الأمير شهاب الدين متولي مدينة دمشق.
كان المذكور إنسانًا حسن الأخلاق، يخدم الناس على حالتي الجدة والإملاق، ويحب الفضلاء ويبرهم ويلاطفهم في وقائعهم تحت يده ولا يضرهم. ساس الناس بدمشق سياسة جيدة، هرب مرات من الشر إذا وقع، وتحيده. وعلى ذهنه حكايات ووقائع، ونوادر إذا حكاها، قلت: جنى النحل ممزوجًا بماء الوقائع.
[ ١ / ١٩٦ ]
وأول ما عرف من أمره أنه أقام في ولاية صيدا زمانًا، وأخذ به من ذلك الساحل في تلك المدة أمانًا، ثم إن الأمير تنكز سيف الدين - رحمه الله تعالى - نقله إلى ولاية مدينة دمشق، فأقام بها مدة مديدة، وحركاتُه فيها مدة الولاية سديدة.
ولم يزل على حاله إلى أن انطوى برق ابن برق، فكأنه لم يلمع في غرب ولا شرق وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة ست وثلاثين وسبع مئة.
وتولى دمشق في صفر سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة. وكان الأمير سيف الدين - رحمه الله تعالى - قد جعله حكم البندقِ عوضًا عن الأمير صارم الدين صاروجا، فكتبت له بذلك توقيعًا، وهو: الحمد لله الذي لم يزل حمده واجبًا، وفدهُ لكل خير واهبًا، وشكره للنعم جالبًا، وللنقم حاجبًا، وذكره للبؤس سالبًا، وللنعيم كاسبًا.
نحمده على نعمه التي نصرعُ بالحمد أصناف أطيارها، ونقص بالشكر أجنحتها فلا قدرة لها على مطارها.
[ ١ / ١٩٧ ]
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة لا يكون لنا بها عن الفوز بالجنة عذرُ، ولا نجد بها نفوسنا يوم البعث إلا في حواصل طيورٍ خضر.
ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أفضلُ من قدم ذوي الرتب، وأشرفُ من حكم بالعدل العاري من الشبه والريب. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين كانوا في الحروب عُقبانها الكواسر، وفرسانها الذي أشبعوا من لحوم العدا ذوات المخالبِ والمناسر، ما أحمد الرامي في المرام عزمه، وسعت له في الرتب قدمُ قدمه، وسلم تسليمًا كثيرًا.
وبعد: فلما كان الرمي بالندق فنًا تعاطاه الخلفاءُ والملوك. وسلك الأمراء والعظماء طريقة لطيفة المأخذ ظريفة السلوك، يرتاضون به عند الملل لا سترواح نفوسهم، ويجنون ثمران المنى في التنزه من غروس عروشهم، ويبرزون إلى ما يروق الطرف ويروعُ الطير من برزاتهم، وينالون ببنادق الطين من الطير ما لا ينالهُ سواهم بجوارح صقورهم ولا بزاتهم. وقد نبذوا في تحصيل المراتب العلية شواغل العُلق، وتدرعوا شعار الصدق بينهم وهم أصحابُ الملق، ومنعوا جفونهم من ورود حياض النوم إلا تحله، وظهروا بوجوهٍ هي البدورُ وقسي هي الأهله، وتنقلوا في صيد النسور تنقل
[ ١ / ١٩٨ ]
الرخ، وصادوا الطيور في الجو لما نثروا حبات الطين من كل قوس هي كالفخ، وصرخوا على الأوتار فكانت ندامى الأطيار على سلاف المياه من جملة صرعاها، واقتطفوا زهرات كل روضة أخرجت ماءها ومرعاها، احتاجت هذه الطريقة إلى ضوابط تُراعى في شروطها، وتحسبُ على الجادة أذيال مُروطها، ليقف كل رامٍ عند طورِ طيره، ويسبر بتقدمه غور غيره، ليؤمن التنازعُ في المراتب، ويسلم أهل هذه الطريقة من العائب والعاتب.
وكان المجلسُ السامي الأميري الشهابي أحمد بن برق هو الذي جر فيها على المجرة مطرفة، وأصبح ابن بجدتها علمًا ومعرفة، تطرب الأسماعُ من نغمات أوتاره، وتنشق مرائرُ الطير من لون غُباره، وتودّ المجرةُ لو كانت له طريقًا، والشمس جواده، والسماء ملقه، تتمنى قوسُ السماء الملوّنة، لو كانت قوسه والنسرُ طائره والنجوم بندقه. كم جعل حُلل الروض المرقومةِ بما صرعه مصائره، وكم خرج في زمرٍ والطير فوقهم صافات، فصاد بدر تم حين بادره، وكم ضرج في معركِ الجو من قتيلٍ ريشُه كالزرد الموضون، وكم أرسل البندق فكان سهمًا ماضيًا لأنه " من حمئ مسنون ".
فلذلك رسم بالأمر العالي لا زال طائره ميمونًا، ودر أمره في أدراجِ الامتثال
[ ١ / ١٩٩ ]
مكنونًا، أن يفوضَ إليه حكم البندقِ بالشام المحروس على عادة من تقدمه في ذلك من القاعدة المستمرة بين الرماة. فليتول ذلك ولاية يعتمد الحق في طريقها الواجب، ويظهر من سياسته التي شخصت لها لعيون وكأنما عقدت أعالي كل جفن بحاجب، وليرعَ حق هذه الطريقة في حفظ موثقه، وليجر على السنن المألوف من هذه الطائفة " وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه "، بحيث إنه ينزلُ كل مستحق في منزلته التي لا يعدوها ويقبل من الرامي دعوى صيده، ويرد ما لا يعتدُ بها الرماة ولا يعدوها، ومتثبتًا فيما يحمل إليه من الرمي للحكم ولا يرخ على غيه ذيلًا، محررًا أمر المصروع الذي أصبح راميه من كلفه به مجنون ليلى، جريًا في ذلك على العادة المألوفة والقاعدة التي هي بالمنهج الواضح موصوفة، وليتلقَ هذه النعمة بشكر يستحق به كل خير، ويتلُ آيات الحمد لهذا الأمر السليماني الذي حكمه حتى في الطير. والله يتولى تدبيره، ويُصلح ظاهر حكمه والسريرة، والاعتماد على الخط الكريم أعلاه، الله الموفق بمنه وكرمه. إن شاء الله تعالى.