بلدتنا مكناسة الزيتون بكسر الميم كما جزم به ياقوت الحموى في معجم البلدان والفيروزابادى في القاموس. وقد تقال بدون هاء عند عدم الإضافة، ولم تكن إضافتها للزيتون مقارنة لنشأتها، وإنما حدثت بعد ذلك عند إنشاء الزيتون بها، وإنما صارت تضاف إليه وقتئذ للتحرز عن مكناسة القبيلة الحالة أحواز تازا التي بينها وبين فاس مائة وثمانية وعشرون كيلو مترا للذاهب من باب الساكمة بالكاف المعقودة أحد أبواب فاس، والساكمة التي ينسب هذا الباب إليها هى امرأة مجذوبة توفيت قرب عام خمسين ومائة وألف ودفنت يسار الخارج من الباب المذكور، فصار الباب ينسب إليها ذلك.
ووجه تسمية بلدتنا بمكناسة سكنى طائفة من القبيلة البربرية الشهيرة بمكناسة بها وذلك في سالف الدهور ونسبة هذه القبيلة هى لجدهم مكناس بن ورصطيف البربرى، وتلخيص ما في المقام أن فرقة من قبيلة مكناسة نزل البعض منها شرقى
[ ١ / ٤٤ ]
مدينة فاس وهم الذين أفصحنا سابقا بكون مقرهم أحوار تازا ونزل بعض آخر منها غربى مدينة فاس على مسافة ستين كيلو مترا وهم سكان هذه المدينة في الأعصر المتقادمة.
وأشار ابن الرقيق إلى أنهم هم الذين أنشئوها، وأن سكانهم أولا كانت في بيوت الشعر، ثم حملتهم الثروة على التخاصم وإجلاء الأقوى للأضعف، فصاروا بذلك يتخذون الدور بموقع مكناسة ويتابع بعضهم في ذلك بعضا إلى أن كثرت دورها وصارت من أعاظم المدن، وصرح بذلك حسن بن محمد الوزان الغرناطى ثم الفاسى الشهير في أوربا بجان ليون في "رحلته" وعليه فنسبتها إليهم لإنشائهم لها وسكانهم بها، وقد كان اختطاطهم لها قديما قبل الإسلام كما أفصح به بعض المؤرخين، وصرح بعض المعاصرين من الأوربيين في مؤلف له في مكناسة بأن ذلك كان في القرن الرابع قبل ميلاد سيدنا عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وكان تمدنها وقتئذ عبارة عن قرى متعددة كما يأتى عن ابن غازى.
تنبيهان اثنان: الأول: ما سبق من أن بين فاس ومكناسة ستين كيلو مترا هو الذى حرره أهل الفن من الدولة الحامية الآن، وقد حققوا ذلك بعلامات نصبوها على رأس كل عدد كما هو شأنهم في أمثال ذلك، وعليه فما وقع في رحلة حسن ابن محمد الوزان من أن بين فاس ومكناس ستة وثلاثين ميلا (١) وكذا ما وقع في كتاب فتوحات مولاى رشيد، ومولاى إسماعيل لمؤلفه مويت الفرنسى، من أن بين مكناسة وفاس الجديد ثمانية وأربعين ميلا.
وكذا ما وقع في الروض الهتون هنا من قوله مرة إن بين مكناس وفاس نحوا من ثلاثة برد ونصف بريد.
وقوله: مرة أخرى إن بينهما نحو أربعين ميلا. هـ.
_________________
(١) وصف إفريقيا لابن الوزان -ص ٢١٩.
[ ١ / ٤٥ ]
كله مبنى على المتعارف عند أهل كل وقت أو ناحية في قدر الميل فإنه يختلف باعتبار ذلك؛ ولذلك وقع الاختلاف في حد الميل إلى أقوال كثيرة كما في القاموس وغيره وأيضا فقد كانت التقديرات مبنية على التقريب غالبا عند المتقدمين، وكذا يقال في المسافة التي بين تازا وفاس فإن القدر الذى قدرناه فيها هو الذى حرره أهل الفن الآن وحققوه على الوجه السابق، فينبغى أن يختبر به قول الروض هنا إن بينهما نحوا من سبعة برد.
