التاريخ لغة: تعيين الوقت مطلقا، وعرفا علم يبحث فيه عما مضى من سالف الدهور وعن أحوال المتقدمين من الأمم وأسماء المشاهير منهم ومعرفة أزمنتهم وأمكنتهم، وسيرهم وعوائدهم، وما يتعلق بحياتهم ووفياتهم.
وينقسم إلى أثرى وبشرى: فالأول ما قصته الكتب المنزلة، والسنة النبوية، والثانى ما دونه علماء الأمم من الوقائع والحوادث والحروب، وينقسم أيضا إلى قديم وحديث، فالقديم: ما كان قبل الإسلام والحديث: ما كان بعده.
وعلى هذا التقسيم جرى جل مؤرخى العرب، ولكل أمة وجيل تقاسيم اصطلحوا عليها لسنا بصدد التعرض لها، ثم ما دون أو يدون في التاريخ إما عام وإما خاص، فقد يقع في الدول من بدء الدنيا، وقد يختص بالدولة الإسلامية
_________________
(١) الغَرْثَان: الجَوْعان.
[ ١ / ٣٠ ]
مثلا، وقد يكون في أعمار الأعيان ووفياتهم، وقد يكون في اختطاط البلدان والمساجد والربط وغير ذلك.
وأما أصل موضوعه فأعمال البشر في كل زمان ومكان، والفحص عن سير المتقدمين من الملوك والعلماء والصلحاء والوقائع الحربية وغيرها، وحالة المدنية والعمران، وقوة الدول وفشلها، وأسباب تقدمها وتأخرها واضمحلالها.
وأما واضع الأثرى منه فهو الله ﵎، أنزله على رسله الكرام في كتبه الناطقة بالحق وأعظمها القرآن، فقد تكررت فيه أقاصيص المتقدمين وأحوال الماضين وخصوصا مع الأنبياء والمرسلين، حتى قال مولانا ﵎ فيه خطابا لنبينا - ﷺ -: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ (١٢٠)﴾ [سورة هود آية ١٢٠]، وقال: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ (٥)﴾ [سورة القمر آية ٤، ٥]. وفى هاتين الآيتين الكريمتين تنبيه على ما يقصده العاقل من الاطلاع على أحوال الماضين والوقوف على سير الغابرين من الاعتبار والاتعاظ والاستبصار، ولذلك نرى القرآن يتفنن في إيراد القصة الواحدة وإعادتها بأساليب. من طرق البلاغة ويبرزها في صور شتى على قدر ما فيها من وجوه العبر وضروب النظر، حتى احتوى من ذلك على جم مما كان لا يعرف الوجه الواحد من علوم أقاصيصه إلا أفراد الرهبان، ورؤساء الأحبار، ولذلك وصف نبينا - ﷺ - كتاب ربنا هذا بقوله: "فيه نبأكم وخبر ما كان قبلكم".
وكذلك أوحى الله تعالى من هذا الفن التاريخى إلى أنبيائه -في غير ما أنزله عليهم من الكتب أيضا- ما لا يستطاع استقصاؤه، وقد حدث نبينا - ﷺ - من ذلك بما ملأ الدفاتر، وعلى ذلك جرى سلفنا الصالح، فلم يزل الصحابة رضوان الله عنهم يتفاوضون في حديث من مضى، ويتذاكرون في أخبار من تقدمهم من الأمم، واقتدى بهم في ذلك سادات التابعين وأتباعهم بإحسان إلى يومنا هذا.
وأما واضع البشرى فهو الإنسان وهو قديم الوضع من عهد نبى الله آدم ﵊، ومأخذ ذلك هو قوله عندما تيقظ من نومته التي ألقاها الله عليه
[ ١ / ٣١ ]
-ليخلق حواء من ضلعه- كما ورد في التوراة: (هذه عظم عظمى ولحم لحمى) إذ قوله هذه حكاية حادثة شاهدها وواقعة حال حققها، ثم ترقى التاريخ بهذا المعنى شيئا فشيئا كسائر العلوم البشرية حتى دون ذلك، وكل شيء يبدو صغيرا ثم ينمو كما هو مشاهد، "سنة الله التي قد خلت في عباده ولن تجد لسنة الله تبديلا".
