الشيخ الإمام العالم الفاضل البليغ برهان الدين الأغري، بفتح الغين المعجمة، الرشيدي الشافعي، خطيب الجامع الأمير شرف الدين أمير حسين بن جندر بك بحكر جوهر النوبي بالقاهرة.
أخذ القراءات عن الشيخ تقي الدين - الصائغ، والفقه عن الشيخ علم الدين
[ ١ / ١٣٥ ]
العراقي، والأصول عن الشيخ تاج الدين الباربناري، والفرائض عن الشيخ شمس الدين الرواندي، والنحو عن الشيخ بهاء الدين بن النحاس، العلم العراقي، وأثير الدين أبي حيان، والمنطق عن سيف الدين البغدادي. وحفظ الحاوي والجزولية والشاطبية، وأقرأ الناس في أصول ابن الحاجب وتصريفه وفي التسهيل. وكان يعرف الطب والحساب وغير ذلك.
ولخطبته في النفوس تأثير، وللدموع لها على الخدود جري وتعثير، ترق له القلوب القاسية، وتتذكر النفوس الناسية. وعلى قراءته في المحراب مهابة وفصاحة، ولها إلى الجوانح جنوح وفي الجوارح جراحة. لم أرَ في عمري مثل اتضاعه على علو قدره، ولا رأيت ولا غيري مثل سلامة صدره. مطرح التكلف، راضٍ بالقعود عن الدنيا والتخلف، يحمل حاجته بنفسه، ولا يحتفل بمأكله ولبسه.
تخرج به جماعة وانتفعوا، ورد بمواعظة أهل الجرائم عن طريقهم واندفعوا.
وعرض عليه سنة خمس وأربعين وسبع مئة قضاءُ المدينة الشريفة وخطابتها فامتنع، وانخزل عن قبول ذلك وانجمع.
[ ١ / ١٣٦ ]
وله نظم إلا أنه ما أظهره، ولا كلف خاطره أن يؤلف جوهره، إما عدم رضى بما يأتيه منه، أو تورعًا عن قبوله ونفورًا عنه.
ولم يزل على حاله في أشغاله الطلبة، والإمامة والعمل على ما فيه خلاصه يوم القيامة، إلى أن سار إلى الآخرة، وصار بالساهره.
وكانت وفاته بالقاهرة سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وسبعين وست مئة.
وقلت أرثيه:
ملتُ بعدَ البرهان للتقليد في انسكاب الدموع فوق الخدود
ما أنا واثقًا بتسفاح دمعي خان صبري الأمينُ بعد الرشيد
كيف لا تسفح الدموعُ على من كان للطالبين خير مفيد
قال لما احتواه طاعونُ مصر كم قتيل كما قتلتُ شهيدِ
فهو في قبره مع الحُور يلهو ببياض الطلى وورد الخدود
ما تملت جفونهُ ببدور قبلها في براقع وعقود
يا عذولي على تعذر صبري في مُصاب عدمتُه في الوجود
كان إن قام في الأنام خطيبًا علم الناس كيف نثر الفريد
ثم أجرى الدموع خوفًا ولو أن قلوب العُصاةِ من جلمود
بكلام مثل السهام مصيبا تٍ تشقّ القلوبَ قبل الجلود
حزنَ مستعمل الكلام اختيارًا وتجنبن ظلمة التعقيد
[ ١ / ١٣٧ ]
ما على زهده وفضل تقاه علومس قد حازها من مزيد
أيها الذاهبُ الذي نحن فيه في لظى وهو في جنان الخلود
لا ترع في المعاد حيث وجوه الناس فيه ما بين بيض وسود
لك في موقف القيامة وجهّ يخجل البدر في ليالي السعود
وثناءً كأنما ضُربَ العن بر فيه بماء وردٍ وعود
قنتعت أنفسُ البرية إذ غبت بع يش مُعجل التنكيد
فسقى الله تربة أنت فيها كل يوم مضي سحائب جُود