القاضي أمين الدين ابن القاضي شهاب الدين بن غانم كانت الإنشاء بدمشق، وهو من بيت رياسة وكتابة إنشاء، وسيأتي ذكر جماعةٍ من أهل بيته في هذا التاريخ، كل واحد منهم في مكانه.
كان هذا أمين الدين ينظم البيتين والثلاثة، ويُجيد في بعضها لما لهُ في البلاغة من الوراثة، ويندرُ له النصف والبيت، ويُطربُ به الحي والميت، لأنه كان قريحته
[ ١ / ٥٦ ]
نظامة، وموادّه من العلم ما خالطت لحمه ولا عظامه، وكانت تقع له في أثناء المحاورات ألفاظ على طريقِ الاتباع، يخلصُ من خصومه فيها بالباع والذراع، وكان خفيفَ الروح لدى المجالس، يخلط جدّ الملائك بمجون الأبالس، وله على بلوغ مآربه قدرةٌ وتمكنٌ، وفي التوصل إلى مقاصده ذلة وتمسكن، قد جبل الله على ذلك طباعه، وألف الناسُ في ذلك لطفه وانطباعه..
ولم يزل على حاله إلى أن خانت الأمينَ منيتُه، ووارت قامتهُ حنيتُه.
وتوفي، رحمه الله تعالى، في بكرةِ الاثنين ثالث جُمادى الآخرة سنة إحدى وستين وسبع مئة، جوا باب الفرج بدمشق، ودفن بالصالحية من يومه.
ومولدُه تقريبًا في سنة سبع وتسعين وست مئة.
دخل إلى ديوان الإنشاء بدمشق سنة تسعٍ وعشرين وسبع مئة.
وكان والده في مدةِ مقامهِ بالديار المصرية عند القاضي فخر الدين ناظر الجيش يطلبه فيتوجه في كل سنة إلى زيارةِ والده، ويعُود على البريد بعناية القاضي فخر الدين، وكان فيه كيس ودُعابة، وعنده عشرة ولطف، وإذا كان له أربُ في شيء توصل إليه بكل طريق وناله، وإذا فرغ أربُه شرد وقطع الرسن، وما يعود يلوي على إلفٍ ولا وطن، فكنا - جماعة الديوان - نعرف ذلك منه، وأنه متلونٌ ذو استحالة.
وكنتُ في وقت عزمي على الحج في سنة خمس وخمسين وسبع ومئة قد اتفق معي ومع القاضي ناصر الدين كاتب السر بالشام على أنه يحُجّ معنا، وأعطانا على ذلك
[ ١ / ٥٧ ]
مواثيق وعهودًا، فلما حقت النهضة غاب عنا، ولم نظفر به، فلما عدت من الحج كتبتُ إليه من الطريق:
أفدي الذين غدتْ محافظتي على ميثاقهم دونَ الورى تغيريني
قالوا استحلتَ وخنتَ عهدكَ قلتَ ما أنا في محبتكم أمينَ الدين
ذاك ابنُ غانم يَستحيلَ ويستحي أن لا يراه الدهرُ غير خؤون
إلا أنه كان فيه كرمٌ وجود وتواضع واعرافٌ بالتقصير في فنه، وكان في وقتٍ قد كتب إلى القاضي ناصر الدين كاتبِ السرّ الشريف ونحن بمرج الغسولة أبياتًا فكتب جوابهُ القاضي ناصرُ الدين في وزنه ورويه، ومن جُملة الجواب:
أيا من غدا يستوعبُ الوقتَ مدحهُ لنقص فعالٍ وهو قولٌ مُلفقُ
إذا ما شكرتَ الله زاداكَ رفعةً فشكرك إياهُ شعارٌ موفق