والتاريخ أيضا بمعنى التوقيت أى تعيين الوقت، كذلك قديم الوضع، فقد روى ابن عساكر في تاريخه بإسناده إلى الزهرى والشعبى، قالا: لما أهبط آدم ﵊ من الجنة وانتشر بنوه في الأرض، أرخوا من هبوطه إلى أن بعث الله سيدنا نوحا ﵇، فأرخوا من مبعثه إلى وقعة الطوفان، فأرخوا حتى جاءت حادثة نار سيدنا إبراهيم ﵇ فأرخوا بها.
ثم اجتمع رأى كل أمة من الأمم على شيء، فأرخ الروم واليونان بميلاد إسكندر الرومى، وأرخ المسيحيون بظهور سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، وأرخ بنو إسحاق من مبعث نبى إلى مبعث نبى آخر، وأرخ بنو إسماعيل -من بنيان البيت- حين بناه إبراهيم وإسماعيل- حتى تفرقوا، فكان كلما خرج قوم من تهامة أرخوا بخروجهم ومن بقى بتهامة منهم أرخ بخروج سعد ونهد وجهينة بنى زيد من تهامة حتى مات كعب بن لؤى فأرخوا من موته، ولا زالوا يؤرخون بما كان من الحوادث حتى أتى عام الفيل فجعلوه تاريخا إلى أن حصلت الهجرة فأرخوا بها وبقيت مبدءا للتاريخ الإسلامى إلى الآن (١).
ويعتبر التاريخ بالليالي، لأن الليل عند العرب سابق على النهار، لأنهم كانوا أميين لا يحسنون الكتابة ولم يعرفوا حساب غيرهم من الأمم، فتمسكوا بظهور الهلال، وإنما يظهر بالليل فجعلوه مبدءًا للتاريخ.
_________________
(١) مختصر تاريخ دمشق لابن منظور ١/ ٣٠.
[ ١ / ٣٢ ]
وأما ثمرته فالانتفاع بتذكر الحوادث التي حصلت في الكون خيرا أو شرا، والتبصر في الأمور والاسترشاد بما فات في كل ما هو آت للتخلى عن الصفات الذميمة والتحلى بالآداب والأخلاق الحميدة، إذ قصص من قبلنا عبرة لأولى الألباب في أحوال الدين والدنيا وما يعقلها إلا العالمون.
فإذا اطلع العاقل على سير المتقدمين من الأمم الراقية وأخلاقهم وسياستهم تاسى بهم وقاس نفسه عليهم، فانتصح بأحوالهم في دينهم ودنياهم، واكتشف عن عورات الكاذبين فيجتنب سوء أعمالهم ووخيم منقلبهم، ووقف على أحوال الصادقين فيقتدي بهم ويحرز لنفسه من معلومات العالمين وتصانيفهم واكتشافاتهم ما يشحذ ذهنه ويزيد في قوة إدراكه بأقرب الطرق وأيسرها مما لم يحصل عليه من سبقه إلا بعد العناء والكد.
وأما فضيلته فهو من أعظم العلوم وأعزها وأشرفها وأنفعها وأجملها وأكملها فهو أكبر مرب للأذهان ومرق لحالة الإنسان والعمران، وهو في الحقيقة برنامج ما مضى وتذكرة ما عناه الأولون من أحوال وتقلبات، وتبصرة لأولى الألباب في المستقبل، وعمر جديد للمطالعين يغنم ولا يهمل وفى فضله قيل:
ألا إن في التاريخ علما وحكمة وفيه اعتبار بالقرون الأوائل
إذا لم تكن بالجسم شاهدت من مضى فبالفضل قد شاهدتهم والشمائل
لذاك اعتنى بالكتب فيه أئمة جهابذة أولو التقى والفضائل
وهم كل قاض أو فقيه مدرس وذو أدب لم يدره باسم جاهل
وقال لسان الدين ابن الخطيب في صدر أرجوزته رقم الحلل في نظم الدول:
وبعد فالتاريخ والأخبار فيه لنفس العاقل اعتبار
وفيه للمستبصر استبصار كيف أتى القوم وكيف صاروا
[ ١ / ٣٣ ]
يجرى على الحاضر حكم الغائب فيثبت الحق بسهم صائب
وينظر الدنيا بعين النبل فيترك الجهل لأهل الجهل
وقيل:
إن شئت تكثير عقل فيه مصلحة لأجلها دارت الأفلاك أدوارا
فانظر لمعنى المواليد التي اختلفت واقرأ تواريخ من في الدهر قد صارا
وقيل:
ليس بإنسان ولا عاقل من لا يعي التاريخ في صدره
ومن درى أخبار من قبله أضاف أعمارا إلى عمره
وقيل:
إذا عرف الإنسان أخبار من مضى توهمته قد عاش حينا من الدهر
