بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الأول بلا ابتداء، الآخِر بلا انتهاء. والصلاة والسلام على المصطفى المختار، خاتم الأنبياء وسيّد المرسلين. اللهمّ صلّ وسلّم وبارك عليه وعلى أبويه الكريمين إبراهيم وإسماعيل، ثم على إخوانه المُصْطَفَيْنَ الأخيار، وآله الأطهار، وصحابته الأبرار، وعلى كل من دعى بدعوته واهتدى بهديه إلى يوم الدِّين والجزاء.
ربَّنا تقَبَّلْ منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا إنك أنت التواب الرحيم، وارحم اللهمَّ آباءَنا وأمهاتِنا ومشايِخَنا وأستاذينا وأستاذَ أستاذينا، وكلَّ من له حقٌّ علينا.
ثم أمَّا بعد:
فإن علم التاريخ عند المسلمين من العلوم الضَّخمة، ويُوشك هذا العلم أن يكون نصفَ المكتبة العربية. وانظر علمَ قوائم الكتب (الببليوجرافيا العربية) مثل الفهرست لابن النديم، ومفتاح السعادة لطاش كبري زاده، وكشف الظنون للحاجّ خليفة، وذيله: إيضاح المكنون لإسماعيل البغدادي، وانظر ما يصنعه العلماء لأنفُسهم من المعاجم والفهارس والمشيخات والأثبات والبرامج.
ثم انظر من المصنَّفات الحديثة في هذا العلم -علم قوائم الكتب- اكتفاء القنوع بما هو مطبوع، لإدوارد فنديك، ومعجم المطبوعات العربية والمعرَّبة، ليوسف إليان سركيس، وخزائن الكتب العربية في الخافقين للفيكونت فيليب دى طَرَّازي، وتاريخ الأدب العربي للمستشرق الألماني كارل بروكلمان، وتاريخ التراث العربي للدكتور محمد فؤاد سزجين.
ثم انظر في فهارس المكتبات العامة الكبرى الموزَّعة على الفنون. بل ادخلْ
[ ١ ]
مكتبة من المكتبات الخاصّة التي يُعْنَي أصحابها بجَمْع الكُتُب: وسترى في ذلك كلّه غلبةً ظاهرة لعلم التاريخ (^١).
وتفسير هذا أن علم التاريخ عند المسلمين ليس هو فقط تلك الكُتُب الحَوْلِيّة، مثل تواريخ الطبري وابن الأثير وابن كثير، أو كُتُب الأحداث العامة، مثل مروج الذهب، والتنبيه والإشراف للمسعودي، وإنما يدخل فيه، بل يمثل الجانبَ الأكبَر منه "فن التراجم"، وهو بحرٌ خِضَمٌّ.
على أنَّ "فن التراجم" عند المؤرِّخين المسلمين لا يُعْنَى فقط بذِكْر أحوال المترجَم: مولدًا ووفاةً، وشيوخًا وتلاميذَ، وعِلمًا وتصنيفًا، بل إنه غالبًا -وبخاصة في الموسوعات- يمتدّ ليشمل الحوادثَ والأحداث العامّة التي يكون العَلَمُ المترجَم قد شارك فيها، أو عاصَرَها، أو كان منها، أو كانت منه بسَبَب، بل إن بعض مصنِّفي كتب التراجم يعرض للحوادث والأحداث بدواعي الاستطراد ليس غيرُ، والاستطراد سِمةٌ من سِمات التأليف عند كثير من علمائنا ومؤرِّخِينا.
وعلى سبيل المثال فإن كتابًا مثل "طبقات الشافعية الكبرى" لتاج الدين ابن السُّبكي يضعه مصنِّفو العلوم في فنّ التراجم والطبقات، إذ كان مؤلفه قد أقامه على تراجم الفقهاء الشافعية منذ إمامهم محمد بن إدريس الشافعي في أوائل القرن الثالث، إلى منتصف القرن الثامن، ولكنّ النظر الصحيح يضعه في المكتبة العربية كلها، إذ كان مؤلّفه قد أداره على علوم كثيرة، بعد أن يفرغ من ترجمة الرجل على رسمها المعروف، ثم كان لأحداث التاريخ عنده النصيبُ الأوفي، فأنت تجد عنده أحاديث ضافية عن كائنة التَّتار، وقصَّة جنكيز خان وحفيده هولاكو، وعن حادثة الصَّليبيين (^٢). وقُلْ مثل هذا في كثير من موسوعات كتب التراجم، مثل وفيات الأعيان لابن خلّكان، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ونفح الطيب للمقّري.
