[في نعوتها التي أسلت عن الحسناء والحسن] [وأنست من البقاع سواها كل سهل وحزن]
قال في الروض: ولو لم يكن من مفاخر مدينة مكناسة إلا اشتمال عملها على مدفن وليّ الله تعالى المجمع عليه شيخ المشايخ سيدى أبى يعزى، لكان كافيا وقد ذكرت في الفهرسة المرسومة بالتعلل برسوم الإسناد -بعد انتقال أهل المنزل والناد- بعض من لقيت بها كالشيخ الفقيه المتفق أبى زيد عبد الرحمن الكوانى، والشيخ الأستاذ أبى الحسن بن منون الحسنى، والشيخ الخطيب الأحفل أبى العباس أحمد بن سعيد الغفجميسى، كما ذكرت هناك شيخنا العلامة أبا عبد الله القورى فيمن لقيت بمدينة فاس كلأها الله تعالى، وكان هذان الشيخان قد ارتحلا من مكناسة إلى فاس وصبب ارتحالهما مشهور عند الناس، فلنقبض عنه العنان والله المستعان. اهـ. من خطه (١).
قلت: أبو يعزى (٢)، هو الولى الكامل العارف الشهير قال فيه اين أبى زرع في "روض القرطاس": قطب دهره، أعجوبة عصره، أبو يَعْزَى يِلَنُّور بن ميمون ابن عبد الله الهزميرى، قيل من بنى صبيح من هسكورة، مات وقد نيف على المائة وثلاثين سنة، أقام منها عشرين سنة سائحا في الجبال المشرفة على تنميل، ثم ارتحل إلى السواحل فقام بها منقطعا ثمانى عشرة سنة، لا يتعيش إلا من نبات الأرض، وكان أسود كبدى اللون طويلا رقيقا يلبس تليسا وبرنسا مرقعا وشاشية عزف على رأسه. اهـ.
ونقل في المعزى عن عصريه مولانا عبد القادر الجيلانى أنه قال فيه إنه عبد حبشى. اهـ.
_________________
(١) الروض الهتون - ص ١٢٥.
(٢) له ترجمة في شرف الطالب في موسوعة أعلام المغرب ١/ ٣٦٥.
[ ١ / ٢٧٤ ]
وكذا اختلفوا في اسم أبيه فقيل: ميمون كما تقدم، وقيل عبد الرحمن، وقيل عبد الله، وقد كان وجهه عاريا لا شعر فيه، وما وقع في كلام الشيخ زروق من أنه دكالى فهو باعتبار كثرة مكثه بدكالة، وليس هو من نفس دكالة كما بينه في المعزى، وكان بربرى اللسان أميا لا يحفظ إلا الفاتحة والإخلاص والمعوذتين، ومع ذلك كان يرد على من أخطأ في القراءة عنده، ويلنُّور هو اسمه وقيل يالبخث.
من شيوخه: أبو شعيب أيوب بن سعيد الصنهاجى دفين آزمور خدمه كثيرا، ومن شيوخه أبو عبد الله بن آمغار وغيرهما من الشيوخ الذين لقيهم، وهم نحو أربعين.
وممن أخذ عن أبى يعزى: أبو مدين الغوث المتوفى سنة أربع وتسعين وخمسمائة المدفون حذو تلمسان، وممن أخذ عنه أيضا الشيخ الفقيه الصالح، الإمام المرشد الناصح، سيدى على بن إسماعيل بن محمد بن عبد الله بن حِرْزهم - بكسر الحاء المهملة وسكون الراء وبعدها زاى- وربما قيل ابن حرازهم كما في الطبقات الكبرى للسبكى (١) وغيره المتوفى بفاس آخر يوم من شعبان سنة تسع وخمسين وقيل ستة وستين وخمسائة وغيرهما من أئمة الشريعة والحقيقة رضوان الله عنهم.
توفى أبو يَعْزَى كما سبق عن نحو مائة وثلاثين سنة في شهر شوال سنة اثنين وتسعين وخمسمائة (٢)، ودفن بثاغية من جبل أيرجان ويقال فيه أركان -بالكاف المعقودة- وقبره هنالك إلى الحين الحالى مزارة عظيمة عليه مشهد فاخر، هو والله أعلم من بناءات مولانا الجدابى النصر مولانا إسماعيل.
وكشف أبى يعزى وكراماته وطاعة الأسود له واستجابة دعاء زائريه وقضاء
_________________
(١) طبقات السبكى ٦/ ٢٥٨.
(٢) في شرف الطالب: "سنة ٥٦١ هـ".
[ ١ / ٢٧٥ ]
حوائجهم بإذن الله تعالى وإطعامه لزائريه الأطعمة المتنوعة كل وما يناسبه، واقتصاره في نفسه على نبات الأرض وما تأكله البهائم أشهر من أن يذكر، وأجلى من أن يسطر.
وقد أفرد مناقبه ابن أبى القاسم الصومعى بمجموع فلينظر، وكان ابن غازى عنى بكون مدفن أبى يعزى من عمل مكناسة أنه كان داخلا تحت حكم ولاته، وقد انفصل محل دفنه من عمل عمال مكناسة قديما وصار من جملة عمل عمال قبيلة زيان، ولا ريب أن افتخار مدينة مكناسة بالقرب من مولانا إدريس الأكبر أجل وأعظم من افتخارها بالقرب من أبى يعزى.
قال في "الروض": نقل عن ابن الخطيب السلمانى في وصف هذه البلدة في كتابه "نفاضة الجراب" ما صورته وأطلت مدينة مكناسة في مظهر النجد، رافلة في حلل (١) الدوح، مبتسمة عن شنب المياه العذبة، سافرة عن أجمل المرأى، قد أحكم وضعها الذى أخرج المرعى، قيد البصر، وفذلكلة الحسن، فنزلنا بها منزلا لا تستطيع العين أن تخلفه حسنا ووضعا، من بلد دارت به المجاشر المغلة، والتفت بسورة الزياتين المفيدة، وراق بخارجه للسلطان المستخلص الذى يسمو إليه الطرف، ورحب ساحة، والتفاف (٢) شجرة، ونباهة بنية، وإشراف ربوة.
ومثلت بإزائها الزاوية القُدْمى المعدة للوراد، ذات البركة النامية، والمئذنة السامية، والمرافق المتيسرة، يصاقبها الخان البديع المنصب، الحصين الغلق، الغاص بالسابلة والجوَّابة في الأرض يبتغون من فضل الله، تقابلها غربا الزاوية الحديثة المربية برونق الشبيبة، ومزية الجدة والانفساح، وتفق الاحتفال (٣) انتهى.
_________________
(١) في المطبوع: "حلة" ومثله في الروض - ص ١٢٦ والمثبت من نفاضة الجراب - ص ٣٧١.
(٢) تحرف في المطبوع إلى: "والتفات" وصوابه من النفاضة.
(٣) الروض الهتون - ص ١٢٦، نفاضة الجراب - ص ٣٧١ - ٣٧٢.
[ ١ / ٢٧٦ ]
والزاويتان معا من بناء أمير المسلمين أبى الحسن المرينى، جدد الله تعالى عليه رحمته بفضله، إلا أن الأولى بناها في دولة أبيه، والثانية بناها بعد استقلاله بالدولة.
ثم قال ابن الخطيب: وبداخلها مدارس ثلاث لبث العلم كلفت بها الملوك الجلة الهمم، وأخذها التنجيد، فجاءت فائقة الحسن: ما شئت من أبواب نحاسية وبرك فياضة تقذف فيها صافى الماء أعناق أسدية وفيها خزائن الكتب والجراية الدارة على العلماء والمتعلمين (١).