وتحسبه قد عاش آخر دهره إلى الحشر إن أبقى الجميل من الذكر
فكن عالما أخبار من عاش وانقضى وكن ذا نوال واغتنم آخر العمر
وقيل:
وما التاريخ إن فكرت إلا رياض تجتنى منها ثمارا
تنادم تارة فيها ملوكا وأخرى سادة علما كبارا
وآونة تنادم شرب راح أداروا في مجالسهم عقارا
تفيدك حالة الماضين علما ولا تألوك نصحا وادكارا
ترى فيها البلاد وساكنيها كأنك حاضر معهم جهارا
[ ١ / ٣٤ ]
به يعرف من خلف سير من سلف، ولولاه لجهلت الأنساب، ونسيت الأحساب، وتقطعت الأسباب. ولم يعلم الإنسان أن أصله من تراب ومآله إلى خراب. وقد ضمنت مقالتى التاريخية التي أمليتها بنادى الخطابة بمكناس خمسة عشر وجها من فضائله فلتنظر ثَمَّة.
وأقوى دليل على فضله وشفوف شرفه بين العلوم وقوع الاستدلال به والاحتجاج في القرآن الكريم -الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه- في قوله جل من قائل: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥)﴾ [سورة آل عمران آية ٦٥]، وهذا كما قال العلماء من لطائف الاستدلالات وأنفسها.
وأما حكمه فإنه يكون مطلوبا في غالب الحالات، وربما كان فرض كفاية، وبالجملة فالقول الفصل ما أفصح به أبو على اليوسى -في قانونه- إذ قال: كل ما يحتاج فيه إلى شيء من أمور الشرع كتاريخ سكة معلومة، أو مكيال معلوم، أو مسجد عتيق، أو التقى فلان بفلان من الرواة، أو إمكان التقائه، أو كان فلان من المتقدمين أو من المتأخرين أو من الصحابة أو لا، وغير ذلك فهو داخل في العلوم الشرعية المهمة، وما سوى ذلك بخارج عنها غير أنه إن أفاد فائدة أخرى كالاعتبار والاستبصار والاهتزاز بوصف محمود بسماع أخبار من اتصف به من صلاح، أو عبادة، أو زهد، أو شجاعة أو حلم، أو سخاء ونحوه والانتهاء عن مذموم عند ذكر من نعي به، أو تعليم صنعة أو حيلة نافعة، أو غير ذلك من المصالح فهو محمود كسائر العلوم التي ليست من أمور الدين كالحرف والصنائع التي تجلب للإنسان -كما هو مشاهد- جزيل المنافع وذلك إن لم يعطل عما هو أهم منه وإلا فالأهم المقدم.
وأما نسبته إلى غيره من أصول العلوم الأدبية فهو جزئى لها، وهى اللغة والصرف والاشتقاق والنحو والمعانى والبيان والعروض والقافية والخط وقرض
[ ١ / ٣٥ ]
الشعر والإنشاء والمحاضرات، نعم الثمانية الأولى أصول، والأربعة بعدها فروع، كما صرح بذلك أبو البقاء في كلياته وغيره، قال: ومنها التواريخ والبديع ذيل للمعانى والبيان، وقد جمعها الشيخ حسن العطار في قوله:
نحو وصرف عروض بعده لغة ثم اشتقاق وقرض الشعر إنشاء
كذا المعانى بيان الخط قافية تاريخ هذا العلم العرب إحصاء
وقد توقف الشيخ الأمير في عد التاريخ من علوم العرب وقوفا مع ظاهر كون الأمية فيهم هى الأصل وعمدة التاريخ الكتابة. ونحن نقول توقفه غير ظاهر، لأن العرب أكثر الناس اعتناء بالمحافظة على معرفة الأنساب وأشد الأمم ولوعا بحكاية الوقائع والأخبار والحروب والقصص، وذلك في أشعارهم كثير، وغير خاف أن شعر العرب مستودع أخبارها، ففيه علومهم وأخبارهم وحكمهم وهو ديوانهم الجامع لمآثرهم، وقد جعل الله تعالى أناجيلهم في صدورهم، وأغناهم بقوة الحفظ وسيلان الأذهان عن الاحتياج للكتابة وما يتبعها من الوسائل، ولو دفعنا عنهم التاريخ بعدم كتابتهم لدفعنا بذلك أيضا عنهم سائر العلوم الأدبية التي لا ينازعهم فيها أحد وذلك باطل بالضرورة، وسترى في كلام الحسن بن سهل الآتى قريبا أن علم النسب وأيام الناس عربى الأصل وكفى به ردا لتوقف الأمر.