_________________
(١) تأمَّل على سبيل المثال فهارس دار الكُتُب المصرية، وفهارس معهد المخطوطات.
(٢) انظر الطبقات ١/ ٣٢٨ - ٣٤٣، ٧/ ٣٤٤ - ٣٦٩، ٨/ ٢٦٨ - ٢٧٧.
[ ٢ ]
ولقد تَفَنَّن المؤرِّخون المسلمون في كُتُب التراجم تَفنُّنًا عجيبًا، وأخذت تصانيفهم في هذا الفنّ طرائق شتي، فبعد كتاباتهم الأولى في السِّيرة النبويّة والمغازي، جاءت تصانيفُهم مُوزَّعةً مفرَّقةً على تراجم الصحابة والتابعين، والقُرَّاء والمفسِّرين، والمحدِّثين والرُّواة، وفقهاء المذاهب الأربعة، والأصوليّين، والشيعة والمعتزلة، والزُّهَّاد والصُّوفية، والوعَّاظ والقُصَّاص والمذكِّرين، والأدباء والشعراء، واللغويّين والنُّحاة، والأطبّاء والحكماء والفلاسفة، والقضاة، والخلفاء والوزراء، والمؤرِّخين والنَّسّابين، وتراجم النساء.
ثم يأتيك هذا الفنُّ أيضًا في التراجم على البُلدان، مثل أخبار مكة والمدينة والقدس، ومصر واليمن وبغداد والموصل والشام وجرجان وأصبهان وإربل وواسط، والمغرب والأندلس، والكُتُب في هذين فيضٌ زاخر.
وكذلك في التراجم على القُرُون: كالدُّرَر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، لابن حجر العَسْقلاني، والضوء اللامع لأهل القرن التاسع، لشمس الدين السَّخاوي، وما جاء بعد ذلك إلى القرن الرابع عشر (^١).
ثم تأتي التراجم العامّة -وهي كتب التاريخ عند بعض الناس ممَّن ليس عندهم كبيرُ عِلم، يظنّون أنها كتُبُ التاريخ، ولا كُتبَ للتاريخ غيرها- وهذه التراجم العامة على قسمين:
أ - التراجم المرتَّبة على السِّنين، وذلك في كتب التاريخ المعروفة بالحَوْليّات، كتاريخ الأمم والملوك للطبرى، والكامل لعز الدين بن الأثير، والمختصر في أخبار البشر، لأبي الفداء الملك المؤيّد، صاحب حماة، والعِبَر في خبر من عَبر للذهبيّ، والسُّلُوك للمقريزي، والنجوم الزاهرة لابن تَغْرِي بَرْدي، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي.
_________________
(١) انظر هذه السِّلسلة من التراجم على القُرون في كتابي: الموجز في مراجع التراجم ص ٧٤، وانظر كتب التاريخ بمناهجها المختلفة في الوافي بالوفيات ١/ ٤٧، وما بعدها.
[ ٣ ]
ب - التراجم المرتبة على الأسماء. ومن أبرزها: وفيات (^١) الأعيان لابن خَلّكان، وفوات الوَفَيات لابن شاكر الكتبي، والوافي بالوفيات للصفدي، وسير أعلام النبلاء للذهبي (^٢).
ثم تأتيك التراجمُ أيضًا في كُتُب أنساب العرب، مثل مختلف القبائل ومؤتلفها لابن حبيب، والاشتقاق لابن دريد، والإيناس بعلم الأنساب للوزير المغربي، وجمهرة أنساب العرب لابن حزم، وعُجالة المبتدي وفُضالة المنتهى في النسب لأبي بكر الحازمي.