وتفضل هذه المدينة كثيرا من لداتها بصحة الهواء وتبحر أصناف الفواكه، وتعمير الخزين، ومداومة البر لجوار ترابها سليما من الفساد، معافى من العفن، إذ تقدم ساحات منازلها غالبا على أطباق الآلاف من الأقوات تتناقلها المواريث، ويصحبها التعمير وتتجافى عنها الأرض، ومحاسن هذه البلدة المباركة جمة قال ابن عبدون من أهلها ولله دره:
إن تفتخر فاس بما في طيها وبأنها في زيها حسناء
يكفيك من مكناسة أرجاؤها والأطيبان هواؤها والماء (٢)
ويسامتها شرقا جبل زرهون، المنبجس العيون، الظاهر البركة المتزاحم العمران الكثير الزياتين والأشجار، قد جلله الله شكرًا ورزقا حسنًا فهو عنصر الخير ومادة المجبى وفى المدينة دور نبيهة، وبنى أصيلة، والله تعالى ولى من اشتملت ليه بقدرته.
وفيها أقول:
بالحسن من مكناسة الزيتون قد صح عذر الناظر المفتون
_________________
(١) نفاضة الجراب - ص ٣٧٢.
(٢) نفاضة الجراب - ص ٣٧٢.
[ ١ / ٢٧٧ ]
فضل الهواء وصحة الماء الذى يجرى بها وسلامة المخزون
سحت عليها كل عين ثَرة للمزن هامية الغمام هَتُون
فاحمر خدُّ الورد بين أباطح وافترّ ثغر الزهر فوق غصون
ولقد كفاها شاهدا مهما ادعت قصب السياق القربُ من زَرْهُون
جبل تضاحكت البروق بجوِّه فبكت عِذَابُ عيونه بعيون
وكأنما هو بربرى وافد (١) في لوحه والتين والزيتون
حييت من بلد خصيب أرضه مثوى أمان أو مناخ أمون
وضفت عليك (٢) من الإله عناية تكسوك ثوبى أمنة وسكون (٣)
انتهى.
ما قصدنا نقله من نفاضة الجراب، ولم أكن وقفت عليها حين ابتدأت هذا المجموع فلذلك اقتصرت في صدره على الخمسة الأبيات التي علقت بحفظى من هذه القصيدة.
وقال في "ريحانة الكتاب. ونجعة المنتاب": مكناسة مدينة أصيلة، وشعب للمحاسن وفصيلة. فضلها الله تعالى ورعاها، وأخرج منها ماءها ومرعاها، فجانبها مريع، وخيرها سريع، ووضعها له في فقه الفضائل تفريع، عدل فيها الزمان، وانسدل الأمان، وفاقت الفواكه فواكهها، ولا سيما الرمان، وحفظ أقواتها الاختزان، ولطفت فيها الأوانى والكيزان، ودنا من الحضرة جوارها، فكثر قصادها من الوزراء وزوارها، وبها المدارس والفقهاء، ولقصبتها الأبهة والبهاء، والمقاصير والأبهاء. انتهى. من خطه.
_________________
(١) كذا نفاضة الجراب والروض الهتون. وفى المطبوع: "نافذ".
(٢) في نفاضة الجراب: "وضعت إليك"، وما هنا في الموضعين رواية: "الروض الهتون".
(٣) الخبر والأبيات في الروض الهتون - ص ١٢٨، ونفاضة الجراب - ص ٣٧٢ - ٣٧٣.
[ ١ / ٢٧٨ ]
قلت: "نفاضة الجراب. في علالة الاغتراب. بمن بقى من الأصحاب" هى في أربعة أسفار.
"وريحانة الكتاب. ونجعة المنتاب. في الرسائل والمكاتبات" في جزء ضخم وهى مما ضمته مكتبتنا، وقد وهم من قال إنها في ثمانية أسفار، وما نقله ابن غازى عنها مثله باللفظ لابن الخطيب أيضا في "معيار الاختيار، في ذكر المعاهد والديار"، ومراد ابن الخطيب بالحضرة فاس، كما نبه في "نفح الطيب" قائلا: ويعنى بالحضرة مدينة فاس المحروسة، لأنها إذ ذاك كرسى الخلافة ومكناسة مقر الوزارة، وأهل المغرب يعبرون عن المدينة التي فيها كرسى الخلافة بالحضرة (١) هـ.
وأبو عبد الله بن الخطيب هو الإمام القدوة الهمام، بغية الآمل، العالم الأديب الكامل، الفقيه الأكتب المتحلى بأجمل الشمائل، الحافظ المتقن، المدرس المتفتن، ذو الوزارتين، لسان الدنيا والدين، وفخر الإسلام بالأندلس في عصره أبو عبد الله محمد بن الفقيه الرئيس عبد الله بن الفقيه الكاتب القائد سعيد بن عبد الله بن الفقيه الصالح ولى الله سعيد بن على بن أحمد السلمانى القرشى القرطبى الأصل ثم الطليطلى ثم اللوشى ثم الغرناطى المالكى المذهب. يعرف بيتهم قديما ببنى الوزير، وحديثا بلوشة ببنى الخطيب، ولد في الخامس والعشرين من شهر رجب سنة ثلاث عشر وسبعمائة، وقرأ القرآن أولا على أبى عبد الله بن عبد المولى العواد، ثم على أستاذ الجماعة أبى الحسن القيجاطى، وقرأ العربية والفقه والتفسير على العلامة أبى عبد الله البيري، وقرأ على الخطيب ابن جزى، وعلى قاضى الجماعة أبى عبد الله بن بكر، وتأدب على الرئيس ابن الجياب، وأخذ الطب والتعاليم وصناعة التعديل عن أبى زكريا بن هذيل، وقرأ على العلامة أبى القاسم محمد بن أحمد السبتى قاضى الجماعة بغرناطة المتوفى سنة إحدى.
_________________
(١) نفح الطيب ٦/ ٢١٣.
[ ١ / ٢٧٩ ]
وستين وسبعمائة، وعلى العلامة شمس الدين أبى عبد الله محمد بن جابر المتوفى سنة سبعمائة وتسع وسبعين، وعلى العلامة محمد ابن محمد بن أحمد القرشى المَفرِى قاضى القضاة بفاس وغيرها من العلماء الأعلام.
وأخذ عنه أفاضل الفطاحل من قادة العلم كابن المهنى، والوزير ابن زمرك، وأبى عبد الله الشريشى، وأحمد بن سليمان بن فركون، وأبى محمد بن عطية وغيرهم.
وترجمته أفردت بالتأليف، توفى شهيدا بفاس سنة ست وسبعين وسبعمائة ودفن خارج باب الشريعة المعروف اليوم بباب محروق، وضريحه الآن عليه حوش صغير بمقابلة من روضة سيدى عبد النور، يفصل بينهما الطريق الممرور عليها لظهر الخميس.
والزاويتان اللتان وصفهما ابن الخطيب في كلامه المتقدم، هما: الزاوية القورجية، وزاوية باب المشاورين، والمدارس الثلاث، هى: مدرسة الشهود، والمدرسة الجديدة، وهى المعروفة اليوم بالبوعنانية، ومدرسة سماط العدول الآن، والقصبة هى: المرينية وقد بينا فيما سبق ما يتعلق بذلك كله.
وفى وصف هذه البلدة أيضًا يقول قاضى الدولة الإسماعيلية بها العلامة المبرز سيدى أبو مدين السوسى في كتاب رفعه لمولانا إسماعيل: هذه الحضرة المشرفة بعناية مولانا إذ جعلها من ثماره. واصطفاها لقربه وجواره. وشنفها من بديع الفراديس ورفيع القباب، بما لو رآه الإسكندر لاعترف بأنه العجب العجاب، قد حليت من المحاسن بمنتهاها، وأسعدها الإسعاف بنيل أرفع مشتهاها، والعلوم قد تدفقت بها أنهارها، وتفتقت على أرج التحصيل أزهارها هـ.