ثم إن إطلاق الأدب على الاثنى عشر المذكورة مولد حدث في الإسلام كما أفصح بذلك شارح القاموس، فإن علم الأدب لغة هو: تعلم رياضة النفس ومحاسن الأخلاق. قال أبو ريد الأنصارى: الأدب يقع على كل رياضة محمودة يتخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل، والأزهرى نحوه كما في المصباح، ونقل الخفاجى في العناية عن الجواليقى في شرح أدب الكاتب أن معناه لغة حسن الأخلاق وفعل المكارم هـ.
[ ١ / ٣٦ ]
وقال ابن خلدون في مقدمته: هذا العلم يعنى الأدب لا موضوع له ينظر في إثبات عوارضه أو نفيها، وإنما المقصود منه عند أهل اللسان ثمرته وهى الإجادة في فنى المنظوم والمنثور على أساليب العرب ومناحيهم، فيجمعون لذلك من كلام العربَ مما عساه تحصل به الملكة: من شعر عالى الطبقة، وسجع مَبْثُوثة (١) أثناء ذلك متفرقة يستقرى منها الناظر في الغالب معظم قوانين العربية، مع ذكر بعض من أيام العرب يفهم به ما يقع في أشعارهم منها، وكذلك ذكر المهم من الأنساب الشهيرة والأخبار العامة، والمقصود بذلك كله أن لا يخفى على الناظر فيه شئ من كلام العرب وأساليبهم ومناحى بلاغتهم إذا تصفحه، لأنه لا تحصل الملكة من حفظه إلا بعد فهمه، فيحتاج إلى تقديم جميع ما يتوقف عليه فهمه (٢).
ثم إنهم إذا أرادوا حد هذا الفن قالوا: الأدب هو حفظ أشعار العرب وأخبارها والأخذ من كل علم بطرف، يريدون من علوم اللسان أو العلوم الشرعية من حيث متونها فقط وهى القرآن والحديث إذ لا مدخل لغير ذلك من العلوم في كلام العرب إلا ما ذهب إليه المتأخرون عند كلفهم بصناعة البديع من التورية في أشعارهم وترسلهم بالاصطلاحات العلمية، فاحتاج صاحب هذا الفن حينئذ إلى معرفة اصطلاحات العلوم هـ (٣).
ونقل أبو على اليوسى في محاضراته عن الحسن بن سهل قال: الأدب عشرة أصناف: ثلاثة شهرجانية وهى ضرب العود ولعب الشطرنج واللعب بالصوالجة، وثلاثة أنوشروانية وهى الطب والهندسة والفروسية، وثلاثة عربية وهى الشعر والنسب وأيام الناس، والعاشر مقطعات الحديث والسمر وما يتعاطاه الناس بينهم في المجالس وهذا عام هـ.
_________________
(١) تحرف في المطبوع إلى "ثبوتة" وصوابه لدى ابن خلدون الذى ينقل عنه المصنف.
(٢) مقدمة ابن خلدون ٣/ ١١٣٩.
(٣) مقدمة ابن خلدون ٣/ ١١٣٩.
[ ١ / ٣٧ ]
وفى نفح الطيب أن علم الأدب في الأندلس كان مقصورا على ما يحفظ من التاريخ والنظم والنثر ومستظرفات (١) الحكايات، قال: وهو أنبل علم عندهم، ومن لا يكون فيه أدب من علمائهم فهو غفل مستثقل (٢).