وفي كُتُب الأنساب بوَجْهٍ عام (^٣): إلى قبيلة، أو بلد، أو صناعة،
_________________
(١) كتاب ابن خلكان هذا يذكِّرُنا بتلك الكُتُب التي قامت على الوَفَيات بمفهومٍ آخر، وأذكر منها هنا: وفيات المصريِّين في العهد الفاطمي لأبي إسحاق بن الحَبَّال المتوفى سنة ٤٨٢، والوفيات لأبي مسعود الأصبهاني المتوفي سنة ٥٦٦، والتكملة لوَفَيات النّقَلَة للحافظ المنذري المتوفي سنة ٦٥٦، ووفيات ابن قُنْفُذ المتوفى سنة ٨١٠. والفرق بين هذه الكُتُب وبين وفيات ابن خَلّكان أن هذا نَزَّل أسماء الأعيان في "وَفَياته" على منازلهم من الترتيب على حروف المعجم، وكذلك صنع ابن شاكر والصَّفدى اللذان حمل كتابهما نفس عنوان ابن خلّكان. أمَّا الوَفَيات المذكورة فقد قامت أساسًا على الوَفَيات، فتذكر السنةَ وتحتها أسماء من تُوُفُّوا فيها، أو تذكر الأعلام المترجمين بتسلسل سِني وفياتهم. وللمؤرخين المسلمين في هذا اللون من التأليف -الوَفَيات- جهودٌ ضخمة، تراها وترى الكلام على مناهجها في كتاب صديقي الدكتور بشار عواد معروف (المنذري وكتابه التكملة) ص ١٩٩ وما بعدها.
(٢) وهذا الحافظ الذهبي مؤرِّخ الإسلام، ركنٌ باذخ من أركان التاريخ الإسلامي، وكتاباته في هذا العلم رحبةٌ واسعة، ويأتي على رأسها كتابان: أولهما تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام. وقد تناول فيه تاريخ الإسلام من بدء الهجرة النبوية حتى سنة ٧٠٠، فجَمَع مادّة ضخمةً في نطاقه الزمانيّ الممتدّ عبر سبعة قرون كاملة، وفي نطاقه المكاني الشامل لجميع الرقعة الواسعة التي امتدّ إليها الإسلام من الأندلس غربًا إلى أقصى المشرق. ويُعَدّ هذا الكتاب من أجمع كُتُب التراجم، إذ تُقَدَّرُ تراجِمُه بأربعين ألف ترجمة. انظر كتاب صديقي الدكتور بشار عواد معروف -أحسن الله إليه- (الذهبي ومنهجه في كتابة التاريخ الإسلامي). والكتاب الثاني: هو سير أعلام النبلاء. وهو مطبوعٌ متداول، في خمسة وعشرين مجلدًا، منها مجلَّدان للفهارس. وهو كتاب تاريخ وعِلْم وحضارة.
(٣) انظر وجوه الأنساب في أعلام الحديث للخطابي ص ١٧٥٩، والوافي بالوفيات ١/ ٢٢، ٢٣.
[ ٤ ]
أو مذهب، أو شيخ. ومن هذه الكُتُب: الأنساب لأبي سعد السمعاني، والتراجم في هذا الكتاب غنيَّةٌ جدًّا، واللُّباب في تهذيب الأنساب لعز الدين بن الأثير، ولُبّ اللُّباب في تحرير الأنساب للسّيوطي.
وفي كُتُب ضَبْط الأعلام والكُنَى والألقاب والأنساب، مثل المبهج في تفسير أسماء شعراء الحماسة لابن جني، والإكمال في رفع الارتياب عن المختلف والمؤتلف من الأسماء والكنى والأنساب للأمير ابن ماكولا، وتكملة الإكمال لابن نقطة البغدادي الحنبلي، والمشتبه في الأسماء والأنساب والكنى والألقاب للذهبي، وتبصير المنتبه بتحرير المشتبه لابن حجر العسقلاني.
وفي كُتُب البلدان (الجغرافيا العربية) مثل معجم ما استعجم للبكري، ومعجم البلدان لياقوت الحموي، والروض المعطار في خبر الأقطار للحميري.
وتأتيك التراجم أيضًا في علم قوائم الكُتُب (الببليوجرافيا العربية) مثل الفهرست لابن النديم، ومفتاح السعادة ومصباح دار السيادة لطاش كبري زاده، وكشف الظنون للحاج خليفة - وقد أشرت إلى ذلك في صدر هذه التقدمة.