وقد أكثر الشعراء والكتاب قديما وحديثا من وصف هذه المدينة التي كل بلد من محاسنها مدينة، وذكر شرفها الأصيل، والتفنن في نشر ذلك في قوالب
[ ١ / ٢٨٠ ]
الإجمال والتفصيل، فمن ذلك قول العلامة الذى لا يحتاج إلى التمييز بعلامة سيدى محمد بن أحمد السناوى:
كذب الذين ترفعت في زعمهم فاس على مكناسة الزيتون
وأصاب من جعلت له مكناسة دار الإمارة والعلا والدين
بأبى العمائر عمرت أرجاؤها وترنمت أطيارها في الحين
وقول علامتها وقاضيها أبى القاسم بن سعيد العميرى مذيلا لهذه الأبيات، ومعددا ما أحرزته من فاخر محاسن الصفات:
خطت قصيبتها بأسعد طالع فاختص فيها الملك بالتمكين
وبمشتهاها منتهى ما تشتهى للعين والسلوان في وسلين
وبباب جمال يفوق جمالها مرأى دمشق ومرأى قنسرين
نشرت عليها محاسنا ورزيغة بالروح والريحان والنسرين
وقوله من قصيدة تنيف على عشرين بيتا:
أمكناسة الزيتون يا خير بلدة حدائقها تزهو على الحدق النجل
وما القول فيمن حال حال وصاله فلا جعل الله الموانع في حل
إذا لاح نحو الغرب برق هوت به دواعى الجوى بعد العلو إلى السفل
وإن هبت الأرواح رق وراق من يسهل من أمريه ما ليس بالسهل
لمان غنت الورقاء بالأيك روعت فؤادا دعاه الشوق بالجد والهزل
وقول الشريف المنيف المولى محمد الغالى بن محمد الحسنى الإدريسى العمرانى اللجائى في كتابه "دوحة المجد والتمكين" في وزارة بنى العشرين
[ ١ / ٢٨١ ]
ومكناسة دار علم، وإدراك وفهم، كانبها علماء فضلاء، وأئمة نبلاء فقهاء، وبدور سافرة، لا تريد الا الدار الآخرة. انتهى.
وقول بعض شعراء الدولة الإسماعيلية وظرفاء أدبائها:
أمكناسة إنى لرؤياك آمل وإن عاقنى شغل من الدهر شاغل
فأنت التي حزت المفاخر كلها ومنك تنشت في البلاد الفضائل
إذا افتخرت مراكش ببديعها ففى القبة الخضرا تضيق الأقاول
وإن ذكرت مصر بجامع أزهر ففى الجامع الخضرا بدور كوامل
لك الفخر يا مكناسة قد حويته كأنك بحر والبلاد جداول
وقول العلامة الأديب الماهر أبى العباس أحمد بن على بن أحمد مصباح من قصيدة طنانة يمدح بها سيدنا الجد مولانا إسماعيل:
لئن مسها الأعياء أو شفها الظما فمكناسة راحاتها وارتواؤها
بلاد هى الدنيا بأجمعها التي أضاء على كل البلاد ضياؤها
فجنتها الزوراء والزهر أهلها وأربعها الزهرا ودجلة ماؤها
إذا ما رأت أعلامها نفس مدنف معنى تداعى للرحيل عناؤها
وقصر على أفنائها وقصورها مزايا جسام ليدس يخشى فناؤها
فتانوتها مثل السما وقبابها بدور أمير المؤمنين سناؤها
وقول الأديب سيدى إدريس بن أحمد الوكيلى كما بكناشة العلامة المفتى سيدى بو بكر بن عبد الرحمن المنجرة ومن خطه نقلت:
[ ١ / ٢٨٢ ]
مكناسة دار علم وبالسرور بنيه
تاج الملوك حباها لها بذاك مزيه
وأهلها خير قوم لهم عهود وفيه
وقول الفقيه الأديب العلامة العدل المدرس سيدى التهامى بن الطيب آمغار رحمه الله تعالى:
لله ما أبهى عمائر الحمى معالم الأنس مطالع المنى
معاهدا ما برحت محفوفة بظل أمن من فراديس الهنا
قلبى إليها قد صبا كيف وهى أول أرض مسنى منها الثرا
مكناسة قطب البلاد كلها وشمسها التي إليها المنتهى
أعظم بها من حضرة عم الورى مددها ونفعها طول المدا
فيا لها من بلد يجلو الصدى عن القلوب الماء منها والهوى
أبو العمائر سقاها سلسلا عذبا معينا سالما من القذى
وطود زرهون بقربها زها على الجبال كلها وقد سما
فكل من أبصر معنى لفظها يود لو أنه فيها قد ثوى
لا تسمعن قول جحود لم يجد إلى سماء مجدها من مرتقى
ودت بقاع الأرض طرًّا أن ترى ما خصصت من السناء والسنا
أشرقت الدنيا بها إذ أحدقت بها قصور وسط روض مشتها
ما أعين رأت ولا قد سمعت أذن ولا خطر قط بحشا
رفع سمكها شريف مصطفى من آل أفضل العباد المصطفى
[ ١ / ٢٨٣ ]
مشرفة على حمى حمرية ذات المعانى والحلى والحلا
تالله ما أبصر طرف مثلها في الكون طرا قط منذ نشا
يكاد زيتها يضئ في الدجى من قبل أن يمسه جمر الغضا
صفوفها جند لحاضرتها يحرسها ممن بغى ومن طغا
محتميا بعلمى ورزيغة ذات السرور والحبور والهنا
تأمل في أبى السلو إذ جرى مسبحا لله في در الحصا
كسا الرياض حللا من سندس فسجدت لله شكرا للحبا
حلى السواعد سوارى ذهب والساق خلخالى لجين قد صفا
يغشى عيون الناظرين نورها من كل لون مشرق يذكى الحجا
بالبنفسج زها بزرقة على يواقيت الشقيق وازدهى
فانتصر الورد له لمرحم فسليا لسانه من القفا
وصعد النرجس فيه طرفه أطراق كرا إن النعام في القرى
فطأطأ الرأس صغارا وانثنى وأظهر الخجلة سنه واستحا
شأن من طغى تجبرا لا بد أن ينبذ يوما بالعرا
وأظهر الخيرى خيرا في الضحى وهو يشرق إذا الليل سجا
مختفيا من الرقيب في الدجى وشانه النمام خبرا ففشا
حروف خط فوق طرس أخضر مرصع جاءت لمعنى معتما
أصل زكا فرع زها زهر ذكا نهر سلا روح جلا ظل ضفا
تنازع الأذن العيون غبطة فيها إذا سجا الحمام أو شدا
جنتها الدنيا التي قد زخرفت لمن أقر نفسه على الهوى
[ ١ / ٢٨٤ ]
هوى لكن محجوبة في خدرها تحن للعشاق أرباب النهى
أطرق طرف الشمس منها خجلا وربما غاب بسحب كالدمى
فكم رشفنا ثغرها بمحضر من خلها الذى إليه تنتما
وكم أدارت كاس أنس في الدجا حتى بدا وجه الصباح وانجلا
وسبحت كأس ببحر من طلا ملتطم برشف ريق قد شفا
أم الكنوز قد حوى مالكها من الكنوز الفاخرات ما حوا
أم العشير حولها تفخر في حللها على بنى موسى الرضى
وما رعت ذمام قصر مَرِض (١) ولا ذمام قصر (٢) يكدر السها
بل رغبت عنهم عساها أن ترى وجه العروس كى تفوز بالمنى
لله ما أبهى محياه الذى جماله في كل عين قد حلا
يحن شوقًا لجنان العافية شغفه الوهاد منه والربا
وما استوى إلى مياه ملك فباب ريح اليمن منتهى الحمى
محل أنس الغانيات في الضحى ومربع الظبا ومرتع المها
فالنور منه شاخص كمقلة من ذهب إنسانها مسك ذكا
يهوى شباب الشمس غضا ناضرا دابا ويذيل إذا الشبيب عرا
ويحه أحرق حشاه حبها فصار أحوي من تباريح الجوى
كأن أرضه سماء قد بدلت نجومها مشرقة وقت الضحى
وحوله الرياض قدما قد محت رسومه أيدى الزمان فانمحى
أين البروج والحصون حو والمسجد الأسمى السنى المبتنا
_________________
(١) في المطبوع: "مرضن".