وإنما كان التاريخ من الفنون الأدبية لأنه أكبر مرشد للتخلق بمكارم الأخلاق ومجانبة أهل الرذائل والنقائص والفرار من الأشرار، ولأنه أقوى معين ومساعد على نمو قوة ملكة الإنشاء نظما ونثرًا للاستشهاد بشواهده والاستمداد من فوائده والائتمار بأوامره والانتهاء بنواهيه وزواجره لمن أبصر رشده وأراد الله هدايته.
وأما استمداده فهو إما من الكتب المنزلة كالتوراة والإنجيل والزبور والفرقان. وإما من أخبار الأنبياء أهل التحقيق والعرفان. وإما من الحوادث المشاهدة بالعيان. والآثار الضخمة العظيمة الشان. وإما مما دونته رواة الأخبار وأولاه ما نقلته عن مشاهدة وعيان. فإن ذلك يغنى هم كل برهان. ويكسب صاحبه علما يقينا لا يشككه فيه ثان. وإما من الوقائع المسموعة ممن شاهدها من المعاصرين الأعيان.
نعم لا غنى لمن يعول في النقل على هذا الأصل من اعتبار أحوال المسموع والمسموع منه، أما الأول فبأن يعتبر إمكانه في نفسه باعتبار العقل والحقيقة فإن دخل في حيز الإمكان بهذين الطريقين نظر فيه، واعتبره ثانيا باعتبار حال المسموع منه بأن يكون ثقة غير مغفل فإن لم يكن فيهما مانع فحينئذ يعول عليه ويجعله أصلا لديه، وإنما اعتبرنا الإمكان شرطا في قبول ما جاء من هذه الطريق وفى الحقيقة كل الطرق مثلها لأن غير الممكن لا نظر فيه، إذ هو ملطوم به وجه الآتى به، وأما ما صح عن المعصوم فلا يكون إلا ممكنا إذ:
_________________
(١) في المطبوع "ومستطرفات" والمثبت لدى القرى في نفح الطيب الذى ينقل عنه المصنف.
(٢) نفح الطيب ١/ ٢٢٢.
[ ١ / ٣٨ ]
لم يمتحنا بما تعيا العقول به حرصا علينا فلم نرتب ولم نهم
وبهذا يأمن الخائض في هذا الفن من البناء على المستحيل، وإنما اعتبرنا حال المسموع منه لأنه لا التفات لنقل كذوب، ولا لمن ليس بضابط، فإنه لا بناء إلا على أساس صحيح، وإلا كان الإنسان عاقبته الخيبة، ومن هنا تعلم أن صاحب هذا الفن لا غنى له عن التبصر في علم الحقائق والرقائق والمهارة في المواد والطرائق حتى يكون ناقدًا بصيرًا، وبإماطة أذى غثه من سمينه كفيلًا خبيرًا.
ومن طرق استمداده أيضا الآثار القديمة والبناءات الضخمة العظيمة كقصر البنت الموجود أثره بالحِجر بكسر الحاء وسكون المعروف اليوم بمدائن صالح في وادى القرى على طريق المار من الشام إلى مكة المعظمة، وبقايا الرواق الأعظم، وقصر بصرى حوران، وقلعة صلخد في حوران، وبقايا قصر المشتى، وبقايا القصر الأبيض، وبقايا الأهرام وما بصعيد مصر من الآثار، وما بمصر أيضا عند أطلال مدينة طيبة القديمة.
وما بالقدس الشريف من بقايا بناء نبى الله سيدنا داود ﵊، وما كان شاخصًا من الأطلال قبل، بل وفى الحين الحالى الكائنة بمدينة وليلى (١) من جبل زرهون المعروفة في زماننا الحاضر بقصر فرعون مع ما اكتشفه علماء الفن من الآثار العجيبة الهائلة ذات البال في هذا العهد هنالك أيضا وغير ذلك مما يطول.
ومنها السكك المضروبة من ذهب وفضة وغيرهما كورق أهل الكهف، وبعث أحدهم به إلى المدينة كما نص الله تعالى في كتابه الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ونقود السبَّئِيّين في اليمن، ونقود الرومانيين الموجودة في الزمن الحاضر بمتحف الآثار المكتشفة بمدينة وليلى المشار لها ووهب اللات وغيرها.
