بسم الله الرحمن الرحيم
ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلَّا بالله العلىِّ العظيم
الحمدُ لله خالقِ خَلْقِه بالقُدرة مِن تُراب، ومُقلِّبِهم بالحكمة فى البُطون والأصلاب، وقاسمِ أرزاقهم وآجالهم، فالكلُّ يجرى بحِساب، فمنهم ضيّقُ الرزق مع حِذْقِه بالأسباب، ومنهم مُوَسَّعٌ عليه ولم يُوغِلْ فى اكتساب.
ومنهم مُسْتَلَبٌ فى الطُّفولة، ومنهم مأخوذٌ فى الشَّباب.
ومنم من يموت كهْلًا حينَ يُقال: قدْ شاب.
ومنهم منفردٌ بالتعمير الطَّويل عن الأقران والأتْراب.
قِسْمةٌ قضتْ بها الإرادةُ، لا تغيير لها ولا انقِلاب.
﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ (^١).
أحْمَدُه حَمْدَ مُوقِنٍ بالأجْر على الحَمْدِ والثَّواب.
وأصلّى على رسوله محمدٍ أشرفِ رجلٍ مَشَى راجلًا، أو ثَنَى رِجلًا فى رِكاب.
وعلَى جميع أتباعه على شَريعته والأصحاب، صلاةً يَعُمُّ نفعُها فى الدُّنيا ويومَ المآب.
* * *
_________________
(١) سورة فاطر: ١١.
[ ٥ ]
هذا كتابٌ ذكرتُ فيه أعمارَ الأعيان، فإنَّ مَن رأى كبيرَ القَدْر قد مات صغيرَ السِّنّ، أفاده ذلك ثلاثَ فوائدَ:
إحداها: شُكْرُ اللهِ تعالى، إذ أنْعَم عليه بالزِّيادة.
والثانيةُ: الانتباهُ للتأهُّب والتَّزوُّد خَوْفَ الاستِلاب.
والثالثة: التَّسَلِّى عندَ نُزُولِ الموتِ به.
ومَن رأى طاعِنًا فى العُمْر استفاد قُوَّةَ أملٍ للَبَقَاء، وبذلك تَقْوَى (^١) النَّفْس، فلا تيأسُ مِن بُلُوغ ذلك المَدَى.
وربَّما قال قائلٌ: فالممدوحُ قِصَرُ الأَملِ.
فالجوابُ: أنَّ الحازِمَ لا يُعَوِّلُ على الأَمل، كيف وقد قال رسولُ الله صلَّى الله عليه (^٢): "وَعُدَّ نَفْسَكَ مِن أهلِ القُبُورِ" (^٣)، وقال ابن عُمَر: "إذا أصْبَحْتَ فلا تُحدِّثْ نَفْسَكَ بالمساءِ" (^٤)
_________________
(١) فى الأصل: "يُقوى" بالياء التحتية المضمومة قبل القاف.
(٢) هكذا بدون "وسلّم" وهى طريقة لبعض الأقدمين، يكتفون بالصلاة فقط دون التسليم، وقد رأيتها فى أسلوب الشافعىّ، والحربىّ، وابن سَلَّام، والخطَّابىّ، والهروىّ، والخطيب البغدادىّ. وقد علقت على ذلك فى حواشى أمالى ابن الشجرى ٣/ ١٨٦، ويقع هذا أيضًا فى سَنَد الحديث: انظر على سبيل المثال: الزهد لابن المبارك ص ٢٦٧ - ٢٧١، لكنّ الإمام النّووىّ يقول: "ويُكره الاقتصارُ على الصلاة أو التسليم" تدريب الراوى ٢/ ٧٦، وحكاه عنه الحافظ ابن كثير فى تفسيره ٨/ ٤٦٩ (سورة الأحزاب).
(٣) هذا من حديث ابن عمر ﵄، قال: "أخَذ رسولُ الله -ﷺ- ببعض جَسَدى، فقال: كن فى الدُّنيا كأنك غريبٌ أو عابرُ سبيل، وعُدَّ نَفسك فى أهل القبور". عارضة الأحوذى بشرح صحيح الترمذى (باب ما جاء فى قِصَر الأمل. من كتاب الزهد) ٩/ ٢٠٣، وسنن ابن ماجة (باب مثل الدنيا. من كتاب الزهد) ص ١٣٧٨، ومسند أحمد ٢/ ٤١، وحلية الأولياء ١/ ٣١٣.
(٤) يروى: "إذا أمْسَيْتَ فلا تنتظر الصَّباح، وإذا أصبحتَ فلا تنتظر المساء، وخُذ مِن صِحَّتك لمرضك، ومن حياتك لموتك". وأخرجه البخارى موقوفًا على ابن عمر، فى كتاب الرّقاق (باب قول =
[ ٦ ]
وإنما تُعَلَّلُ (^١) به النَّفسُ إذا ضَعُفَتْ.
وإنَّما يُذَمُّ فى حَقِّ الغافِلين، الذين آمالُهم عِنْدَهم كاليقين، فيُوجِب ذلك لهم غَفْلةً وبَطالةً. فأمَّا المُتيقِّظُون فكُلُّ ما عندَهم مُزْعِجٌ، فهم مُحْتاجُون إلى مُسَكِّنٍ ومُرَوِّح، وتَرَى المُتيقِّظَ لا يَقْدِرُ أن يَرَى مَيِّتًا، ولا يُذكَر له الموت. كان ابنُ سِيرِينَ إذا ذُكِر الموتُ ماتَ كلُّ عُضْوٍ منه على حِدَةٍ (^٢).
فَمَثلُ هذا كَمَثَلِ مَحْرُورٍ، لا يَجُوز أن يَسْتعمِلَ الحَرارة.
وفى الناسِ من يَرَى المَوْتَى ولا يَتَغيَّر، فهذا الذى يَنْبغِى أن يُقاوَمَ مرضُه بالتَّخْوِيف.
* * *
_________________
(١) = النبىّ -ﷺ-: كن فى الدنيا كأنك غريب. . ." فتح البارى ١١/ ٢٣٣، وكذلك أبو نعيم فى حلية الأولياء ٣/ ٣٠١. وأخرحه أبو نعيم فى الحلية ١/ ٣١٢، مسنَدًا إلى رسول الله -ﷺ-، برواية ابن الجوزىّ. وانظر الزهد لابن المبارك ص ٥، وكشف الخفا ٢/ ١٣٥.
(٢) فى الأصل: "يعلل".
(٣) سير أعلام النبلاء ٤/ ٦١٠، وحواشيه.
[ ٧ ]