ومن هذا الفن فرعٌ مهم جدًّا، وهو ما يعرف بالمعاجم والفهارس والمشيخات والأثبات والبرامج، وهو لون من التأليف يجمع بين الشيوخ والكتب، فقد جرى كثير من العلماء على أن يصنع لنفسه معجمًا أو فهرسًا أو مشيخة أو ثَبتًا أو برنامجًا، يذكر فيه شيوخَه الذين أخذ عنهم العِلم، والكُتُب التي سمعها منهم، مُسْنَدَةً إلى مؤلِّفيها (^١).
ثم تأتي التراجم أيضًا في ذلك اللون من التأليف الذي يُديرُه المصنِّفون حول عَلَمٍ واحد أو اثنين أو ثلاثة، ثم يستطردون من ذلك إلى تراجم أخرى بالتَّبعيَّة أو المناسبة، كما ترى في: مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه أبي يوسف ومحمد بن الحسن، للذهبي، ومناقب الشافعيّ للبيهقي، ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي، والانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمّة الفقهاء: مالك والشافعيّ وأبي
_________________
(١) انظر تفصيلًا أكثر عن هذه الكُتُب في كتابي: الموجز ص ١٠١ - ١٠٥.
[ ٥ ]
حنيفة، لابن عبد البرّ، وتبيين كذب المفترى فيما نُسِبَ إلى الإمام أبي الحسن الأشعري لابن عساكر، وسيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم، وسيرة عمر أيضًا لابن الجوزي، والمصباح المضيء في خلافة المستضيء (^١) لابن الجوزي، ومحاسن المساعي في مناقب الإمام أبي عمرو الأوزاعي، لأحد رجال القرن التاسع، كما ذكر محقِّقه وناشره الأمير شكيب أرسلان، في آخره.
وتأتيك التراجم أيضًا فيما يُسمّى بكتُب الحضارة الإسلامية، مثل المعارف لابن قتيبة، والمحبَّر والمنمَّق، كلاهما لابن حبيب، ومروج الذهب والتنبيه والإشراف، كلاهما للمسعودي، ولطائف المعارف للثعالبي.
وهناك باب عظيم أيضًا من باب التراجم، هو ما يُعْرَف بالسُّؤالات، مثل سؤالات أبي عبيد الآجُرِّيّ: أبا داود السِّجستاني، وسؤالات عثمان بن سعيد الدارمي: يحيى بنَ معِين، وسؤالات أبي عبد الرحمن السُّلميّ: الدارقطنيّ، وسؤالات الحافظ السِّلَفيّ: خَمِيسًا الحَوْزيّ، عن جماعةٍ من أهل واسط (^٢).
وواضحٌ أن هذه السُّؤالات تدور حولَ علم الرجال -وهو علم الجرح والتعديل- لكنها مع ذلك اشتملت على تراجم لغير المحدِّثين، ثم تضمَّنت فوائد جليلة في التاريخ وغيره، كما ترى مثلًا في سؤالات الحافظ السِّلَفيّ المذكورة (^٣).
* * *
ومن وراء ذلك كلّه: فإن التراجم تأتيك في غير مَظانِّها -وهو بابٌ طويلٌ جدًّا- حَسْبى أن أشير إلى شيءٍ منه هنا، رغبةً في إفادة طالب العِلم
_________________
(١) فهذا وإن كان ظاهره أنه في مناقب الخليفة العباسيّ المستضيء، فإنه ليس خالصًا له، وإنما استطرد ابن الجوزي فيه إلى تراجم كثيرة للصحابة وللخلفاء العباسيين، مع عناية ظاهرة بالوعظ والتذكير، يقدمها ابن الجوزي للسلطان أو للحاكم لكي يستضيء بها في معالجة الأحوال السياسية والاجتماعية، كما ذكرت محققة الكتاب الدكتورة ناجية عبد الله إبراهيم.
(٢) انظر شيئًا عن هذه السؤالات في مقدمة تحقيق سؤالات أبي عبيد الآجُرِّيّ ص ٦٠.
(٣) انظر مقدمة محقِّقها ص ٢٥، وانظر شيئًا من الفوائد في السؤالات نفسها ص ٢٤.
[ ٦ ]
الشَّادِي المبتديء، أمَّا أهل العلم وخاصَّتُه فهم أقْدرُ مني على ذلك وأبْصَرُ.
