الشيخ جلال الدين بن القلانسي.
ورد الديار المصرية، فقال له العلامة شيخنا أبو الثناء محمود، والشيخ تقي الدين بن تمام: أقعد أنت في هذه الزاوية، ونحن نذكرك للناس، فاتخذ زاوية على بركة الفيل في حكر الخازن مجاورةً لدار الأمير بدر الدين جنكلي.
وكان قد نشأ في صناعة الكتابة أولًا، ثم إنه ترك ذلك، وتزهد بدمشق مدة قبل غازان بقليل، ولما انجفل الناس توجه إلى مصر، وقامت له في الصلاح سوق، وحملت إليه الصلات في وسوق، وتردد إليه الناس، وزاد اشتهاره حتى خرج عن الحد، وتعدى القياس، واعتقد فيه أمراء الدولة، وأمسك هو ناموس الصول والصولة، ومال إليه جماعة خواص السلطان وأحبوه محبة من أدرك الأوطار في الأوطان، وكلن في أثناء ذلك البخت، ومدة ذلك الدست والرخت، رمي عند
[ ١ / ١١٤ ]
الملك الناصر بحجر خدش منه غرضًا، وجعل سماءه أرضًا، فأخرجه إلى القدس خروجًا جميلًا، ووجد لفراق ما ألفه في مصر عذابًا وبيلًا، ولم يتغير لمماليك السلطان فيه عقيدة، وجزموا بأن ذلك من أعاديه مكيدة، وكانوا يمدونه بالذهب، ويلزمونه أخذ ذلك وقبوله بالرغب والرهب، وكانت نفسه كريمة، وهمته عند الثريا مقيمة، ولم يزل على تلك الحال إلى أن خلا في القبر بعمله، وانقطعت من الحياة مواد أمله.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.
وكان قد قدم إلى دمشق في شهر رجب سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة من القدس، ونزل بمغارة العزيز بالجبل، وقصده الناس بالزيارة من الأمراء والقضاة والعلماء والصدور، وحدث بجزء ابن عرفة، ثم عاد إلى القدس، وتوفي ثالث القعدة من السنة المذكورة.
ومن شعره، من قصيدة:
قد كنتُ تبتُ عن الهوى لكن حُبك لم يدعني
ولما مات الشيخ جلال الدين رحمه الله تعالى، رثاه شيخنا العلامة شهاب الدين أبو الثناء محمود رحمه الله تعالى بقصيدة أولها:
أيا مقلتي جُودي بدمعك لي جودي فما مثلُ من قدر بان عنك بموجودِ
وإن غاض ماء الدمع فابكِ دمًا فما يعد البكا إلا لأكرمِ مفقودِ
[ ١ / ١١٥ ]
فما أنتِ إن قصرتِ مني ولا أنا إذا لم تسل روحي دموعًا بمحمودِ
بروحي أحبابٌ مضوا وجلالهم يلوحُ لعيني منه أكملُ مشهودِ
تولوا وما عوضتُ من قربهم سوى تذكر عيشٍ مر لي غير مردودِ
هم وردوا قبلي من الموت منهلًا وها أنا صادِ وهو أقربُ مورودِ
أعددهم حزنًا وأبكي معددًا عليهم فحالي بين عد وتعديد
أولئك إخواني الذين فقدتهم كما يفقد الظامي المناهلَ في البيدِ
كأن رداهم واحدًا بعد واحدٍ على نسق الأحزان أسماءُ توكيد
أقول لأيام تقضت وشملنا كعقدٍ على جيد المسرة معقودِ
أأيامنا عودي بهم وضلالةٌ معالي لصم غير سامعةٍ عودي
ولكنها زورٌ المنى وخداعها تخيل أمرًا في الورى غير معهود
كفى حزنًا أن الأسى مبعث الأسى فآتيه في ماضيه علهُ تجديد
أسميهم حُزنا ليعلم أنه رثاءٌ أتى موجع القلب معمود
فيا أدمعي سحي ويا صبري انتقص ويالوعتي دومي ويا حرمتي زيدي
تولى ابن تمامٍ أخي ومصاحبي وأكرمُ محبوب إلي ومودود
وقد كان أحلى في فؤادي من المنى وأشهى لعيني من كرى بعد تسهيد
وقد كان لي في مصر أنسٌ مواصل فولى وقد وافى نعي ابن عبودِ
كريمٌ نمته دوحة الدين والتقى فطابَ وسر الأصل يظهر في العودِ
وأنكار ما راعَ الفوادَ رزيّةٌ أتت عن جلال الدين أكرمِ ملحود
تقي نقي طالما طرق الدجا بكف قنوتٍ كف من هدبه السودِ
ومن كان يحيى الليل لا مد دمعه براق وليس الجنب منه بممدود
ويشرق بالأسرار أهل قلبه فيصبح بالعرفان موطن توحيد
وأكرمٌ من غيثٍ وليه وأرأفُ من أم بأضعفِ مولود
[ ١ / ١١٦ ]
عزوف عن الأسباب جذ حبالها فجذت بسيف من تقى غير مغمود
تخلى عن الدنيا وفارق أنسها وما طرفه يومًا إليها بمردود
ومثرٍ من التقوى فقير بدانة إلى الله مجذوب بأكمل تجريد
أخي وحبيبي مؤنسي ومصاحبي ومن كان عندي يومُ رؤيته عيدي
ومن كنت أتيه فيفرجُ أنسه إسارَ فؤادٍ في يد الحظ مصفودِ
بكيت وما يُجدي البكاءُ وخطبُه أشد ولكن ذاك غايةُ مجهودي
وذاك لأجلي لا له إذ مدامعي شفاءٌ لما في أضلعي من جوى مودي
وإلا فما أغنى عن الدمع إذ سرى عن المنزل الغاني إلى دار تخليد
وإني لأرجو اللطف بي في لحاقة فلم يبق إلا أن أنادي كما نودي
أمن بعد قربي من ثمانين حجةً يخادعني إخلاء نفسي وتفنيدي
وقد سار قبلي من تقدمتُ عصره ونمتُ كأني بالردى غيرُ مقصود
سقى جَدثًا قد حله صوبُ رحمةٍ يسح بتكريرٍ عليه وترديد
ولو لم أسل القلبَ عنه برؤيتي أخاه لأودى بي بكائي وتسهيدي
ولكن لي في أنسه بعد وحشةٍ، لها حرقٌ في مهجتي أي تبريد
وقد كانت الأيام تبسط لي المنى بصحبته قدمًا فأنجزت موعودي
ولي في ابنه ظن جميل وإنه سيخلفه في الزهد والنسك والجود
فأحسن رب الناس فيه عزاءهُ وأجره فالأجرُ أفضلُ موجود
وجاد ثرى ذا نوء عفوٍ ورحمة وزان ذرى ذا نوءُ عز وتأييد