(٢) كذا في المطبوع.
[ ١ / ٢٨٥ ]
أودى بها الدهر الديهار إن في ذاك لآية لأرباب النهى
فيا لها من آية دلت على أن ليس يبقى غير من له البقا
لا تعجبن ما دمت حيا يا فتى من كدر الدهر إذا هو سطا
ما أبررت إلا حقيق نعتها لكن على غير منعوتها جرى
ما زال يوم الأربعاء يذكرنى وحال هذه المغانى في الصبا
على أنى في رتبة تسمو السها أحبر في روض العلوم والعلا
أحرر النقل بذهن ثاقب ليلا وعند الصبح يحمد السرى
فأحكم الدرس بقول رائق يملى على كل ضمير ما نوى
أطوارًا أطرب لحل مشكل وربما أنصب مما قد زوا
مشمرا عن ساعد الجد وقد ساعدنا الجد بكل مبتغى
ممتطيا ذرى المعالى دائما وقصد من شيمته العلو العلا
موفقا بالله مهديا به مؤيدا بنصره كما أشا
فقل لمن رام لحاق رتبتى شتان ما بين الثريا والثرا
وهل ينال المجد يوما من ونى أم هل ينال الرشيد يوما من غفا
بل ذاك محض فضل ربنا الذى أعطى العبد كل شئ فهدى
ظنوا بأنى قلق وما دروا أنى امرؤ عن موقف الذل نأى
والحر يستف الثرى ولا يرى عليه فضل أحد من الورى
همته بالله لا بغيره بالله أخذه وبالله العطا
ومن تمام فضله عليه أن منع ما أطغى وأعطى ما كفى
أحمده حمدا يوافى ما حبا غير أن لا أحصى عليه من ثنا
اهـ. كما وجد.
[ ١ / ٢٨٦ ]
وقول بعض نبغاء الثغر التطوانى متوجا أوائل الصدور بما لفظهه "مكناسة حسناء":
مكناسة الزيتون فردوس الدنا تزهو بهجتها على الزوراء
كلفت بها النجم المنيرة فانثنت سكرى بها تدنو إلى البطحاء
نور الغزالة مستمد جمالها حصباؤها در ترى للرائى
أبناؤها أهل الذكاء سجية أهل السخا يسدون للغرباء
سيما التمدن في جباههم فهم بين الورى كالشامة البيضاء
تختال من رقص البلاغة ألسن لهم كميس الغادة العذراء
حزت الفضائل والتقدم للعلا مكناسة والطيب في الأهواء
سادت طرائقك الفسيحة غيرها نسخت بحسن آية الأقذاء
نالت عذوبة كوثر أودية تختال فخرا من لجين الماء
الله يعلم أننى أحببتها أو ما تراها مسكن النبلاء
أهل بهم سعد الزمان وأخضبت أهل السخا بالبلدة الغراء
وقول صديقنا المؤرخ الأشهر أبى عبد الله محمد بو جندار الرباطى دام إسعاده:
مكناسة عهدى بها مرفوعة فلايما نصبت على التمييز
فتأرجت وتبرجت وتبرزت مثل العرائس ساعة التبريز
وكفاك أن رياضها وحياضها تنسيك في "فرساى" من باريز
هاتيك إسماعيل أبدع صنعها ولهذه آثار صنع "لويز"
[ ١ / ٢٨٧ ]
وكلاهما بلد عليه حلة في غاية الإبداع والتطريز
وعلى قصورهما المحاسن أصبحت مقصورة كتقاصير الإبريز
من لى بزورة تلك أو هذى فهل حكم القضاء أتى على التجويز
لا خيب الله الرجا حتى أرى وعد الزمان اليوم في تنجيز
وقوله:
مكناس ليست لو ترى حجراتها إلا كناسا للظبا ومهاتها
بلد بها يأتى إلى المضنى الشفا يا حسرة المضنى إذا لم يأتها
طاب الهواء مع الهوى في حيها والماء كالصهباء في كاساتها
إن جئتها تسقى بأكواب وكأ س من معين في أكف سقاتها
فكأنما هى جنة الرضوان طا ف الحور والولدان في عرصاتها
سافر إليها عاجلا أو آجلا واغنم بها السراء قبل فواتها
وإذا لمحت معاهدا قد أومضت ومضت بها اللذات في أوقاتها
حى ابن زيدان الرِّضا والأحمد يـ ـن الناظر الأسمى وخير قضاتها
وقول الأديب الماهر الفقيه السيد إبراهيم بن أحمد السلوى العدل الأول بنظارة الأحباس بالدار البيضاء:
إن مكناس بلدة خصها اللـ ـه برحب الفنا وطيب النسيم
بلدة للمحاسن الغر أمست مركزا ينتديه كل كريم
بلد طيب ومرعى فنسيح خصب معشب بصنع الحكيم
فيها الاطمئنان ألقى عصاه وازدهت في معارف وعلوم
[ ١ / ٢٨٨ ]
وبها كانت الفطاحل من كـ ـل وزير وقائد وزعيم
وبها الدولة العظيمة كانت لأبى النصر والفخار الصميم
كان فيها إذ ذاك وقع عظيم ودوى يروع كل مظلوم
إلى أن قال:
وبمكناس كم مآثر تتلى أودعتها الرواة بطن رقيم
وكفى نهرها الذى حل منها بمحل السوار في زند ريم
ما لغمدان ما لبغداد معنى مشبه بالذى حوت من رسوم
ذاك باب المنصور يشهد بالعجـ ـز لمن رامه بعيّ ذميم
واستجدت بهمة المتوليـ ـها فقرت جفون كل مقيم
وإلى الآن لم تزل في ترق واعتناء معضدا بقروم
وقول نابغة الشرق وناطورة الأدب الشيخ رشيد مصوبع اللبنانى:
في المغرب الأقصى رأيت مدينة فيه تعد حديقة للناظر
مكناس هاتيك الديار فحيها يا من مررت بها بشوق وافر
لم يحك رقتها سوى ماء بها شبم وغير شذا نسيم عاطر
وقول صاحبنا الفقيه الأديب الناظم النثر السيد محمد بن الحاج السلمى الفاسى:
على مكناسة الزيتون سور يقول لساكنيهما لا تخافوا
هى الدنيا جمالا وافتخارا وإنى في حياطنها لقاف
وقوله على لسانها:
[ ١ / ٢٨٩ ]
يمثلنى ذو اللب أول ما يرى حصونى بجيش للحروب عرمرم
فيخشى من التمثيل ما ليس يختشى من المرهف البتار وهو مصرم
فصينت دماء القوم والمال كله وأصبح شمل البغي وهو مهشم
ولم لا وغصن الحسن منى أعاده جلال ملوك الغرب ذاك المقدم
بمولاى إسماعيل كنت وحيدة وكل بحسن الوضع منى مغرم
فلا زال رضوان من الله عاطفا على رمسه والشأن منى معظم
وقوله:
بمكناسة الزيتون من ملح الحسن معان بها تعلو على كل ذى زين
لها الشرف الذاتى وفى الغير عارض إذا ما أعارت بعض ما لاح للعين
فمن شام دور الحى منها وقد سمت تخيل أزهارا منوعة اللون
وقول محبنا الفقيه العدل السيد عبد القادر العلمى المكناسى شهر بالعرائشى:
يا ناظرا مكناسة الزيتون ذات البها والحسن والتحسين
نزه لحاظك في أجنتها التي تحيى فؤاد العاشق المحزون
وانظر إلى أسوارها وبروجها قد أسست للفخر والتحصين
فكأنها ملك بدا في عرشه ليرى دفاع الهاجم المفتون
أو أنها عذراء حسن أحرست بجبالها عن ناظر بعيون
أحسن بها من بلدة فمياهها قد أجريت من كوثر ومعين
يكفيك فيها شرحها بهوائها صدرا لمكلوم الحشا بعيون
ولحسن منظرها البديع أنشدت (يا ناظرا مكناسة الزيتون)
[ ١ / ٢٩٠ ]