ثم إني أريد أيضًا أن أؤكد على أن المكتبة العربية كتابٌ واحد، وأن العلوم يحتاج بعضها إلى بعض، وأنه لا يُغْنِي كتابٌ عن كتاب:
معلومٌ أن تراجم الصحابة تُلْتَمَس من كُتُبها: الطبقات الكبرى لابن سعد، والاستيعاب لابن عبد البرّ، وأسد الغابة لعز الدين بن الأثير، والإصابة لابن حَجَر. ولكنك إذا أردت ترجمة صحابيٍّ على نحوٍ كاملٍ مُسْتَوْعِب، فلابدّ لك من النظر في كُتُبٍ أخرى، منها دواوين السُّنَّة: صِحاحُها ومسانيدها، فقد أفرد أصحابُ السُّنَن في دواوينهم كُتُبًا وأبوابًا تُسمّى: المناقب أو الفضائل، ويسميها الحاكم النيسابوري في المُسْتَدْرَك: معرفة الصحابة. ولا غنى لك أيضًا عن النظر في كتاب هَدْي السَّاري مقدمة فتح الباري، فقد أفرد فيه ابن حجر مكانًا ضخمًا لتراجم الصحابة والتابعين، ولا تقل إنه سيُكرِّر في كتابه هذا ما ذكره في كتبه الأخرى، مثل الإصابة وتهذيب التهذيب، لا تقل هذا؛ لأنَّ في كلِّ كتاب من الفوائد ما ليس في الآخر (^١).
ومن باب التماس التراجم من غير مَظَانِّها: ما تراه من تراجم اللغويين والنحاة الأوائل في مقدمة معجم تهذيب اللغة للأزهريّ، وفي كتاب المزهر في علوم اللغة للسُّيوطي، وما نثره العلَّامة عبد القادر بن عمر البغدادي في موسوعاته الكبرى: خزانة الأدب، وشرح أبيات مغني اللبيب، وحاشيته على شرح بانت سعاد لابن هشام، وشرحه على شواهد شرح التحفة الوَرْدية. وباب التراجم عند البغداديّ باب واسع جدًّا، لأن مكتبته كانت ضخمة جدًّا.
وقُلْ مثل هذا في كتاب المرتضى الزَّبيدي، الضخم "تاج العروس من جواهر القاموس" ففي هذا الكتاب أنسابٌ وتراجم كثيرة جدًّا، وبخاصة ما يتَّصل
_________________
(١) انظر على سبيل المثال ترجمة "عكرمة مولى ابن عباس" في تهذيب التهذيب ٧/ ٢٦٣، وفي هدى السَّاري ص ٤٢٥، وتأمّل الفرق بين مساق الترجمة في الكتابين.
[ ٧ ]
بالمتأخرين، وعلى ذِكر اللغويِّين والنحاة، فإن أوسع ترجمة وأشملها لواضع النحو أبي الأسود الدُّؤليّ، تراها في كتاب الأغاني (^١).
وكذلك تجد أجود ترجمة وأحسن كلام عن أبي سعيد السِّيرافي النحويّ الكبير في كتاب الإمتاع والمؤانسة، لأبي حيَّان التوحيديّ، وكان هذا شديدَ الإعظام لأبي سعيد، والتَّوقير له (^٢).
وتنتثر التراجم أيضًا في معارف القوم وعلومهم: ففي موسوعات التفسير والحديث والفقه وأصوله وعلم الكلام، وكتب الأدب واللغة وشروح الشعر، وسائر فروع العلم، استطرادات مهمة في تراجم الرجال.
وأريد أن أذكِّر بما قلتُه في صدر هذه الكلمة الموجزة، من أن علم التاريخ الإسلامي بمعنى الحوادث والأحداث قد اختلط بعِلم التراجم والطبقات، كما أن هذا العلم اختلط أيضًا بكتب التاريخ القائمة أساسًا على الحوادث والأحداث، دخل كلٌّ منهما في نَسيج الآخر والتحم به، بل إن علومنا كلَّها يجذبُ بعضُها بعضًا، على نحو ما قال سفيان بن عُيَيْنَة: "كلامُ العرب بعضُه يأخذ برقاب بعض" (^٣).