تسود أوراقًا وتكتبُ مأثما ويظهرُ منك القولُ وهو مُزَوّق
ونظمُك عندي جوهرٌ ونظامُهُ بليغٌ وهذا النظمُ بالصدق أليقُ
فتأذى أمينُ الدين وقال: قد تبتُ عن نظم الشعر، فكتبُ أنا إليه ارتجالًا:
تاب أمينُ الدين من نظمه وخلصَ الأقوام من ذمهِ
فقال لا عُدتُ إلى مثلها فقلتُ لم تهربُ من سهمهِ
فقال لي والله لو أنه مسك لما ملتُ إلى شمهِ
فقد كفى ما نلته من أذىٍ وما التقى قلبي من همهِ
وكتب إليه القاضي ناصرُ الدين أيضًا في ذلك:
إن كان قد تاب بلا مرية وأحسنَ التوبة من جرمه
[ ١ / ٥٨ ]
وقدمَ الإخلاص في فعلهِ وقوله دل على حزمه
منها:
وإن أعاد القولَ فيما بدا منهُ ولاح الزيف في نظمه
فإنني مستأنفٌ همةً في منعه القولَ وفي ذمهِ
وكتبت أنا إيه أيضًا:
إنّ أمينَ الدّين مذ تابا أغلق للأبواب أبوابًا
وكانت الأعطافُ من نظمهِ ونثره تهتزُ إعجابًا
وكيف ينسى لذةً طالما دار لها بالكعبِ دولابًا
ما زال مذ شبّ على نظمهِ حتى رأينا رأسهُ شابًا
وذهنُهُ في كل معنى إذا حاولهُ يسبق نشابًا
فإن يكن أمسى غشيمًا كما يزعُم أعطيناهُ ركابًا
وكتب أمين الدين إلي، وقد تخلفتُ عنهم في بعض السفرات إلى مرج الغسولة:
خليلي ما المرجُ الخصيب بطيبٍ إذا لم ير إبراهيمُ وجهَ خليله
وما هو إلا مارجٌ بعد بعده ولو زارهُ جال الندى بنخيله
وكتب إلي وقد حصل لي يرقان:
حاشاك من ألمٍ ألمّ بمهجة قد مسها ألم من اليرقان
[ ١ / ٥٩ ]
وكفيت كل ملمةٍ ومخافةٍ ولبستَ ثوبَ سلامةٍ وأمان
متمتعًا متنعمًا في جلقِ ال فيحاء ذاتِ جنى وجنان
وترى بها أترابها وكواعبًا بخدُودهنّ شقائقُ النعمان
يا أوحدًا في جيله بجميلهِ كم في فنون فناك من أفنان
منذا يضارع بحر شعرك في الورى يا خبرَ علم مالهُ من ثانِ
وكنت قد كتبتُ أنا إليه جوابًا من رحبة مالك بن طوق في سنة ثلاثين وسبع مئة:
كتابك نورٌ صُنته بجفوني وتاجُ علًا أعددتهُ لجبيني
أتاني فلا والله ما احتجتُ بعده إلى أن تُقر الحادثاتُ عُيوني
ونفسَ من ضيقٍ برحبة مالك أكابدُه من لوعةٍ وحنين
فما الطرف إذا أبصرتهُ بمسهد ولا القلبُ إذ عاينته بحزين
تغازلين ألفاظهُ في سطوره بسحر معانٍ من لواحظ عينِ
أنظر في منثوره مُتنزهًا فأشهدَ سجع الورق فوق غُصونِ
غدوت أمين الدين بالفضل باديا وفزتَ بسبق في العلاء مُبين
بعثتَ مثالًا ما ظفرتُ بمثله وحسبك من حسنٍ بغير قرين
فما كل حسن مثله بمكمل ولا كل در مثله بثمين
بضائعه تجلو علينا محاسنًا ولستَ على هذا أشتاتَ الفضائل دوني
أضعتُ أنا فضلي واصبحَ حافظًا وكيفَ يضيع الفضل عند أمين
[ ١ / ٦٠ ]