الشيخ الصالح الزاهد العابد البقاعي، المعروف بابن الصياح.
كان من كبار الصُلحاء الأخيار، وممن يتفتت المسك حسدًا إذا ذكرت عنه الأخبار، له سيماء الولاية، وعليه طلاوة القُرب والعناية، انعزل عن الناس، ووجد
[ ١ / ٦١ ]
في الوحشة الإيناس، انجمع فامتدت له المعارف، وانخزل فأجزلت له العوارف، وكان متوحشًا من نوعه، نافرًا عن الذي لا يراه في طوعه، يمشي في الجامع كأنه مُريب، وينفر حتى تقول: هذا غريب، لا يأنس بإنسان ولا يتألف بإحسان، من رآه قال: هذا طافح السكرة، لافح الجمرة، سافح العبرة، جامح الخطرة إلى الحضرة، جانح الفكرة إلى الخلاص من العثرة.
ولم يزل على حاله إلى أن دعاه مولاه فأسرع، واخضر له القبر فأمرى وأمرع. وتوفي رحمه الله تعالى في أول ليلة الأربعاء مستهل المحرم، سنة خمس وعشرين وسبع مئة. وحمله الناس على الأعناق والرؤوس والأصابع، ودفن بمقابر باب الصغير، وسبب موته أنه استدفأ بمجمرةٍ فاحترق، ودخل حجاب المنون واخترق، وكان له بيت في المئذنة الشرقية يأوي إليه، وكان كثيرًا ما يقول: يا دائم المعروف، يا دائم المعروف الذي لا ينقطع أبدًا ولا يحصى عددًا، يا الله.
ورثاه الأديب جمال الدين محمد بن نباتة بقوله:
على مثلها فلتهم أعيُننا العبرى وتطلق في ميدانها الشهبَ والجمرا
فقدنا بني الدنيا فلما تلفتت وجوهُ أمانينا فقدنا بني الأخرى
لفقدك إبراهيم أمست قلوبنا مؤججة لا برد في نارها الحرى
وأنت بجنات النعيم مُهنأ بما كنت تُبلي في تطلبه العُمرا
[ ١ / ٦٢ ]
عريتَ وجوعتَ الفؤاد فحبذا مساكنُ فيها لا تجوعُ ولا تعرى
بكى الجامعُ المعمورُ فقدك بعدما لبثت على رغم الديار به عُمرا
وفارقتهُ بعد التوطن ساريًا إلى جنة المأوى فسبحانَ من أسرى
كأن مصابيحَ الظلام بأفقه لفقدك نيرانُ الصبابةِ والذكرى
كانَ المحاريبَ القيام بصدره لفرقة ذاك الصدرِ قد قوست ظهرًا
مضيتَ وخلفت الدّيار وأهلها بمضيعةٍ تشكو الشدائد والوزرا
فمن لسهامِ الليل بعدك إنها معطلة ليست تراشُ ولا تبرى
ومن لعفافٍ عن ثراءٍ ثنى الورى عبيدَ الأماني وانثنيت به حرًا
سيعلم كل من ذوي المال في غدٍ إذا نصبَ الميزانُ من يشتكي الفقرا
عليك سلامُ الله من متيقظٍ صبورٍ إذا لم يستطع بشرٌ صبرا
ومن ضامر الكشحين يسبق في غدٍ إلى غايةٍ من أجلها تُحمد الضمرا
أيعلم ذو التسليك أنّ جفوننا على شخصهِ النائي قد انتثرت درا
وأن الأسى والحزنَ قد جال جولةً فما أكثر القتلى وما أرخص الأسرى
ألا ربّ ليل قد حمى فيه من وغى حمى الشام والأجفانُ غافلةٌ تكرى
إذا ضحك السمار حجب ثغره كذلك يحمي العابدُ الثغر والثغرا
إلى الله قلبًا بعده في تغابنٍ إلى أن أرى صف القيامة والحشرا
لقد كنتُ ألقاهُ وصدري محرج فيفتحُ لي يسرا ويشرحُ لي صدرًا
والثمُ يُمناه وفكري ظامئ كأني منها ألثمُ الوابل الغمرا
أمولاي إني كنت أرجوك للدعا فلا تنسني في الخلد للدعوة الكبرى
سقى القطرُ أرضًا قد حللت بتربها وإن كنت أستسقي بتربتك القطرا
[ ١ / ٦٣ ]