وقيل: المعمار. وقيل الحجار، غلام النوري، عامي ظريف، وشاعر عري من حلل النحو والتصريف، لكنّ قريحته نظامة، وطباعه لبرود الشعر رقامة، له ذوق قد شب عمرهُ فيه عن الطوق، وتوريات تسير الثريا من تحتها وهي من فوق، واستخدام له إلى تحريك الأعطاف وهزها شوق، ونكتّ أدبيه ما يبلّ الفاضل منها غلة الشوق، ومقاصدُ غريبة أحسنُ من روق الشباب وما أحسنه من روق إلا أن اللحنّ الخفي يخونه في بعض الأماكن وهو قليل، وتصريف الأفعال يعرض عنه بلا دليل، أما إذا ترك وعامّيته في الأزجال والبلاليق، ونفض يده من القريض لم يكن له فيه تعاليق، فإنه أتي بالعجائب، ويركب في طريق الإعجاب، والإعجاز متون الصبا والجنائب، فما يلحقه في ذلك مجار، ولا يرهقه مُبار، ولا يطمع لاحق له في شق غبار، ولا أعلم له في ذلك نظيرًا، ولا استجليت في سماء فنه مثله قمرًا منيرًا.
[ ١ / ١٤٦ ]
وكان فقيرًا متخليًا، وأميرًا في نفسه بالخمول متحليًا، يعرض عن الأكابر، ويعد أهل الدنيا عنده في أهل المقابر، قد لزم القناعة، وأرخى على وجه الصبر قناعة، فهو في باب اللوق سابق غير مسبوق، وفي ساحات المناشر سلطان من ينادم أو يعاشر، قد هذبه زمانُه، وأطلق في الراحة عنانُه، يكتفي بالبلاغ، ويجتزئ بما له في الحلق مساغ.
ولم يزل على عالم إطلاقه ووميض برقة وابتلاقه، إلى أن خرب من المعمار ربع الحياة، وعفر التراب محيّاه.
وتوفي رحمه الله تعالى في طاعون مصر سنة تسع وأربعين وسبعمئة، بعدما نظم في الطاعون قبل موته، وأنشد قبل فوته:
يا من تمنى الموتَ قم اغتنم هذا أوانُ الموت ما فاتا
يا من تمنى الموت قم واغتنم هذا أوان الموت ما فاتا
قد رخُص الموتث على أهله ومات من لا عمرهُ ماتا
وكان قد كتب إلي لما وردت القاهرة في خمس وأربعين وسبع مئة في زمن الملك الصالح إسماعيل قدس الله روحه:
وافى صلاح الدين مصرًا فيا نعم خليل حلها بالفلاح
فليهنها الإقبالُ إذ أصبحت بالملك الصالح دارَ الصلاح
[ ١ / ١٤٧ ]
فكتبت أنا الجواب إليه:
خليلٌ في الشام هلال بدا وبدرُ إبراهيم في مصر لاح
ذا كامل من حيث ذا ناقص وذاك بُرهان وهذا صلاح
ومن شعره، وفيه لحن يسير:
وصاحب أنزلَ بي صفعةً فاغتظت إذ ضيع لي حرمتي
وقال في ظهرك جاءت يدي فقلت لا والعهد في رقبتي
ومنه:
ومُفنن يهوى الصفاعَِ ولم يكن إذا ذاك فني
ملكته عنقي الدقيق فراح ينخله بغبن
ما كان مني بالرضى لكنه من خلف أذني
لولا يد سبقت له لأمرته بالكفّ عني
ومنه:
أيري إذا ندبته في حاجة تنزل بي
قام لها بنفسه ما هو إلا عصبي
ومنه:
عاتبتُ أيري إذ جاء ملتثمًا بالخزي من علقه فما اكترثا
[ ١ / ١٤٨ ]
بل قال لي حين لمته قسمًا ما جزت حمام قعره عبثا
كيف وفيها طهارتي وبها أقلب ماء وأرفع الحدثا
وفيه:
لما جلوا لي عروسًا لست أطلبها قالوا ليهنك هذا العرسُ والزينه
فقلت لما رأيت النهد منتفشًا رمانة كتبت يا ليتها تينه
ومنه:
قال لي العاذلون أنحلك الح ب وأصبحت في السقام فريدا
أإذا صرت من جفاهم عظاما أبوصلٍ تعود خلقًا جديدا
ما رأينا ولا سمعنا بهذا قلت كونوا حجارة أو حديدًا
ومنه:
قسمًا بما أوليتُ من إحسانه وجميله ما عشتُ طول زماني
ورأيت من يثني على عليائه بالجود إلا كنتُ أو ثان
ومنه، وفيه لحن وتحريف:
كلفي بطباخٍ تنوع حسنه ومزاجُه للعاشقين يوافق
لكن مخافي من جفاه وكم غدت منه قلوبٌ في الصدور خوافق
[ ١ / ١٤٩ ]
ومنه وفيه لحن ظاهر:
في خد من أحببته وردّ جني أجنه
وشامةٌ ذقت لها حلاوة في صحنه
ومنه:
لجّ العذول ولامني فيمن أحبُّ وعنفا
فهممت ألطمُ رأسه مما مُلئت تأسفا
لكنها زلقت يدي نزلت على أصل القفا
ومنه، وفيه عيب التضمين:
هويتُ طباخًا سلاني وقد قلا فُؤادي بعد مارده
محترقًا ولم يزل بالجفا يغرف لي أحمضَ ما عنده
ومنه:
قالوا تسبب في الجنائز واكتسب رزقًا تعيش به أجل حياة
فأجبتهم ردًا على أقوالهم أرأيتم حيًا من الأموات
ومنه:
شكوت للحب منتهى حرقي وما ألاقيه من ضنى جسدي
قال تداوي بريقتي سحرًا فقلت يا بردها على كبدي
ومنه:
[ ١ / ١٥٠ ]
وقزاز يغازلني بحاشية لها رقه
أبيتُ مُسهدًا منه أنير من جوى الحرقه
أسدي تحت طاقته كأني حارسُ الشقه
ومنه:
يا أغنياء الزمان هل لي جرائُم عندكم عظام
فضتكم لا تزال غضبي فلا سلامٌ ولا كلام
والذهب العينُ لا أراه عيني من عينه حرام
ومنه:
يا قلبُ صبرًا على الفراق ولو روعتَ ممن بالبين
وأنت يا دمعُ إن ظهرت بما يخفيه قلبي سقطت من عيني
ومنه:
متى أرى المحبوبَ وافى بالهنا ونحن في دار ولا واش لنا
أي ثلاثُ ما لهن رابع مثاله الدار وزيدٌ وأنا
ومنه مواليا:
يقل لها زوجها لا تختشي من لوم ولا ققي كل من في الأرض وأنا الكوم
وأتسيبي وأطعميني أبقَ من ذا اليوم أنعس وأرقد ومثلي ما ترى في النوم
[ ١ / ١٥١ ]