كان مولد (إبراهيم) عزاء وسلوى ورجاء وأملًا واستمرت الفرحة ستة عشر شهرًا في بيت مارية ولكن هذه الآمال لم تدم طويلًا إذ مرض الطفل مرضًا شديدًا، فقامت مارية وأختها سيرين على تمريضه ورعايته .. لكن المرض اشتد ولم يمهله .. وظهرت عليه ذات يوم علائم الاحتضار فبلغ النبي - ﷺ - فحزن حزنًا شديدًا وتألم ألمًا بالغًا وأحس بضيق لم يحسه من قبل فأتى داره معتمدًا على أحد الصحابة لشدة ما أحس به من ألم وما أصابه من إعياء فوجد
[ ٦ ]
(إبراهيم) في حجر أمه الباكية يجود بآخر أنفاسه، فأخذه منها برفق ووضعه في حجره وضمه إلى صدره ليهدأ القلب المضطرب والصدر اللاهث .. ثم غمره - ﷺ - حزن شديد وألم دام وقال: «إنا يا إبراهيم لا نغني عنك من الله شيئًا» ثم تساقطت عبراته ودموعه - صلوات الله وسلامه عليه - وسكتت أمه متألمة وصاحت أختها سيرين باكية ولم ينههما الرسول عن ذلك وأخذ ينظر إلى جثمان فلذة كبده المسجي في حجره ولا حراك به ولا حياة ينبض بها وتبددت الآمال التي أشرقت يوم مولده، وذهبت شعاعًا مع روحه التي استردها ربها فقال - ﷺ -: «يا إبراهيم لولا أنه أمُر حق ووعد صدق وأن آخرنا سيلحق بأولنا لحزنا عليك أشد من هذا».
قال في رواية أخرى: «القلب يحزن والعين تدمع ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، إنا لله وإنا إليه راجعون».
وكأنه بهذه الكلمات - ﷺ - يواسي مارية الأم المسكينة وقد أحس في أعماق ذاته الشريفة مدي مرارتها ومبلغ تألمها ومسح - ﷺ - وجفف عبراته وهو يقول: «العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بك يا إبراهيم وعليك لمحزونون».