وقول صاحبنا الأديب الفقيه القاضى السيد محمد الشنكيطى البيضاوى:
لله لله ما أبهاك مكناس أرض هى الأرض بل ناس هم الناس
بها القصور وأسوار مشيدة كالراسيات وأبراج وأقواس
تجسم الفخر في تلك المعاقل والـ ـجلال والعزم والسلطان والباس
وماؤها السلسبيل العذب باكره ريح هو المسك أنفاس فأنفاس
يكفى مدينتها أن الكبير بها يضئ من علمه الفياض مقباس
إلى روائح من أخلاقه عبقت ما الرند منها وما الريحان والآس
وقول صديقنا العلامة المشارك المتضلع السيد أحمد بن العياشى سكيرج من قطعة:
فما مكناسة الزيتون إلا جنان الخلد أو دار السلام
هى الدنيا بها قد حاط قاف لها من كل ما يحتاط حام
فمن فيها يحل ينال أمنا به يحظى بحفظ مستدام
وفيها وسادة فقهاء فاقوا سواهم في جلال واحترام
وقوله:
عرج على مكناسة الزيتون فيها حلول الطالع الميمون
بلد تريك ضخامة الملك العلى وتريك ما هو قرة لعيون
بلد بها ماء الحياة جرى وقد طاب الهوى فيها، غير الدون
لله من بلد تحلى أهلها بإقامة المفروض والمسنون
ولهم من الآداب ما يسبى النهى مع حسن أخلاق برفع شئون
[ ١ / ٢٩١ ]
فعليهم أذكى السلام يعمهم بالطيب من صب بهم مفتون
وقوله:
سكنت في مكناس فعرفت خير الناس
حتى تكون مفاخرا أولى الندا والباس
بلد بها تحيا النفوس بطيب الأنفاس
ما دمت لم تسكن بها لم تحظ بالإيناس
قوله:
مكنس الغزلان مكناس وهل مثل مكناس يري في المغرب
بلد فاقت بمن حل بها وبماء وهواء طيب
وقوله:
هذه مكناس يا قوم بدت هل رأيتم حسنها يسبى النهى
بلدة طابت وطابت ناسها وبها الأنفس قرت عينها
وقوله:
خليل فسر بى (١) بين سربى لمكناس ففيها تطيب النفس من بين أنفاس
لقد زرتها أزمان كان مساعدى زمانى بناس كنت أعتادهم ناسى
فشاهدت أرضا لا نظير لها ولا نظير لمن فيها لدى الجود والباس
وقد زادنى فيها ابن زيدان غبطة بها وبه قد تم في الناس إيناسى
فَسِر بِى كى تدوم مسرتى فإن لم تَسِرْ بالرجل سرت على الرأس
_________________
(١) في المطبوع: "خليل سربى" وهو غير صحيح عروضيا، والأبيات من بحر الطويل.
[ ١ / ٢٩٢ ]
وقول الأديب أبى على حسون بن على بن عمر القسمطينى المعروف بابن الفكون في قصيدة له في رحلته من قسمطينة إلى مراكش كتب بها إلى أبى البدر ابن مردانيش وهو بقسمطينة عدد فيها البلادات التي دخل فيها مطلعها:
ألا قل للسرى بن السرى أبى البدر الجواد الأريحى
إلى أن قال: فيها:
وما مكناسة إلا كناس لا حوى الطرف ذى حسن سنى
وقول الوزير السيد الشرقى الإسحاقى في رحلته: تذاكرنا الغرب يوما ونحن بمصر فذكرنا مطمح النفس، ومحل الأنس، مكناسة الزيتون وما بها من المعاهد التي استفتى القلب فيها نفسه وإن أفتاه المفتون، ففتت الشوق مناكل كبد، وبرح كل منا بما يجد، فأنشدنى صاحبنا الفقيه الأديب السيد بلقاسم بن الفقيه العلامة السيد سعيد العميرى لنفسه ما أنشده أيام نزوحه عن الحضرة المذكورة وجلائه عنها أيام الحادث الجارف، الذى استدعى التالد والطارف، بناحية جبل غمارة:
يا للوى لعمارة شئمتها بغمارة
أرابنى اليوم أمر كنت امتطيت غماره
إلى أن قال:
وكيف لى وبكره خلى الحبيب وداره
فليس يبغى سواها مأوى ولو كان داره
وقول حبيبنا الفقيه الكاتب الشاعر المطبوع الشهير السيد الحاج عبد الله القباج مشطرا للقطعة الشنجيطية المارة:
لله لله ما أبهاك مكناس خصب ورخص وأغراس وأعراس
[ ١ / ٢٩٣ ]
مكناس ما نظرت عينى نظيرتها أرض هى الأرض بل ناس هم الناس
بها القصور وأسوار مشيدة ثشى وفيها من الإفضال أجناس
وبين ساحتها الآثار ثابتة كالراسيات وأبراج وأقواس
تجسم المجد في تلك المعاقل والفخار والعز قلب والعلا راس
والمجد فيها مقيم والمهابة والجلال والعزم والسلطانه والباس
وماؤها السلسبيل العذب باكره ريح الصبا وهواه الخمر والكاس
ما مر منها امرؤ إلا ومر به ريح هو المسك أنفاس فأنفاس
يكفى مدينتها أن الكبير بها هو الإمام الذى تصبو له فاس
والأبلج الفرد من لو في الظلام سرى يضئ من علمه الفياض مقباس
إلى روائح من أخلاقه عبقت فوق القياس وللأخلاق مقياس
كأنها من جنان الخلد قد هبطت ما الرند منها وما الريحان والآس
وقول المشطر المذكور لا زال يشنف الأسماع بخرائده، ويحلى النحور بفوائده:
بمكناسة الزيتون أهل معالى وأهل عوالى بل وأهل علالى
بلاد هواها لا يقاس به هوى بلاد حباها الله خير زلال
بلاد هى السلوان للنفس والمنى وليس بها هم وغم كلال
بلاد ويكفيك اسمها عن صفاتها كساها جمال الدهر ثوب جلال
بلاد فما في الغرب من جنة ترى سواها وما فيما ذكرت تغال
بلاد بها الجنات والحور غيدها وفيها من الولدان كل غزال
[ ١ / ٢٩٤ ]
بلاد ولكن من هوى كل مهجة أقيمت بلا ريب ودون جدال
بلاد لروح المرء روح وراحة وللجسم طب من أضر عضال
بلاد متى تقبل بهمك نحوها دخلت وحد الهم باب جمال
بلاد تنسى من أتاها بربعه وما غيرها ينسبه فيه بحال
بلاد هى الدنيا فخذها غنيمة لنفسك دارا لم تسم بملال
بلاد إذا أسقطت من أحرف اسمها وأوله حرفا ورمت سؤال
يعود كناسا والكناس مخصص لسكنى الظبا والريم بين جبال
بلاد بإسماعيل تزهو وتزدهي على كل مصر قد زها بظلال
بأنحائها آثاره وفخاره وللملك والسلطان خير مثال
وفي قلبها من نسله خير زمرة ومن آله الأطهار أفضل آل
ومزوارهم في عصرنا وكبيرهم أبو زيد الغطريف راحة بال.
حلاحل مغناها وجحجاح أهلها وأورعها مصباحها المتلالي
سلالة زيدان الشهير بفضله قديما وأهل الفضل أهل نوال
وإن أبا زيد لأكرم سيد بكناسة فاعلم وثق بمقالي
شريف عفيف عالم متواضع وتاج فخار بل وسيف نضال
وبحر من الآداب عذب مذاقه خضم وبحر العلم كنز لآلي
له خلق كالزهر باكره الندى ووجه منير فديه ألف هلال
فلا زال للعلم المقدس خادما ولا زال للتحقيق فيه موالي
ولا زال للتاريخ كوكب أفقه ولا زال للآداب بدر كمال
انتهى.
