وفتر الوحي وتوقف مدة عن رسول الله - ﷺ -، مما جعل لألسنة السوء والفحشاء مجالًا وميدانًا فسيحًا !
ولم يبق أمام رسول الله - ﷺ - إلا المواجهة فعزم على الذهاب إلى دار أبي بكر - ﵁ - وحين دخل - ﵊ - إلى الدار كانت عائشة تبكي وبجوارها امرأة من الأنصار، فكفكفت دمعها ومسحت عينيها، ثم جلس رسول الله قبالتها يسألها: «يا عائشة إنه قد كان ما بلغك من قول الناس فاتقي الله؛ فإن كنت قد قارفت سوءًا مما يقولون فتوبي إلى الله إن الله يقبل التوبة من عباده». ونزل القول على رأس عائشة نزول الصاعقة، فخيم الصمت الرهيب على المكان وشمل الجميع السكوت .. ولكن عائشة وحدها تكلمت ودموعها تدفقت من عينيها بغزارة، تكلمت لتدافع عن نفسها ثم نظرت إلى والديها وقالت صائحة صارخة: ألا تجيبان؟ !
[ ١٥ ]
فقالا: «والله ما ندري بماذا نجيب». فعادت إلى البكاء مع النشيج والنحيب، وقد تقطعت نياط قلبها حزنًا وألمًا ثم التفتت إلى
رسول الله - ﷺ - قائلة: «والله، لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبدًا والله إني لأعلم لئن أقررت بما يقول الناس، والله يعلم أني بريئة لأقولن ما لم يكن، ولئن أنكرت ما يقولون لا يصدقوني، إنما أقول كما قال أبو يوسف (يعقوب - ﵇ -) «فصبر جميل والله المستعان على ما يصفون»، ثم عاد السكون يلف المكان بردائه الشامل، وشعر رسول الله بأن الوحي يكاد ينزل عليه فسجى في ثوبه وأتته عائشة بوسادة من أدم وضعتها تحت رأسه وفزع الجميع إلا عائشة الطاهرة البرئية.
وحين استفاق -﵊- من غشية الوحي وهو يتصبب عرقًا كالجمان قال: «أبشري يا عائشة قد أنزل الله براءتك !» فصاحت والفرحة تغمر قلبها: «الحمد الله» ثم تلا رسول الله - ﷺ - قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا
[ ١٦ ]
يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١١ - ١٨].
ثم أمر رسول الله - ﷺ - بالأشخاص الذين كانوا يروجون ويفترون ويقذفون فنالوا جزاءهم.
وعادت الطاهرة البريئة إلى بيتها وإلى مقامها في قلب رسول الله - ﷺ - وإلى مكانتها الرفيعة في نفوس المسلمين جميعًا.