ومن أبين طرق التوفيق أن يقال: إن المسافة التي قدر من قدمنا ذكرهم هى باعتبار الطرق التي كانت مطروقة في أزمنتهم والطرق الموجودة الآن هى غير تلك، لأنها تفارقها تارة وتجامعها أخرى، بحسب ما يقتضيه الخط الهندسى العصرى بالنسبة للسهل والوعر منها كما هو مشاهد وهو جمع حسن والله أعلم.
ولا تظن أن تحرير هذا المبحث لا أهمية له فإن عليه ينبنى مشروعية قصر الصلاة وعدمه لقاطع تلك المسافة، وذلك مما كان يتردد فيه أهل العلم لعدم تحرير قدرها.
الثانى: جزم في الروض هنا بأن مكناسة فرقة من زناتة، والذى جرى عليه ابن خلدون والقلقشندى في صبح الأعشا وابن الخطيب في الحلل الموشية وغيرهم أن مكناسة قبيلة مغايرة لزناتة، وإنما جعلت الإضافة للزيتون فارقا لأن الشيء يتميز عن غيره بخاصته التي اختص بها، إما باعتبار الوجود، وإما باعتبار الكثرة، والثانى هو المراد هنا.
فإن مدينتنا هذه كانت امتازت بكثرة زيتونها كثرة تليق بإضافتها إليه، وإنما قيدت بقولى كانت وبقولى كثرة تليق إلخ، لأن تلك الكثرة امتازت بها قبل لم تبق لهذا العهد ولا فيما قبله بكثير بما توالى عليها من الفتن والأهوال والحروب واختلاف الدول وتقلبات الأحوال، سنة الله التي قد خلت في أرضه وعباده ولأن
[ ١ / ٤٦ ]
[صورة تقريبية تمثل الهيأة التي كان عليها قصر الستينية على عهد السلطان الأعظم مولاي إسماعيل]
[ ١ / ٤٧ ]
زيتون فاس كان يزيد على زيتونها بنحو ثلاثة أعشار وما وقع في كتاب الاستبصار بعجائب الآثار المؤلف سنة سبع وثمانين وخمسمائة من أن زيت مكناسة أكثر زيت في جميع المغرب (١) يتعين تأويله بما يوافق ما ذكرناه.
قال ابن غارى في روضه: وغارس جل زيتونها وزيتون المقرمدة بفاس وزيتون رباط تازا هو عامل بلاد المغرب محمد بن عبدو الله بن واجاج أوائل أيام الموحدين، وقد كان يبلغ ثمن حب زيتونها عام حمله خمسة وثلاثين ألف دينار - أى مائة وخمسة وسبعين ألف فرنك تقريبا باعتبار صرف وقتنا هذا وهو رجب عام تسعة وثلاثين وثلاثمائة وألف = وذلك قبل أن يستولى على المغرب تخريب بنى مرين عند اختلال أمر الموحدين (٢).
قلت: وهذا القدر الذى كان يبلغه ثمن الحب إذ ذاك له بال بالنسبة لذلك الزمان وسكته وسنبينه فيما يأتى بحول الله على مبدأ الدولة الموحدية وعلى وجه نسبتها للتوحيد وابن غازى المذيل بهذا على روضه تأتى ترجمته في المحمدين من رجال مكناسة إن شاء الله.
ومكناسة من البلادات العظيمة كما في شرح القاموس وكتاب الاستبصار ودونك لفظ الاستبصار: وهى من البلادات العتيقة المجيدة، إلى أن قال: وهى من عز (٣) بلاد المغرب، لها أنظار واسعة (٤) وقرى عامرة وعمائر متصلة (٥).
وقال غيره: وكانت المداشر محدقة بها من كل جهة، كل مدشر بمزارعه وغراساته ومرابعه إلى أن ظهر فساد السعيد بن عبد العزيز في أرض المغرب،
_________________
(١) الاستبصار في عجائب الأمصار، ص ١٨٨.
(٢) الروض الهتون. ص ٥٠.
(٣) في المطبوع: "أعز" والمثبت من الاستبصار الذي ينقل عنه المصنف.
(٤) في المطبوع: "متسعة" والمثبت رواية الاستبصار الذي ينقل عنه المصنف.
(٥) الاستبصار، ص ١٨٨.
[ ١ / ٤٨ ]
وذلك في العشرة الثانية من القرن التاسع، فخلا المداشر وانجلى عنها أهلها، خلا من مداشرها اثنا عشر ألف مدشر والبقاء لله تعالى.
قلت: وهى واسطة عقد عواصم المغرب فاس ومراكش.