[ ١ / ٢٩٥ ]
قاله وكتبه في ثاني عشري ربيع الثاني عام أربعة وأربعين وثلاثمائة وألف، ودودكم عبد الله القباج وفقه الله. انتهى. من خطه.
وقول ابن عمنا الفقيه الأديب العدل مولاي الحسن بن النقيب الأبر البركة سيدي محمد بن العباس العلوي النَّجَار، الفاسي النشأة والدار والقرار:
إذا افتخرت فاس بطيب معانيها ولطف أهاليها ورقراق واديها
ومراكش الحمرا بطلع نخيلها وحسن سجايا أهلها وأغانيها
وثغر رباط الفتح بالأدب الذي غدا مفرق العليا يصول به تيها
فمكناسة الزيتون فاقت بتربة وطيب هواء وابتهاج مبانيها
فما مثلها الزهراء في حسن منظر ولم لا وسبط المصطفى هو بانيها
إمام همام ساعد السعد سعيه فكانت شموس الفضل مشرقة فيها
وقول صفينا الشريف الأديب سيد محمد فتحا بن يحىي الصقلي:
مكناسة ما لها في الحسن من ثاني تسبي عقول ذوي العرفان والشان
وأهلها حسن أخلاق لهم جملت نسيت من لطفهم أهلي وأوطاني
هواؤها عز أن يلفى له شبه به الدواء لمكروب وللعاني
وماؤها السلسبيل العذب منهله يشفي السقيم به من كل أحزان
هي العروس التي تجلي لمغربنا بين البلاد بحسن ثم إحسان
فاقت برفعتها كل البلاد ولا يلفي شبيه لها قاص ولا داني
وقول محبوبنا الأديب المفضال مراقب أحباس حضرتنا المكناسية سابقا وخليفة عامل فاس على فاس الجديد حينه السيد الحاج محمد بو عشرين.
[ ١ / ٢٩٦ ]
يا رائدا للفخر والأيناس عرج لنيل المجد في مكناس
بلد حباه الله كل مزية وحماه من زيغ ومن أدناس
وكساه من ثوب الجمال أرقه ووقاه من شر ومن وسواس
فغدا بوجه القطر شامة خده وبجيده عقد من الألماس
تسمو معالمه بأقدس مشهد وبخير أرض أُخرجت للناس
ونزاهة الأخلاق في نفس العلا وصيانة الأعمال في الأحباس
وقول مالك أزمة الشعر الأديب الماهر السيد محمد بن المفضل غريط من قصيدة:
يا نجل زيدان يا أندى الكرام يدا يا من أَضاءت به أرجاء مكناس
مدينة من شكا ضيقا بمهجته ففي ترامسها لسقمه آس
كان بركتها وجه سوالفه ما يبهج العين من أغصان أغراس
يا حسنها إن حكت شمس الأصيل بها مخلص التبر محلولا بقرطاس
تنال في حوزها أفكار زائرها ما لا تناله بالأوتار والكاس
هوى يتيم من رقت طبيعته بلي يلين طبع النافر القاسي
تلك الديار التي جلت ضخامتها فاستوجبت مدحها من جلة الناس
وأُدعت من صنيع الملك ما وسمت بالعجز عن مثله ملوك أحناس
ينبي بما كان للمجد المقدس من ملك عظيم جليل الفخر والباس
يستوقف الفكر حتى لا يجيء له من كل أبنية الدنيا بقياس
[ ١ / ٢٩٧ ]
وقوله من قصيدة:
فلعله يجد السبيل لحضرة تسمو بنصرتها على "غمدان"
بلد تصادق ماؤها وهواؤها كتصادق الأرواح والأبدان
مغني القصور الشم والدور التي لم تلف في "شام" ولا "بغدان"
مكناسة إحدى الشهود لمالك بعظيم منقبة ورفعة شان
مجلى مآثر من تجول صيته في سائر الأقطار والأوطان
إلى أن قال:
بلد لها آوت أصولي عندما غمر" الجزيرة" وابل" الإصبان"
فتبوءوا دارا يعز قطينها وتفيئوا في نعمة وأمان
وتسنموا في دولة علوية رُتَبًا تُنَاهِضُ رتبة "السلماني"
وتشرفوا بمراسم مرعية لم يخترم أحكامها الملوان
بلد تكامل حسنها بفريدة الـ ـعقد قد الذي يغلو عن الأثمان
وقوله:
أهل الصفا والود من مكناسة الزيتون ذات البشر والسلوان
وقوله
بمكناس غنمت صفاء وقت وأنسا ما رأيته في سواها
فإن أَكثرت ذكراها فإني شغفت بها وتيمني هواها
وقول الفقيه الكاتب السيد محمد بن داني من قصيدة طنانة أنانة:
لمكناس على البلدان فخر عميم والفخار لها قديم
[ ١ / ٢٩٨ ]
وقول صديقنا الحميم العلامة سيدي المدني بن الحسني الحسني الرباطي:
لله مكناس في حسن وإحسان يرنو لها كل إنسان بإنسان
حديقة تدع الأحداق محدقة بمنظر يزدرى بـ"شعب بوان"
بها يصح ضعيف الجسم من علل يرتد من حسنها صحيح أبدان
لقد تجلت محاسن البديع بها على منصة ديوان وإيوان
فمن مناخ بها صارت نسائمه بين الأماثل من أثمال ميدانى
ومن روابي إذا اقتعدت صهوتها ترى القصي كـ (زرقاء) بميدان
ومن قصور إذا رام البليغ لها وصفا يكون القصور وصفه الداني
ومن دساكر فيها للعساكر قد كانت مبوأَة من نسل عبدان
ومن حصون كغيل السيد ما فتئت مأوى الكمأة لمن يأتى بعدوان
تناطح السحب و[الأهرام] من صعد ك [الدردنيل] و[واثور] (١) و[فردان]
وقد تجلت مفاخر الإمارة من [أبي الفدا] فغدت تزري [بغمدان]
يفتر ثغر (أصيلا) و(العرائش) مع [ثغر الزقاق] (٢) لنصر فوق تبيانى
ومن مدارس زانتها قد انبجست منها العلوم فأروت كل ظمآن
ومن مساجد للعباد مزهرة كالكتبيين (٣) بدت أو مثل حسان (٤)
ومن عيون بها للصادي مزهرة وكل راء وقاف ما (بوفكران)
_________________
(١) في هامش المطبوع: بالروسيا.
(٢) في هامش المطبوع: طنجة.
(٣) في هامش المطبوع: بمراكش الحمراء.
(٤) في هامش المطبوع: الرباط.
[ ١ / ٢٩٩ ]
ومن بساتين تحكي في منازهها حلي البدائع من در وعقيان
وأخضر يانع وأبيض يقق وأصفر فاقع وأحمر قاني
كأنها في جمالها وبهجتها آجام (جلق) (١) أو كغاب (بولان) (٢)
والورق تشدو على الأوراق من مرح والطير يرقص زهوا فوق أفنان
والماء يعلو وقد أبدي لنا نغما كالناي وقعه (زرياب) (٣) عيدان
لذاك تنشد من أقوالها مثلا إذا سقتها السما بكل هتان
إن البساتين (في الدنيا بلا عدد وليس فيها لعمري مثل) بستاني
فقد تكامل فيها الحسن واتسقت لها الحلي فبدت عروس بلدان
فأذكرتنا (فروق) (٤) في مباهجها أو (الكنانة) (٥) أو جسرا (ببغدان) (٦)
لما استعارت محاسن الشموس غدت عطر العروس وزادت بابن زيدان
إذ صار بهجتها فضلا وكان بها [كاليحمدي] الرضا و[كابن حمدان] (٧)
عليك مني سلام عاطر أرج يعم ربعكم الزاهي إحسان
وقول حبنا ناظر مكناسة الحالي الفقية الأديب أبي العباس أحمد الصبيحي السلاوي:
_________________
(١) في هامش المطبوع: دمشق الفيحاء.
