يروى عن تقواها - ﵂ - كثير من الوقائع التي تدل على تغلغل الإيمان والإسلام في أعماق قلبها وفي صميم وجدانها، فقد صلى النبي - ﷺ - ذات مرة الفجر ثم خرج من عندها فجلس حتى ارتفع الضحى ثم جاءها في بيتها وهي لا تزال في مصلاها حيث أدت فريضة الفجر خلفه فقالت: ما زلت بعدك يا رسول الله دائبة.
فقال - ﵊ -: «ولقد قلت بعدك كلمات لو وزنَّ لرجحن بما قلت: سبحان الله عدد خلقه وسبحان الله رضا نفسه، وسبحان الله وزن عرشه، وسبحان الله مداد كلماته».
ويروي أيضًا عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - دخل على جويرية بنت الحارث يوم الجمعة وهي صائمة فقال لها: أصمت أمس؟ قالت: لا، قال: أفتريدين الصوم غدًا؟ قالت لا، قال: فأفطري إذًا.
بينها وبينه زوجاته - ﷺ - المرأة هي المرأة في كل زمان ومكان قد ركب الله - ﷾ - فيها غرائز معينة محددة فهي تتسلل في الإنسانية والبشرية منذ حواء إلى يومنا هذا وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
[ ١٠ ]
ولقد سبق لنا أن تحدثنا في أكثر من مناسبة عن عاطفة الغيرة التي كانت تثور وتتفاعل في نفوس زوجات النبي - ﷺ -، إحداهن تغير من الأخرى ومن الجديدة دائمًا على وجه الدقة، ولقد كوَّنَّ - ﵅ - فيما بينهن ما يشبه الأحزاب أو التكتلات وكانت عائشة وحفصة في جبهة واحدة، وكذلك الأخريات، ونحب أن نقول بأن تلك الغيرة قد تهذبت كثيرًا وخفت حدتها بفضل الله ثم بتوجيهات الرسول العظيم والنبي الكريم - ﷺ -.
وأيضًا فإن تلك الغيرة لم تكن تخرج من إطار محمود إلى مجال الأذى أو الضرر.
ولقد جاءت (جويرية) - ﵂ - ذات يوم ولم يكن قد مضى على زواجها إلا أيام قلائل إلى رسول الله - ﷺ - وسيماء الحزن والأسى بادية على عينيها الدامعتين ثم قالت: يا رسول الله إن نساءك يفخرن علي يقلن لم يتزوجك رسول الله - ﷺ - فهدهد - ﵊ - من ثورة نفسها وطمأن من حدة غضبتها وحزنها وقال لها: «ألم أعظم صداقك؟ ألم أعتق أربعين من قومك؟».
فسكتت جويرية - ﵂ - سكوت الرضا ومسحت دمعتين جرتا على وجنتها.
أم المؤمنين:
ولقد أصبحت - ﵂ - بإكرام النبي - ﷺ - لها وإعزازه لمكانتها درة ثمينة في عقد زوجاته الفاضلات.
[ ١١ ]
وضرب عليها الحجاب مثلهن وفرض عليها ما فرض عليهن من الواجبات ولها ما لهن من الحقوق.
وكان يقرع لها مثلهن في الخروج معه - ﷺ - في الغزوات وفي الحج والعمرة، وكذلك كان يسهم لها فيما يحصل عليه المسلمون من غنائم.
وقد ذكر أن رسول الله - ﷺ - قد أطعم جويرية يوم خيبر ثمانين وسقًا تمرًا وعشرين وسقًا قمحًا.
والذي يراجع يرى أنه - ﷺ - اصطحب أكثر نسائه في يوم خيبر، ترى هل كان ذلك إرهاصًا وتنبؤًا بطول المقام والحصار.
إن مجريات حياته كانت وفق تدبير إلهي علوي، كلا التفسيرين مقبول والله أعلم.