إن علم التاريخ عند المسلمين ليس كعلم التاريخ عند الأمم الأخرى: أحداثًا وَتَقَلُّباتِ أيامٍ ودُوَلٍ فقط، إن كُتُب التاريخ عندنا هي مَجْلَي حضارتنا وثقافتنا العربية والإسلاميّة كلّها:
_________________
(١) فقد جاءت الترجمة في ٣٨ صفحة من القطع الكبير، وذلك في الجزء الثاني عشر، من ص ٢٩٧ - ٣٣٤، والعلّةُ في ذلك واضحة، وهي جامعة "التَّشيُّع" التي تجمع بين أبي الأسود وأبي الفرج، ولكنّ أبا الفرج أفادنا فوائد جيّدة في ترجمة أبي الأسود. وأُنَبِّه هنا إلى أن الصَّفَديّ قد اعتبر "كتاب الأغاني" من مصادر كُتُب التاريخ، ووضعه في قائمة "التواريخ الجامعة" كتاريخ الطبري وما إليه، انظر الوافي بالوفيات ١/ ٥٠.
(٢) الإمتاع والمؤانسة ١/ ١٠٨، وما بعدها، ثم انظر مواضع أخرى من فهارس الأعلام للكتاب. وانظر أيضًا فهارس الأعلام من كتاب البصائر والذخائر ١٠/ ٤٢، وفهارس الأعلام من الصداقة والصديق ص ٤٧٥، ومن مثالب الوزيرين ص ٣٧٠، ومن المقابسات ص ٣٩٠، ٣٩١.
(٣) الأغاني ١٨/ ١٧٠ (أخبار ابن مناذر).
[ ٨ ]
إن علماءَ الحديث يُخَرِّجون أحاديثهم من "تاريخ بغداد" للخطيب البغداديّ، وأهلَ الأدب يجمعون أشعار الشعراء من "تاريخ دمشق" لابن عساكر، وكذلك يجمعون الشِّعر من كُتُب الجغرافيا العربية: معجم ما استعجم للبكري، ومعجم البلدان لياقوت الحموي، والروض المعطار للحميري، كما جمعوا منها التراجم من قبل.
بل إن اللغة والشعر يُجمعان من كُتُب النبات وكُتُب الهيئة، كالذي تراه في كتاب النبات لأبي حنيفة الدَّيْنَورِيّ، وكتاب الأزمنة والأمكنة للمرزوقي. والحديث في هذا ونحوه مما يطُولُ جدًّا.
* * *
وهذا الذي ذكرتُه على سبيل الوَجازة والاختصار -وقد فاتني منه الكثير- يدلُّك، إن شاء الله، على اتِّساع دائرة علم التاريخ عند المسلمين: أحداثًا وتراجمَ، ولعلَّه يُزَهِّدُكَ في تلك الدعوة التي تُثار بين الحِين والآخر: وهي دعوة (إعادة كتابة التاريخ الإسلامي) على ما يرى بعضُهم مِن نَبْذ الكتاب القديم، بعد استخلاص مُجْملِهِ، وتخليصه من الشوائب التي فيه، ثم تقديمه بلغة العصر. وذلك كلُّه مَرْكَبٌ صَعْبٌ وطريقٌ مَخُوف، وهو ما يَخْبِطُ الناسُ فيه خَبْطًا شديدًا، وليس هنا موضع الردّ على هذه القضيّة، لكن لا بأْسَ من التذكير ببعض الأمور:
أولًا: إذا ثَبت عندك اتِّسَاعُ دائرة التاريخ الإسلامي، فإن من يُحاول إعادة كتابة ذلك التاريخ لابدَّ أن يكون على معرفة بمراجع التاريخ الإسلاميّ بفَرْعَيْه: الأحداث والتَّراجم، ثم ما يتناثر منه في تضاعيف الفُنون الأخرى، كما حدَّثْتُك قربيًا.
ثانيًا: اللغة هي الباب الأول في ثقافة أيّ أمَّةٍ من الأمم، فواجبٌ على من يتصدّى لإعادة كتابة التاريخ الإسلامي أن يكون متضلِّعًا -أو على الأقلّ
[ ٩ ]
عارفًا- من اللغة: مألوفها وغريبها، ونحوِها وصَرْفِها (^١)، ثم التنبُّه للأعراف اللغوية لكل عَصر من العُصور (^٢).
