ابن محمد بن سلمان بن حمايل، القاضي شهاب الدين، ابن القاضي بهاء الدين، ابن القاضي شمس الدين بن غانم، كاتب الإنشاء بدمشق.
كان والده القاضي بهاء الدين صاحب ديوان المكاتبات بطرابلس، وسيأتي ذكره في مكانه من حرف الباء - إن شاء الله تعالى - ولما توفي والده بطرابلس، تركه صغيرًا، فحضر إلى عند أقاربه بدمشق، ثم توجه إلى مصر، فرسم له بأن يكون من
[ ١ / ١٨٩ ]
جملة كتاب الإنشاء بطرابلس، ثم إنه سعى وانتقل بمعلومه إلى دمشق، ورتب في جملة كتاب الإنشاء في سنة خمس وأربعين أو ما بعدها في غالب الظن، وأقام بدمشق إلى أن توجه في سنة ست وخمسين وسبع مئة إلى الديار المصرية، وسعى هناك إلى أن رتب في جملة كتاب الإنشاء في باب السلطان على معلومه الذي بدمشق، بزيادةِ في مصر.
ولم يزل هناك مريضًا متوعكًا، يقومُ ويقع، إلى أن توفي - رحمه الله تعالى - في أوائل سنة ثمان وخمسين وسبع مئة.
وكان مولده بصفد تقريبًا في سنة أربع وعشرين وسبع مئة أو في سنة ثلاث وعشرين.
وكان فيه سعي وحسنُ توسل ولطفُ توصل، وعلى أنفه في مارنه شامةٌ كبيرة حسناء خضراء. وكانت كتابته قوية، ولم يكن له نظم ولا نثر.
أحمد بن أبي بكر
شهاب الدين أبو جلنك - بالجيم واللام والنون والكاف - الحلبي الشاعر المشهور. بالعشرة والخلطة التي تركته بروة، وجردت قشره.
كان فيه همةٌ وعنده شجاعة، ولديه من الإقدام في المعارك أجزلُ بضاعة، نزل من قلعة حلب للإغارة، والتتار يتوقدُ من شرهم كل شرارة، فوقع في فرسه سهمٌ
[ ١ / ١٩٠ ]
عقره، وفتق جنبه وبقره، فبقي على ضخامته راجلًا، وأمسك به عاجلًا، وجاؤوا به مقدم التتار، فسأله عن عسكر المسلمين فرفع شأنهم، وأعلى في الفروسية مكانهم. فغاظه ذلك منه وضرب عُنقه في الحال، وشتمر للارتحال.
وأصل منادمته لصاحب ماردين أو الموصل تنديبة، بدت منه بغير قصد، وهي عجيبة. لأنه قصد الطهارة وعلى بابها خادمٌ، يناول كيلًا من الماء لكل قادم، فدخل على عادة البلاد، وما هي عليه من الأمر المعتاد، فصاح به الخادم قف خذ هذا الكيل. قال: لا، أنا أخرى جزافًا من الويل. فبلغت السلطان، فقال: هذا ظريف يصلح لأن ننادمه، ونزيد خوافي جناحه وقوادمه.
وأخبرني عنه الصاحب جمال الدين سليمان بن ريان، قال: لزمنا أبو جلنك مدة، ونام عندنا ليالي عدة، وكانت ينتبهُ نصفًا من الليل، ويكررُ علي محافيظه، ومنها مختصرُ ابن الحاجب، ثم يشببُ بشبابه يزمزم، وإذا أصبح توضأ وأتى بالواجب.
وما زال على حاله إلى أن ضربت عنقه، وخلا من كوكبه أفقه، وذلك سنة سبع مئة.
وأنشدني القاضي جمال الدين بن ريان قال: أنشدني من لفظه أو جلنك لنفسه لغزًا:
اسم الذي أهواه في حروفه مسألةٌ في طيها مسائل
خمساه فعل وهو في تصحيفه مبينٌ والعكسُ سمِّ قاتل
[ ١ / ١٩١ ]
تضيء بعد العصر إن جئت به مكررًا من عكسك المنازلُ
وهو إذا صحفته مكررًا فاكهةٌ يلتذ منها الآكل
وهو إذا صحفته جميعه وصفُ امرئٍ يعجبُ منه العاقل
وفيه طيبُ مطربٌ جميعه هاجت على أمثاله البلابلُ
قتل: هذا لغز في مسعود وهو لغز جيد، ومقاصده جيدة، إلا أن قوله وصف امرئ يعجب منه العاقل فيه تسامح، فإنه لا يُقال: مشعوذ وإنما يقال مشعبذ بالباء مكان الواو.
وأنشدني شيخنا العلامة أثيرُ الدين، قال: أنشدنا علاءُ الدين علي بن عبد الملك بن عبد الله بن عبد الرحمن الحلبي، قال: أنشدنا أبو جلنك لنفسه، وكان قد مدح قاضي القضاة شمس الدين بان خلكان، فوقع له بثلثي رطل خبزًا، فكتب أو جلنك على بستانه:
عجنا ببستانٍ حللنا دوحه في جنةٍ قد فتحت أبوابها
والبانُ تحسبُها سنانير رأت قاضي القضاة فنفشت أذنابها
قلت: بلغني أن الشيخ بدر الدين محمد بن مالك وضع على هذين البيتين كراسة في البديع، وأنشدني بالسند المذكور أيضًا:
[ ١ / ١٩٢ ]
أتى العذارُ بماذا أنت معتذرُ وأنت كالوجد لا تُبقي ولا تذرُ
لا عذر يقبل إن تم العذار ولا ينجيك من خوفه بأسٌ ولا حذرُ
كأنني بوحوشِ الشعرِ قد أنست بوجنتيك وبالعشاقِ قد نفروا
ومن شعر أبو جلنك أيضًا:
جعلتك المقصد الأسنى وموطنك ال بيتُ المقدس من روحي وجثماني
وقلبك الصخرة الصماءُ حين قست قامت قيامة أشواقي وأحزاني
أما إذا كنت ترضى أن تقاطعني وأن يزورك، ذو زورٍ وبُهتان
فلا يغرنك نارٌ في حشاي فمن وادي جهنم تجري عينُ سلوان
قلت: ألطفُ من هذا وأحضرُ وأجمع، قول القال:
يا قدسُ حسنٍ قلبهُ الصخرة التي قست فهي لا ترثي لصب متيم
ويا سؤلي الأقصى عسى بابُ رحمة ففي كبد المشتاق وادي جهنمِ
وأنشدني العلامة أبو حيان، قال: أنشدنا علاء الدين علي بن سيف الدين تنكز، قال: أنشدنا أبو جلنك لنفسه:
ماذا على الغصن الميال لو عطفا ومال عن طريق الهجرانِ وانحرفا
[ ١ / ١٩٣ ]
وعاد لي عائدٌ منه إلى صلةٍ حسبي من الشوقِ ما لاقيته وكفى
صفا له القلبُ حتى لا يمازجُه شيء سواه وأما قلبُه فصفا
وزارني طيفه وهنًا ليؤنسني فاستصحبَ النومَ من جفني وانصرفا
ورمتُ من خصره بُرءًا فزدتُ ضنى وطالبُ البرء والمطلوبُ قد ضعفا
حكى الدجا شعره طولًا فحاكمه فضاع بينهما عمري وما انتصفا
قلت: شعر متوسط.