(٢) في هامش المطبوع: غابة بولينا ببارس.
(٣) في هامش المطبوع: مغني بالأندلس.
(٤) في هامش المطبوع: فروق الآستانة العثمانية.
(٥) في هامش المطبوع: مصر الفاطمية.
(٦) في هامش المطبوع: بغداد العباسية.
(٧) في هامش المطبوع: في حلب الشهباء.
[ ١ / ٣٠٠ ]
عرج على مكناسة الزيتون متيمنا بالتين والزيتون
وأنخ مطيك حيث منطلق الهوى يشفي الجوي والجسم بالتعيين
حيث المياه الدافقات ترقرقت وجرت بأودية كما بعيون
حيث البساتين الكثيفات التي كالغاب تحسبها بلا تخمين
حيث الزياتين الكثيرات التي لا حد يدركها إلى زرهون
حيث الصوامع شامخات في السما تقضي بكل عناية بالدين
حيث المآثر جمة لملوكنا لا سيما المفضال إسماعين
لا تنس منها دوره وقصوره ومعامل التحصين والتحسين
وأماكن الأجناد والأسرى بها ومخازن التجنيد والتموين
ولباب منصور تراه آية من أكبر الآيات في التمدين
هذا وإن بها أفاضل جلة موتي وإحياء بهذا الحين
ناهيك بالشيخ ابن عيسى منهم وكذاك رب الدار للمسكين
واقصد بأحياء بها رب القرى من غير معرفة ولا تبيين
عين البلاد أخو الوداد المرتضى العالم المخطوط في التدوين
ذاك ابن زيدان النقيب ومن له في الخلق لطف الورد والنسرين
أبقاه مولاه لنشر عبيره وسقي رياضا حلها بهتون
وقولي:
مكناسة الزيتون تيهي وافخري حزت الشفوف على بلاد المغرب
بمناظر يسبي العقول جمالها وزلال مائك والهواء الطيب
[ ١ / ٣٠١ ]
وأريج أرجاء ولطف حدائق بك أَحدقت وبديع ربع مخصب
وفواكه كالشهد إلا أنها مسكية تزري بثغر أشنب
أعظم بما قد نلته من رونق يصبو له في الناس كل مهذب
وقد شطر قطعتنا هذه قاضي مكناسة الحالي شيخنا أبو العباس البلغيثي حفظه الله بما لفظه:
(مكناسة الزيتون تيهي وافخري) فالتيه من ذات المحاسن يعذب
ولئن فخرت فلا غرابة حيث قد (حزت الشفوف على بلاد المغرب)
(بمناظر يسبي العقول جمالها) جمد الذي بجمالها لم يطرب
وجلال ربي قد سموت بموقع (وزلال مائك والهواء الطيب)
(وأريج أرجاء ولطف حدائق) تحكي الفرادس من بهاها الأعجب
لا غرو أن فقت البلاد بجنة (بك أحدقت وبديع ربع مخصب)
(وفواكه كالشهد لولا أنها) فيها الشفا تغني عن المتطبب
تغني عن الصباء إلا أنها (مسكية تزري بثغر أشنب)
(أعظم بما قد نلته من رونق) هو موقف الأبصار للمتعجب
فيه لنفس الأريحي راحة (يصبو له في الناس كل مهذب)
وكذا صديقنا الأديب الماهر السيد عمر بري المدني:
(مكناسة الزيتون تيهي وافخري) بالروض فيك كناس ظبي ربرب
يكفيك أنك للجمال بأسره (حزت الشفوف على بلاد المغرب)
(بمناظر يسبي العقول جمالها) وبطرز شكل ليس يفهمه غبي
[ ١ / ٣٠٢ ]
وملاعب تلهو بلب ذوي النهي (وزلال مائك والهواء الطيب)
(وأريج أرجاء ولطف حدائق) حدق الوري من حسنها لم تذهب
وزهور أنوار الربيع بما احتوت (بك أحدقت وبديع ربع مخصب)
(وفواكهه كالشهد إلا أنها) تنشي كسكر وسط كأس مذهب
وتخال في استنشاق ريح أريجها (مسكية تزري بثغر أشنب)
(أعظم بما قد نلته من رونق) راقت مدائحه لكل مؤدب
أني يغض الذوق عنه وقد غدا (يصبو له في الناس كل مهذب)
وخمس تشطير هذا بقوله:
طاب الزمان يوجه روض أخضر الورد وجنته بخد أحمر
زيتونه خال عليه عنبري (مكناسة الزيتون تيهي وافخري
بالروض أنت كناس ظبي ربربي)
كم فيك من لحظ يصيد بسحره ويصيب شاكلة الكمي بنحره
لا حزم فيك مع المدل بمكره (يكفيك أنك للجمال بأسره
حزت الشفوف على بلاد المغرب)
زانت بك الدنيا فتم كمالها وتحسنت في نظمها أحوالها
قد سلمت عند الورى أقوالها (بمناظر يسبي العقول جمالها
وبطرز شكل ليس يفهمه غبي)
ما حل فيك غريب دار قد وهي ألا تفتح من لهاك له اللهي
بمنازه ما إن تقاس بمزدهي (وملاعب تلهو بلب ذوي النهى
وزلال مائك والهواء الطيب)
[ ١ / ٣٠٣ ]
أصبحت بين أزاهر وشقائق كقلائد القيان عند الرامق
وبكل نعت قد حلا للعاشق (وأريج أرجاء ولطف حدائق
حدق الورى من حسنها لم تذهب)
فيك النفوس على مقاصدها استوت من كل شرب للظما منها روت
ببلابل تنسيك (معبدا) إن روت (وزهور أنوار البديع بما احتوت
بك أحدقت وبديع ربع مخصب)
أما ثمارك إن أدلي فنها فكأنني للراح أفتق دنها
ولديك في الأعناب ما ينهى النهى (وفواكه كالشهد إلا أنها
تنشي كخمر وسط كأس مذهب)
روح الشجي إن روعت بأجيجها وتغلغلت من حره بضجيجها
فلروحها طب لرع مهيجها (وتخال في استنشاق ريح أريجها
مسكية تزرى بثغر أشنب)
حسناء نادي رفقها بترفق يا عاشقي هذي الملاعب فانتقي
نزه عيونك في البهيج المونق (أعظم بما قد نلته من رونق
راقت مدائحه لكل مؤدب)
أما النعيم فتحت ذيلي قد بدا ولثغر أنسي رشفه فقد الصدى
لا تدخر أُنسا تصابحه غدا (أني يغض الذوق عنه وقد غدا
يصبو له في الناس كل مهذب)
[ ١ / ٣٠٤ ]
وشطرها أيضا صديقنا الأديب الفقيه سيدي اليمني الناصري الرباطي النشأة والدار والقرار:
(مكناسة الزيتون تيهي وافخري) بمفاخر تزهو بفخر مغرب
جزت السماك ترفعا حتى لقد (حزت الشفوف على بلاد المغرب)
(بمناظر يسبي العقول جمالها) تغني النفوس عن الأنيس المطرب
طاب المقام لديك من طيب الهوي (وزلال مائك والهواء الطيب)
(وأريج أرجاء ولطف حدائق) ضحكت على دمع الغمام الصيب
وبأعين من نرجس حداقها (بك أحدقت وبديع ربع مخصب)
(وفواكه كالشهد إلا أنها) تنسيك ذوقا كل ذوق أعذب
فإذا ارتشفت أو اقتطفت وجدتها (مسكية تزري بثغر أشنب)
(أعظم بما قد نلته من رونق) راق يروق لكل راء معجب
قد هذبته يد الهنا حتى غدا (يصبو له في الناس كل مهذب)
وكذا حبنا الفقيه ابن الحاج السلمي فقال:
(مكناسة الزيتون تيهي وافخري) وطئى الثريا بالجمال المعجب
أو ليس أنك فوق ما قد نلته (حزت الشفوف على بلاد المغرب)
