونها على نَسَقٍ بتطريب وتشويق، فإذا فرغوا تلت طائفة أُخرى على عددهم آيةً ثانية، ولا يزالون يتناوبون آياتٍ من سُورٍ مختلفات، إلى أن يتكاملوا قراءة، وقد أتَوْا بآيات مشتبهات، لا يكاد المتّقد الخاطر يحصّلها عددًا، أو يُسمّيها نَسَقًا.
فإذا فرغُوا أخذ هذا الإمام الغريب الشأن فى إيراد خُطبته، عَجِلًا مُبتَدِرًا، وأفرغ فى أصداف الأسماع من ألفاظه دُرَرًا، وانتظم أوائل الآيات المقروءات فى أثناء خُطبته فِقَرًا، وأتى بها كل نَسَق القراءة لها، لا مقدِّمًا ولا مؤخّرًا. ثم أكمل الخطبة على قافيةِ آخِرِ آية منها.
فلو أنَّ أبْدَعَ مَن فى مجلسِه تكلَّف تسمية ما قرأ القُرّاءُ آيةً على الترتيب لَعَجِزَ عن ذلك، فكيف بمَنْ ينتظمها مُرتَجلًا، ويُورد الخُطبةَ الغَرَّاء بها عَجِلًا! ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥] ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل: ١٦]- فحدِّثْ ولا حَرَج عن البحر، وهَيْهات، ليس الخَبَر عنه كالخُبْر.
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ٢١/ ٣٧٧.
[ ٢٨ ]
ثم إنه أتى بعد أن فرغ من خطبته برَقائقَ من الوعظ، وآياتٍ بيِّنات من الذِّكر، طارتْ لها القلوب اشتياقا، وذابت بها الأنفُس احتراقًا، إلى أن علا الضَّجيج، وتَردَّد بشهقاته النَّشيج، وأعلن التائبون بالصِّياح، وتساقطوا عليه تساقطَ الفَراش على المصباح، كلٌّ يُلقِى ناصيتَه بيده فيجزّها، ويَمْسَح على رأسه داعيًا له، ومنهم مَنْ يُغْشَى عليه فيُرفَع فى الأذرُع إليه، فشاهَدْنا هَوْلًا يملأ النفوسَ إنابةً وندامة، ويذكّرها هولَ يوم القيامة" (^١).
وبرغم هذه الشهرة العريضة التى استحقّها ابنُ الجوزى بعِلْمِه ووعظِه وكثرةِ تصانيفه، فإن الحياة لم تَصْفُ، له، وابتُلى بمِحْنتَيْن:
الأولى: أن بعض الرافضة وشى به إلى الخليفة الناصر، وكان الناصر يميل إلى الشِّيعة، ولم يكن له ميلٌ إلى ابن الجوزى، فلَمَّا وَشَوْا به إليه أرسل من شتمه وأهانه وأخذه قَبْضًا باليد، وخَتَم على داره، وشتَّت عيالَه، ثم حُمِل إلى سفينة ونُفِىَ إلى مدينة واسط، فحُبس بها فى بيتٍ حَرِجٍ ضَيّق، وكان فى أثناء ذلك الحَبْس يخدُم نفسه، ويَغْسِلُ ثوبه، ويطبخ، ويستقى الماء من البئر (^٢)، وكانت هذه المحنة من سنة ٥٩٠ إلى سنة ٥٩٥، فكانت غاشيةً من الغواشى أطبقت عليه وهو فى الثمانين من عُمرِه، ولم يَعشْ بعدها سوى عامين.
والمحنة الثانية: كانت فى ولدٍ له يُسَمَّى "عليًّا" أخذ مصنَّفاتِ والدِه وباعها بَيْعَ العَبيد، ولمَن يزيد، ولمَّا أُحْدِر والدُه إلى واسط، تحيَّل على الكُتُب بالليل، وأخذ منها ما أراد، وباعَها ولا بثمن المِداد، وكان أبوه قد هجره منذ سنين، فلما امتُحِن صار حَرْبًا عليه (^٣).
