قاضي القضاة، نجم الدين أبو إسحاق ابن قاضي القضاة عماد الدين أبي الحسن بن محيي الدين أبي العباس الطرسوسي الحنفي قاضي القضاة بدمشق، وسيأتي ذكر والده رحمه الله تعالى في مكانه من حرف العين.
مولده في سنة إحدى وعشرين وسبع مئة. ووفاته رحمه الله تعالى يوم السبت بعد الظهر، وصلي عليه بالجامع الأموي بعد العصر، ودفن آخر النهار المذكور رابع شعبان سنة ثمان وخمسين وسبع مئة بالمزة. وكانت جنازة حافلة، بها الحكام والعلماء والأمراء، وصلى عليه ملك الأمراء الأمير علاء الدين أمير علي المارديني إمامًا برّا باب النصر، وعاده في يوم سبت، وهو بالمزة ضعيف في هذه المرضة.
وكان قاضي القضاة نجم الدين رحمه الله تعالى ملء منصبه، بالغًا بحسن سعيه نهاية أمله وغاية مطلبه، نافذ الأحكام والقضايا، عارفًا باستخراج النكت في الوقائع من خبايا الحنايا، عليه تؤدة وحسن سمت، وله مهابة وطول صمت، ولم تعد له في
[ ١ / ١٠٠ ]
مدة ولايته هفوة تتعلق بأحكامه، أو زلة يؤاخذ بها في نقضه وإبرامه وكان النواب يعظمونه، ويجلّونه ويحترمونه لسعادة نطقه في المحافل، وترفّعه في ذرا المعالي عن الأسافل.
تلفّت فوقَ القائمين فطالهم تشوف بسّام إلى المجد قاعد
ولم أرَ أمثالَ الرجال تفاوتوا إلى الفضلِ حتى عد ألفٌ بواحد
وكان قد ناب لوالده قاضي القضاة عماد الدين قريبًا من سنتين، ثم إنه في ذي الحجة سنة ستَّ وأربعين وسبع مئة نزل له والده عن منصب القضاء، وسأل له في ذلك الأمير سيف الدين يلبغا، فكتب له إلى السلطان، وحضر تقليده الشريف بذلك.
وكان قد كتب له قاضي القضاة تقي الدين أبو الحسن علي السبكي الشافعي رحمه الله تعالى بأهليته لذلك وصلاحيته، وجهّز خطه بذلك وباشر المنصب والتداريس على أتم ما يكون من العفة والأمانة، ونازعه قاضي القضاة شرف الدين المالكي في الجلوس، فأجلس المالكي فوقه لكبر سنّه، وقدمِ هجرته، ولما توفي المالكي جلس قاضي القضاة نجم الدين إلى جانب قاضي القضاة الشافعي، ولم يزل على ذلك إلى أن مات رحمه الله تعالى.
وكان قد حج في صغره، ثم إنه حج في سنة خمس وخمسين، وعزم على المجاورة، فلم يتفق له ذلك، ثم إنه حج في سنة ست وخمسين وسبع مئة، ثم إنه عزم في سنة ثمان
[ ١ / ١٠١ ]
وخمسين وسبع مئة على الحج مع الركب الذي يتوجه في شهر رجب، فحصل له هذا الضعف الذي مات فيه، رحمه الله تعالى.
وكان رئيسًا نبيلًا فيه مكارمُ وحشمة ورياسة وقعدد وتؤدة، ولازم الاشتغال وطالع واجتهد، ودأب وتعب، ونظم أبياتًا ذكر فيها الخلاف الذي وقع بين الإمام أبي حنيفة ﵁ وبين الشيخ أبي الحسن الأشعري ﵁، وقرأتها عليه، فسمعها ولدي أبو عبد الله محمد وفتاي طغاي بن عبد الله في ثالث عشري شهر ربيع الأول سنة سبع وخمسين وسبع مئة بمنزلة في باب البريد قبالة المدرسة المسرورية، وهي:
الحمد لله الولي المنعم الملكِ الحق الجواد المكرمِ
جل عن الشبيه والأضداد والأهل والأنداد والأولاد
سبحانه من ملكٍ قدير أتقن ما أبدع بالتدبير
ثم الصلاة بالدوام السرمدي على النبي المصطفى محمد
وأله ما غردت قمرية على غصونِ الأيك في البرية
وبعد قد قال الإمام الأعظمُ أبو حنيفة الرضى المُقدّم
في هذه المسائل المهمه قولًا به جلا وجوه الغمة
والأشعري خالفهُ فيها وقد أساء في خلافه فيما اعتقد
والحق ما قال أبو حنيفه أعطاه ربي الرتبة المُنيفة
أولها معرفة الإلهِ واجبةٌ حقًا بلا اشتباهِ
[ ١ / ١٠٢ ]
بالعقل لا بعد الخطاب فاعرف وعذرهُ عند الإمام منتفِ
معرفة الله على الكمالِ تحصل بالعقل مع استدلالِ
ثالثها قال بأن العصمه ثابتة لأنبياء الأمه
عن الكبير وعن الصغير والأشعري خالفَ في الأخير
ويمكن السعيدُ أن يُنظم في أهل الشقاء والضلال فاعرف
ولا يرى الشكوك في الإيمان ويقطع القول بلا نكران
وكل ما قد كتبوا في المصحف فهو كلام الله حقا فاكتف
وأثبت الرسالة المُكرمه من بعد ما مات النبي فاعلمه
وهو إلى الآن رسولٌ مثلما قد كان في الحياة حقًا فافهما
والله يجزي العبد في الأعمالِ من خير ما يرجوه في المآل
والله عادل فلا يُعذبُ من لم يكن أذنب وهو المذهبُ
ولا يجوزُ القولُ بالتكليفِ في حكمةِ الله بال توقيفِ
والله لا يختار للعبادِ إتيانهم بالكفر والفسادِ
ونعمة الله على الكفارِ كسمعهم ونظرِ الأبصار
وتمت المسائل المهمه وتم ما قال سراجُ الأمه