(بمناظر يسبي العقول جمالها) أسلت عن الحسنا ونغمه مطرب
تصبو النفوس إلى مغانيك العلا (وزلال مائك والهواء الطيب)
(وأريج أرجاء ولطف حدائق) كالهيف في حلي اللجين ومذهب
فنون ما يهوي ويعشق حسنه (بك أحدقت وبديع ربع مخصب)
[ ١ / ٣٠٥ ]
(وفواكه كالشهد إلا أنها) ساغت لآكلها كسوغ المشرب
مدت له عند التناول نفحة (مسكية تزري بثغر أشنب)
(أعظم بما قد نلته من رونق) يهدي لرائيه جميع المأرب
لا زال عهدك والزمان رفيقه (يصبو له في الناس كل مهذب)
وخمسها الشاب الأنجب الشريف الأديب المولي عبد المالك بن شيخنا البلغيثي المذكور:
مكناسة حسناء بين الأظهر تختال في ذيل البهاء الأزهر
ظهرت محاسنها بهذي الأعصر (مكناسة الزيتون تيهي وافخري
حزت الشفوف على بلاد المغرب)
بقصورك العليا العجيب جلالها وحصونك الشما العديم مثلها
فكأنها الخضرا وأنت هلالها (بمناظر يسبي العقول جمالها
وزلال مائك والهواء الطيب)
عجبا لزخرفك القديم الرائق وبديع شكلك والبناء الشاهق
وأريجك الأبهى الأنيق الشائق (وأريج أرجاء ولطف حدائق
بك أحدقت وبديع ربع مخصب)
ببنفسج وبنرجس ما بينها ورد يذكرك الخدود وحسنها
وعصافير بالأيك تبدي لحنها (وفواكه كالشهد إلا أنها
مسكية تزري بثغر أشنب)
قد فقت صونا كل فرد أبلق وحويت فضلا ماله من ممحق
وعليك ألوية الفخار تخفق أعظم بما قد نلته من رونق
يصبو له في الناس كل مهذب)
[ ١ / ٣٠٦ ]
إلى غير هذا مما يطول، وليس لغايته وصول.
ثم إن ما توارد عليه هؤلاء الأدباء وغيرهم من محاسن مكناسة منظور فيه إلى الحسن الفعلى الحالي تارة وإلى الأصلي الذي عضدته آثاره أخرى، إذ لا محالة أنها كغيرها تعاورتها أطوار الزمان، وكسفت المرة بعد الأخرى بأيدي الامتحان.
وما دام في العيش خير لا بد أن يقابل كل شروق بغروب، وَمِنْ أنْ يتقلب فصل الربيع المحبوب، في أطوار باقي الفصول وبذلك يكمل المرغوب، وعلى ذلك نبه علامة مكناسة ومؤرخها وأديبها ابن جابر الغساني بقوله:
لا تنكرن الحسن من مكناسة فالحسن لم يبرح بها معروفا
ولئن محت أيدي الزمان رسومها فلربما أبقت هناك حروفا
هذا وحيث أتينا ببعض ما امتازت به هذه المدينة من الفخر، وجئنا للمطالع المنصف بما يجده نعم الذخر، ومنحناه تلك المنح المزرية برقة الملح، وروينا الظماء من عذوبة أخبارها، فلا بد أن نأتي على المطلب الثالث ونحلي تاج مفرقها بذكر ما لا غني عنه من تراجم من حفظت ترجمته من علمائها وأحبارها، مشاهير الإسلام وحماته، وحفاظه وحاملي راياته، ونظم نثار أوليائها شم الأنوف، الباذلين مهجهم في عرفان من هو بالديمومة معروف، أولئك الذين رفعوا بانتصابهم لنفع العباد، وإرشاد الخليفة حاضرها والباد، مرتبا تراجمهم على ترتيب حروف المعجم غير مبال في نظمها بتقديم من تأخر، أو تأخير من تقدم، لا أهمل من الحروف غير حرف عدمت تراجمه، أو جهلت معالمه.
أذكر أولا ما حلي به كل واحد منهم بنصه، ثم أذيله بما وقفت عليه زائدًا من أحوال شخصه، وأطرز حلل أولئك الأعاظم، بذكر ما للناثر منهم إن وقفت
[ ١ / ٣٠٧ ]
عليه والناظم. ملتزم التعرض لذكر من كان أصله منها، سواء استوطنها أو رحل عنها، ولمن كانت له ولاية أو إقبار بها، ولو كان من غير سر بها، أو هاجر إليه لما صح عنده من عموم برها، وتعجيل خيرها، واتخذ دار استيطان فأسلته عن تذكار الأهل والأوطان.
معتمدا في النقل على ما يتلي عليك من الكتب الذي عرفت جلالة أربابها. وأجمع العقلاء على أنهم أتوا البيوت من أبوابها. كنفح الطيب، ووفيات ابن خلكان، وتكملة الصلة للحافظ أبي بكر ابن الأبار القضاعي، وفهرسة مسند فاس أبي زكرياء السراج، وخلاصة الأثر للمحبي، ودرة الحجال، والرياض الربانية، والمنح البادية، في الأسانيد العالية، ونيل الابتهاج، وكفاية المحتاج، ونشر المثاني والرحلة العياشية، ودوحة الناشر والصفوة، وفهرسة ابن غازي، وتعريف السلف، وروض القرطاس، وابتهاج القلوب، ومرآة المحاسن، وممتع الأسماع، وابن خلدون، وسلوة الأنفاس، والإحاطة، وتحفة الزائر، ببعض مناقب سيدي أحمد بن عاشر، لابن عاشر الحافي، وجواهر السماط وتعطير البساط، بذكر تراجم قضاة الرباط، والجيش العرمرم، وخمائل الورد والنسرين لأكنسوس، ودوحة المجد والتمكين لمحمد الغالي الإدريسي العمراني اللجائي، ورحلة النابلسي الكبري، وفهرسة النخلي، وفهرسة ابن سالم البصري، والسلسل العذب للحضرمي، والنبذة اليسيرة النافعة، التي هي لأستار بعض أحوال الشعبة الكتانية راجعة. لشيخنا الإمام سيدي محمد بن جعفر الكتاني، والفتح الوهبي للحاج العربي بن داود، وأداء الحق الفرض في الذي يقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض، لأخينا النسابة المعتني مولاي عبد الحي الكتاني، وسلوك الطريق الوارية للشيخ والمريد والزاوية للإمام الزيادي، وفهرسة سيدي العربي الدمناتي وثبت الأمير الكبير، وثبت ابن الصباغ، والشجرة الشما لمولاي الزكي العلوي، وسلك
[ ١ / ٣٠٨ ]
الدرلابي الفضل المرادي، وكتاب صله الصلة لأبي جعفر أحمد بن الزبير، ورحلة الإمام العبدري، والاستقصا، ورحلة ابن عثمان المكناسي، المسماة إحراز المعلى والرقيب، وبغية الوعاة، والبدور الضاوية، والدرر البهية، وفهرسة الشيخ التاودي، وفهرسة أبي القاسم الميري، وذيل السلوك وعجائب الآثار، والروض الهتون، والمعجم المختصر لشارح الإحياء، والقاموس، والإصابة، وما تلقيته من مشايخي النقاد، وأخلائي الأنجاد، أو نقلته من كنانيشهم أو شاهدته بالعيان إلى غير هذا مما يطول تعداده وقد اكتفيت بذكر المواد التي لي منها الاستمداد، عن نسبة النقل في التراجم غالبا فأقول:
[ ١ / ٣٠٩ ]