هى نفيسةٌ من النَّفائس التى يضمُّها قسم المخطوطات بعمادة شئون المكتبات بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض (^١). وكانت هذه النسخة فى مِلْك عَلَم الأعلام الأستاذ خير الدين الزركلىّ (^٢) ﵀، ثم آلتْ إلى قسم المخطوطات بجامعة الإمام محمد بن سعود، فجزى الله العاملين بها خيرًا.
والنسخة بقلم تعليق واضح، وتقع فى عشرين ورقة ونصف، أى فى إحدى وأربعين صفحة. ومسطرتها ١٦ سطرًا، فى كلّ سطر نحو ١٠ كلمات، ومقاسها ١٨ × ١٣ سم.
كتبَ النسخةَ محمد بن عمر بن أبي بكر بن عبد الله المقدسى، وفرغ منها يومَ السبت ثالث عشر من رجب سنة ٥٩٢، بمحروسة مزغرا (^٣) سَرُوج.
وفى صفحة العنوان سماعٌ لصاحب النسخة وكاتبها، علَى ابن الجوزىّ المؤلف، تاريخه ثامن عشر شوال سنة ٥٨٥، وكتب ابن الجوزى بخطه صِحَّةَ ذلك السَّماع. وهذا السَّماع منقول إلى نسختنا المكتوبة سنة ٥٩٢، فالناسخ سمع النسخةَ من مؤلِّفها سنة ٥٨٥، ثم نسخ نسخةً لنفسه هى هذه المنسوخة سنة ٥٩٢، وكتب له ابن الجوزى بصحّة ذلك السماع، وقد أثبتُّ ذلك السَّماع فى صدر المطبوع، ثم ترى صورته الفوتوغرافية إن شاء الله.
وفى الجزء الأسفل من صفحة العنوان قراءة تاريخها سنة ٦٣٠.
وبآخر النسخة سماع على كاتب النسخة المذكور، تاريخه سنة ٦١٣.
_________________
(١) انظر حديث هذه النفائس في: الفهرس الوصفى لبعض نوادر المخطوطات بالمكتبة المركزية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية: إعداد محمود محمد الطناحى: الرياض ١٤١٣ هـ = ١٩٩٣ م.
(٢) ويرجع إليها الزركلى كثيرًا فى حواشى الأعلام، وذكرها فى ثبت مصادره ومراجعه ١٠/ ٢٧٠، كما أخذ منها صورة خط ابن الجوزى، وأثبتها فى موضع ترجمته.
(٣) انظر تعليقى ص ١٣٠.
[ ٢٠ ]
وفى حاشية الورقة الأولى التى بها خطبة الكتاب جاءت هذه القراءة:
"قرأتُ جميعَ هذا الجزء على الشيخ الإمام العالم العامل الأوحد الصَّدر الكبير فخر الدين أبى الحسن على بن أحمد بن عبد الواحد المَقْدسىّ، بإجازته من ابن الجوزى، فسمعه عبد الرحمن بن أحمد بن سامة. وصَحَّ بكرةَ ثامن عِشْرى شهر رمضان المعظَّم سنة إحدى وثمانين وستمائة، بمنزله بسَفْح جبل قاسيون. وكتبه محمد بن عبد الرحمن بن سامة بن كوكب بن عزّ بن حُميد، عفا اللهُ عنه".
قلتُ: والشيخ المقروء عليه هو: فخر الدين بن البخارى، من كبار الفقهاء والمحدِّثين، وصفه الذهبى بمُسْنِد الدنيا، وقال ابن رجب: مُسْند الوقت، وكان حنبلىَّ المذهب، روى عن ابن الجوزىّ وخَلْق كثير، وطال عمرُه، ورحل الطلبةُ إليه من البلاد، وألحق الأسباطَ بالأجداد فى علوِّ الإسناد. ولد سنة ٥٩٥، وتوفى سنة ٦٩٠ (^١).
أمَّا كاتب القراءة فهو: شمس الدين أبو عبد الله الحنبلىّ، الحافظ المتقن المحدِّث الصالح، الدمشقى الصالحى، نزيل القاهرة، كان فصيحًا سريعَ القراءة حسنَ الخَطّ، ضابطًا متقنًا، كَتَب، الكثير، وفيه كَيْسٌ وتواضعٌ وعفّة ودِينٌ وتلاوة، وُلِد سنة ٦٦٢، وتوفى سنة ٧٠٨ (^٢)، فيكون قد حضر قراءة الكتاب وأثبتها وسِنُّه ١٩ سنة.
_________________
(١) ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٣٢٥، والعبر ٥/ ٣٦٨.
(٢) ذيول العبر ص ٤٣، والوافى بالوفيات ٣/ ٢٣٩، وذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٣٥٥، والدرر الكامنة ٤/ ١١٧. ولا تَحْملنّ هذه الأوصاف التى تقرأها عن الرجل، على المبالغة والاسترسال، كما يظنّ بعضُ من لا عقول لهم ولا اطلاع؛ فإن هذه الأوصاف -فوق أنها حقُّ صاحبها- تُؤكّد الثقةَ بهذه العلوم والمعارف التى نقلها لنا القومُ روايةً أو كتابةً. وعلى الجانب الآخر فقد كان علماؤنا ومؤرِّخونا ينبِّهون على من ليسوا محل الثّقة من العلماء والمصنِّفين، إرشادًا وتحذيرًا مِن التعويل عليهم والاغترار بهم، وكانوا يشتَدُّون فى ذلك ويَعْنُفُون، ولا يمنعهم من ذلك قرابةٌ أو جِوارٌ. قال جعفر بن محمد القلانسىّ: سمعتُ محمد بن أبى السَّرِىّ يقول: لا تكتبوا عن أخى فإنه كذَّاب -يعنى الحسين بن أبى السَّرِىّ: تهذيب الكمال ٦/ ٤٦٩.
[ ٢١ ]
وجاء بحاشية الورقة السابعة سماعٌ على الشيخ فخر الدين بن البخارى المذكور، بإجازته من مؤلفه. وهذا السماع بقراءة المحدِّث المفيد الشيخ أبى الحسن على بن مسعود بن نَفيس الموصلى ثم الحلبى. وكُتب هذا السَّماع يومَ الأحد نصف شوّال سنة ٦٧٨، بالمدرسة الضِّيائية بسَفْح جبل قاسيون، ظاهر دمشق.
قلت: وقارئ هذا السَّماع، وهو أبو الحسن على بن مسعود بن نفيس، كان محدِّثًا مفيدًا مشهورًا، سمع وحدَّث وحصَّل أصولًا من الكُتُب، وَقَفها، وكان يجوع ويشترى الأجزاء، ويَقْنَعُ بِكِسْرة، فيسوءُ خُلُقُه مع التقوى والصلاح. لزمه الذهبىُّ وقال فيه: "وكان ديِّنًا خيِّرًا متصوِّفًا متعفِّفًا، قرأ ما لا يوصف كثرة، وحصَّل أصولًا كثيرة، كان يجوع ويبتاعها" (^١). وُلد سنة ٦٣٤، وتوفى سنة ٧٠٤.
* * *
_________________
(١) تذكرة الحفاظ ص ١٥٠٠، وذيول العبر ص ٢٦، والوافى بالوفيات ٢٢/ ١٩٤، وذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٣٥١، والدرر الكامنة ٣/ ٢٠٣.
[ ٢٢ ]