واقتصر ياقوت الحموى المولد الرومى الأصل البغدادى الدار المتوفى بحلب سنة ست وعشرين وستمائة في كتابه "معجم البلدان" على أنهار اسم جامع لمدينتين صغيرتين على ثنية بيضاء بينهما حصن [جواد] اختط إحداهما يوسف بن تاشفين والأخرى قديمة (١).
قلت: وكأنه يعنى بالقديمة تاورا المشتملة زمن عمارتها على الحمامات والمسجد الجامع، وغير ذلك مما يأتى لأن الخراب وإن وقع في مكناسة القديمة سنة خمس وأربعين وخمسمائة فإن تاورا وغيرها عمرت بعد ذلك إلى سنة ست عشرة وستمائة كما يأتى بحول الله فترقب، وقد كان ياقوت في هذا التاريخ موجودًا وتأخرت وفاته عنه بنحو عشر سنين كما تقدم.
لكن في "نشق الأزهار" لشمس الدين محمد بن أحمد بن إياس الحنفى ما نصه: أجل مدائن مكناسة مدينتان إحداهما تسمى تاقررت (٢) وهى مدينة مرتفعة عن الأرض، وشرقها نهر عليه أرحاء بالماء، وبها بساتين، وأهلها ذوو مال وثروة، وإليها ينسب عسل النحل المكناسى.
والمدينة الأخرى تسمى بنى زياد، وهى مدينة عظيمة لم يكن في المغرب أنزه منها وبها نهر يجرى في شوارعها وأسواقها ودورها، وبها حمامات وهى مدينة مشهورة.
وكتاب "نشق الأزهار" هذا فرغ مؤلفه من تأليفه في رابع عشر شعبان عام اثنين وعشرين وتسعمائة هجرية فصاحبه متأخر عن ياقوت، وقد صرح بأن ثانى
_________________
(١) معجم البلدان ٥/ ١٨١.
(٢) في المطبوع: "أكرارت" والمثبت رواية نزهة المشتاق ١/ ٢٤٤ التي ينقل عنها المصنف.
[ ١ / ٤٩ ]
المدينتين المعتبرتين في مكناس بنى زياد، فمن الجائز أن تكون هى المرادة لياقوت بالمدينة القديمة، ويقوى ذلك ما يأتى عن نزهة المشتاق من أن مكناسة مدينة بنى زياد وأنها مدينة عامرة لها أسواق وحمامات وديار حسنة والمياه تخترق أرقتها، وأنها لم يكن في أيام الملثم أعمر قطر منها إلخ.
ولا يمكن أن يكون عنى بالقديمة وليلى لأن مدينة وليلى لا تعرف باسم مكناس، وإن كانت مجاورة له، ولأنها كانت بطلت عمارتها وخربت إلا النادر منها قبل ولادة ياقوت بما يزيد على مائتين من السنين، ولأن مكناسة القديمة بربرية كما تقدم وليلى رومانية كما يأتى ولغير ذلك مما سيفصل بعد.
ولا تنافى بين الصغر الموصوفة به مدينة مكناس في نقل ياقوت وبين العظم الموصوفة به في نقل شارح القاموس لأن شارح القاموس تأخر زمنه عن رمن ياقوت بالكثير فكل منهما وصفها بما كانت عليه في زمنه.
وزمن شارح القاموس متأخر عن زمن المولى إسماعيل مصير مكناسة على ما هى عليه من العظم حتى الآن فلذلك وصفها به، وأما المدينة الثانية في كلام ياقوت فهى الموجودة الآن.
وقول المعجم على ثنية بيضاء قال الراغب: الثنية من الجبل ما يحتاج في قطعة وسلوكه إلى صعود وحدور فكأنه يثنى السير.
هذا هو الواقع هنا فإن الآتى لمكناسة من ناحية زرهون يكون من عبوره وادى بُورُوح -بضم الباء وسكون الواو وضم الراء بعدها واو ساكنة ثم حاء مهملة - في صعود إلى أن يدخلها، وكذلك الآتى إليها من ناحية فاس من عبوره وادى وَيْسَلَنَ بفتح الواو وسكون الياء وفتح السين المهملة بعدها وفتح اللام -كذا رأيته- مضبوطا بخط صاحب الروض الهتون- يكون أيضا في صعود إلى أن يدخلها من سائر أبوابها والخارج منها ينحدر.
[ ١ / ٥٠ ]