أبو العباس العسكري الأندرشي الصوفي.
شيخ العربية في زمانه بالشام، وبارقها الذي ينتجعُ قطره من شام، برع في النحو ودرسه، واقتطف أثمار ما علقه من الفوائد وغرسه. أقرأ التسهيل بدمشق لجماعة تخرجوا به وانتفعوا، وخرجوا من الجهالة واندفعوا. وشرح التسهيل، وجعل غامضة كثيبًا هيل.
نسخ بخطه تهذيب الكمال واختصره، وشرع في تفسيرٍ كبيرٍ وفر وقته عليه وقصره، وكان دينًا، ورعًا صينًا، منقبضًا عن الناس إلى الغاية، ومنجمعًا عنهم ليس له بأمرهم عناية، لم أر في عمري ولا رأى غيري مثل انجماعه، ولا مثل اطراحه أمور الناس ودفاعه. حضرت يومًا عند العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي، وهو عنده بعدما أمسك الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - بخمس سنين، فذكر إمساك تنكز، فقال: وتنكز أمسك؟ قلنا: نعم، وجاء بعده أربعة نواب، الأمير
[ ١ / ٢١٦ ]
علاء الدين ألطنبغا، الفخري، وأيدغمش، هذا الأمير سيف الدين طقزتمر! فقال: ما علمت بشيء من هذا، وما في ذهني أن تنكز أمسك! فتعجبنا منه ومن تخليه عن أ؛ وال الناس والاشتغال بهم، ويقع في دمشق مثل واقعة تنكز، والفخري، وألطنبغا، وهو في دمشق ما يعلم بشيء من ذلك! هذا من أعجب ما يكون.
وكان له بيت في الجامع تحت المأذنة الشرقية ولم يزل مكبًا على التسهيل حتى محقه الإسهال، وذكره الموت بعد الإمهال والإهمال.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في ذي القعدة سنة خمسين وسبع مئة، ومولده بعد التسعين والست مئة، ووقف كتبه على أهل العلم، وجعل أمره لقاضي القضاة.