مجير الدين الخياط الدمشقي.
كان المذكور شيخًا خياطًا، وناظمًا في ليل جهالته خباطًا، وربما ندر له البيت والبيتان، ورمى بالدرة فلقفها من أقلامه الحيتان، مع ثقل في ألفاظه، ما تنوء به أذهان حُفاظه. وكان كثير الداوى في هذا الفن، غزير الإدلال على من يسمع الحمام، وينشد قصدية قد عارضها في وزنها، ويقول: هكذا تكون الدرر في خزنها.
والبارحة ضربت المتنبي بألف بابوج، وجعلت طرطوره مثل السراقوج، وينشد قصيدة يعتقد أنها نظيرُ شعر ذاك، ويقول: هكذا تكون الجواهر في الأسلاك.
[ ١ / ٢١١ ]
وشعره في عدة مجلدات، وليس لها نظير في بابها ولا لدات. قال لبنته المسكينة قبل موته: لا تبيعي كل مجلد من هذه بأقل من مئتي دينار، وإياك أن يغرك أحد، فيأخذها بدون هذا المقدار. فكانت بعد موته تبيع كل مجلد منها بدرهمين أو ثلاث، وتتعجب من الناس كونهم ما لهم عليها إقبال ولا انبعاث.
ولم يزل على ذلك الحال إلى أن لم يجد لمجير من الموت مجيرًا، وبطل ما كان له من العادة والهجيرى.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة خمس وثلاثين وسبع مئة، وقد قارب السبعين أو تجاوزها.
ومن شعره، ومن خطه نقلت:
إلى كم أيها الدهر الخؤون أهونُ وأنت صعبٌ لا تهونُ
ثكلتك لا خليل لديك يرجى صفاء الود منه ولا خدينُ
ولا سكن إليه من الليالي إذا اضطربت حوادثها سُكونُ
لا قرنٌ من الإخوانِ دمر به يحمى الذمار ولا قرين
ولا تربٌ يُصابُ ولا صديقٌ كما لم يجتمع ضب ونونُ
فدحضا ثم تعسًا ثم عثرًا لخطوكَ أيها الصعبُ الخؤون
فيا شر الدهور إلام ظمئي لديك ولا معينُ ولا معينُ
أكذبُ في لئام بنيك ظني فتصدقني المآربُ والظنونُ
وأسمح أهلِ هذا العصرِ نفسًا بنائلِ خيره كزضنينُ
[ ١ / ٢١٢ ]
ولست فتى على وعك الليالي إلى غير المهيمن أستكينُ
وإن جار الزمان فلي قناةٌ على غمر الحوادث لا تلينُ
لأني من بني بيتٍ رفيعٍ عليه تنزلُ الروحُ الأمينُ
يغر ذوي الجهالةِ في حلمّ إذا طاشت حلومُهم رزينُ
وما علموا بأن جبال حلمي لهم من خلفها مقتي كمينُ
وألفاظّ أحدُّ من المواضي إذا شحذت مضاربها العيونُ
ومنها:
وفي متشاعري عصري أناسٌ أقل صفاتِ شعرهُم الجنون
يظنون القريضَ قوامَ وزنٍ وقافية وما شاءت تكون
وما علموا بأنّ الشعر مرقى دوينَ صعوده يندى الجبينُ
وعبء لو تحمله ثبير لأطاله ومنه بدا الأنينُ
وبحر نهى له غورٌ بعيد عزيزُ فيه لؤلوه الثمين
ومضمارُ فحولُ الشعر فيه لهم من وعر شقتهِ صفونُ
وقافيةٌ هي الذهبُ المصفى إذا امُتحن بل السحُر المبينُ
معانيها الثواقبُ والقوافي إذا يُفزعن أبكارٌ وعين