ثالثًا: إن من يعيد كتابة تاريخ من تواريخ السابقين، أو يحاول اختصار كتابٍ في علمٍ من العلوم، أو تهذيبَه، لابد أن يكون في عِلم صاحب الكتاب الأصلي، أو على درجةٍ مقارِبةٍ له، لأن المُعِيدَ أو المختصِر أو المهذِّب حينئذ يكون سميعًا بصيرًا، يعرف ماذا يأخذُ وماذا يدَع، ولذلك قَبِل أهلُ العِلم "مختصر صحيح مسلم" للحافظ المنذريّ، ومختصر "تفسير الطبريّ"، لأبي يحيى محمد ابن صُمادِح التُّجِيبِي، وتهذيب "أنساب السَّمعاني" وهو المسمَّى اللباب، لعز الدين بن الأثير، و"مختصر الأغاني" و"مختصر تاريخ دمشق" لابن عساكر، كلاهما لابن منظور صاحب "لسان العرب". وفي عصرنا الحديث قَبِلْنا "تهذيب الأغاني" للشيخ محمد الخضري، و"تهذيب سيرة ابن هشام" وتهذيب "الحيوان" للجاحظ، كلاهما لأستاذنا العلَّامة عبد السلام محمد هارون، برَّدَ اللهُ مَضْجَعَه.
رابعًا: إن الخدمة الحقيقية لتاريخنا إنما تكون بإعادة تحقيقه ونَشْره وَفْقَ
_________________
(١) ليس على سبيل الإتقان والإحاطة، فهذا غير وارِدٍ وغير ممكن، ولكن على سبيل المعرفة التي تعصِم من الأخطاء الشَّنيعة البَلْقاء. يقول الحافظ المِزِّيّ في مقدمة كتابه تهذيب الكمال في أسماء الرجال ص ١٥٦: "وينبغي للناظر في كتابنا هذا أن يكون قد حَصَّل طَرَفًا صالحًا من علم العربية: نحوها ولغتِها وتصريفِها، ومِن علم الأصول والفُروع، ومن علم الحديث والتواريخ وأيَّامِ الناس". وانظر شروط المؤرِّخ في الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ ص ١١٤، وما بعدها، وطبقات الشافعية الكبرى ٢/ ٢٣، وما بعدها، والوافي بالوفيات ١/ ٤٦.
(٢) تظهر المحنة في هذا الأمر واضحةً جليّة عند من يتصَدَّوْن للتاريخ المملوكيّ، وهو زاخر بالأعراف اللغوية والمصطلحات غير المألوفة إلَّا لمن جمع مراجع ذلك العصر: لغةً وأدبًا وتاريخًا، وعندى من ذلك أمثلة كثيرة، إذ كنت في بداياتي العلميّة أيامَ نَسْخ المخطوطات والعمل مع المستشرقين على صلة بذلك الأمر، وقد أشرت إلى شيء من ذلك في كتاب مدخل إلى التاريخ نشر التراث العربي ص ٢٢٧.
[ ١٠ ]
الأصول العلميّة الصحيحة، ثم فهرسته الفهرسة العلمية الفنّيّة، ولست أعنى مجرَّد تلك الفهارس التقليدية المألوفة، مثل فهارس الأعلام والقبائل والمواضع والشواهد، وإنما أريد -إلى جانب ذلك- فهارس العلوم والفنون المختلفة وحوادث الأيام، المبثوثة فى ثنايا الكتاب المحقَّق، بضمّ النَّظير إلى النَّظير، وقَرْن الشَّبيه إلى الشَّبيه، وستكون هذه الفهارس الفَنّيّة الكاشفة عُدَّةً وعَوْنًا للدراسات والبحوث التى لا تقوم إلَّا على النصّ الموثَّق المحرَّر.
أما ما يُقال عن غَرْبلة التاريخ الإسلامىّ، وتصفيته من الأخطاء والأوهام، وتخليصه من محاباة الحُكَّام والملوك، وتنقيته من مظاهر الإسراف والمُبالَغات، ثم يُقال لك مِن أنَّ ماضيَنا غارقٌ فى الظُّلمات: فكلُّ أولئك من الكلام الذى يُرْسَلُ إرسالًا، لِتُملأَ به مجالسُ السَّمَر، ويُتَّخَذ سبيلًا لادّعاء العِلم .. ولذلك وأشباهِه حديثٌ آخَر.
[ ١١ ]