وفى ليلة الجمعة، بينَ العشاءين، الثالث عشر من رمضان سنة ٥٩٧، توفى ابن الجوزى، بعد مَرَضٍ لم يَدُمْ أكثر من خمسة أيام، وكان يوم جنازته
_________________
(١) رحلة ابن جبير ص ١٩٦ - ١٩٨، وذكر له مجلسًا آخر.
(٢) سير أعلام النبلاء ٢١/ ٣٧٦، والذيل على طبقات الحنابلة ١/ ٤٢٦.
(٣) المرجعين السابقين ص ٣٨٤، ٤٣١.
[ ٢٩ ]
يومًا مشهودًا، غُلِّقت الأسواق، وازدحم الخلق ازدحامًا شديدًا، وكان يومًا قائظًا من أيام تَمُّوز (يوليو) فأفْطر خَلْقٌ، ورَمَوْا أنفُسَهم فى الماء، وحزن الناسُ عليه حُزنًا شديدًا، وَبَكَوْا عليه بكاءً كثيرًا. ﵀ ورضى عنه.
* * *
[ ٣٠ ]
صور مخطوط الكتاب
[ ٣١ ]
صورة الورقة الأولى من المخطوطة. وهى مقدمة المؤلف
[ ٣٣ ]
صورة صفحة العنوان وفيها صورة السَّماع على المؤتلف وخَطّه. وعبارته "هذا صحيح وكتب عبد الرحمن بن على بن محمد بن الجوزى"
[ ٣٤ ]
صورة آخر المخطوطة. وفيها تاريخ النَّسخ والسَّماع
[ ٣٥ ]
لابن الجوزى جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد
(٥١٠ هـ - ٥٩٧ هـ)
تحقيق
الدكتور محمود محمد الطناحي
[ ١ ]
صف وطبع هذا الكتاب بمكتبة ومطبعة الخانجي ص. ب: ١٣٧٥ بالقاهرة
الطبعة الأولى: ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م
رقم الإيداع ٦٥١/ ٩٤
الترقيم الدولى I.S.B.N
٤ - ٠٩٥ - ٥٠٥ - ٩٧٧
[ ٢ ]
كتاب أعمار الأعيان
تأليف شيخنا الإمام العالم الأوحد الصَّدر الكبير جمال الدين شرف الإسلام إمام العلماء، وسيد ورثة الأنبياء أبى الفرج عبد الرحمن بن على بن محمد ابن الجوزىّ مدَّ الله فى عمره.
سماعٌ منه لصاحبه محمد بن عمر بن أبى بكر بن عبد الله المقدسىّ، نفعه الله به وبالعلم آمين ربَّ العالمين.
سمع جميع كتاب أعمار الأعيان على مؤلّفه جمال الدين أبى الفرج عبد الرحمن بن على بن محمد بن الجوزى، مدَّ الله فى عمره بقراءة عبد الوهاب ابن معالى بن وشاح، وهذا خَطُّه، صاحبُه الفقيهُ الإمام العالم الأوحد نجم الدين أبو عبد الله محمد بن عمر بن أبى بكر، وأبو الطائف أحمد بن عمر بن محمد ابن قدامة المقدسيّان، والفقيهُ الإمام العالم الصدر الكبير نجم الدين أبو محمد عبد المنعم بن على بن نصر بن منصور بن الصقال الحَرّانى. وذلك فى مجلس واحد، فى ثامن عشر شوّال سنة خمس وثمانين وخمسمائة، بمحروسة بغداد، بدار الشيخ الشاطيّة. وصَحَّ وثَبَت. ونقلتُ هذا السماعَ عن نسختى فى سلخ شهر رمضان سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة.
هذا صحيح وكتب عبد الرحمن بن علىّ بن محمد بن الجوزىّ.
* * *
[ ٣ ]