_________________
(١) لدى ياقوت: وَلِيلَى: مدينة قرب طنجة.
[ ١ / ٣٩ ]
وقد شاهدت عين البعض مما ذكر وصور البعض في كتب المعتنين بذلك الشأن، وكالرسوم والأعمدة والقوائم الضخمة التي يستدل ببقائها من زمان نشأتها القديم إلى رمان الوقوف عليها على أنها منظور إليها بعين العناية والاعتبار والرعاية والرسوم والأطلال مع ما رقم عليها، وسيمر بك بعض ذلك إن شاء الله فترقب، وكل ما يشهد لحقيقة الأمر وينتفى به الشك في حكاية الواقع.
ثم بعد تحصيل الناظر في هذا الفن لهذه الأصول فعليه أن يعضدها بأصل رابع وهو التثبت والتحرى ولزوم الصدق وعدم الميل مع غير الحق حتى يتجرد بالكلية، عن الأغراض الشخصية، والمحاباة والحمية، وحكاية غير الواقع ونسبة الأمور والواقع ونسبة الأمور والوقائع لغير أربابها، إذ بالتثبت يثمر مقاله، ويزكو بين البرايا حاله، وبالعلم ينفذ من مهاوى السقوط في الزلات والأغاليط، وبالأمانة تنتفى عنه الشهوات والأغراض، فيتكلم بلسان الحوية، متجافيا عن الشهوات النفسية، وواقفا عند حد العدل والمدنية.
ولا غرو أن فحول المؤرخين قد استوعبوا أخبار ما تكلموا عليه من أيام الأمم وسطروها على صفحات الدفاتر، ولكن خلطها المتطفلون بدسائس من الباطل لاحظوها بطرف فاتر، ولفقوها بزخارف واهى الروايات، ولم يلاحظوا أسباب الوقائع والأحوال في تلك الحكايات، ولم يرفضوا ترهات الأقاويل، ولم يميزوا بين الصحيح وما ليس عليه تعويل، فتحققهم في أمرها قليل، وطرف تحقيقهم في الغالب كليل.
وعن ذلك نشأ ما حشيت به التواريخ من كثرة الدخيل، الذى لا يلتفت إليه إلا سقيم الإدراك عليل، ولا يؤبه به لا في قبيل ولا في دبير.
والغرض من التنبيه على هذا تحذير مطالع التواريخ من التعويل على كل قيل، والبناء عليه من غير تفرقة بين صحيح أصيل، وباطل دخيل.
[ ١ / ٤٠ ]
أما الذين ذهبوا بفضل الشهرة والأمانة المعتبرة في التاريخ فهم قليلون، منهم اليعقوبى في منتصف القرن الثالث، وابن جرير في "تاريخ الأمم والملوك" المتوفى عام عشرة وثلاثمائة، والمسعودى في تواريخه الثلاث "أخبار الزمن" و"الأوسط" و"مروج الذهب" المتوفى سنة خمس وأربعين وثلاثمائة، وابن الأثير في كامل التواريخ المولود سنة خمس وخمسين وخمسمائة، المتوفى سنة ثلاثين وستمائة. وابن خلدون في كتاب العبر وديوان المبتدإ والخبر، المتوفى رمضان سنة ثمان وثمانمائة.
وتواريخ هؤلاء من بدء العالم إلى أيامهم، وقد جاء من بعدهم في كل رمان ومكان من استدرك ما فاتهم وذيل عليهم بتدوين ما قصرت عنه حياتهم واستمر ذلك إلى وقتنا هذا وهو ثانى عشرى رجب الفرد الحرام عام تسعة وثلاثين وثلاثمائة وألف، فكثرت بسبب ذلك موضوعات هذا الفن وتنوعت أساليبه، وتعددت أسبابه، حتى لو رام أحد تقصى ذلك لعجز.
وقد ذكر المسعودى جملة كبيرة منها وتاريخه لغاية سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة فما ظنك بما بعد ذلك.
وقد عد الشيخ عبد الرحمن بن حسن الجبرتى في كتابه "عجائب الآثار" جملة صالحة منها، وسرد صاحب "كشف الظنون" من التواريخ في زمانه ثلاث عشرة مائة، وقد أوجز إذ لا موقع لهذا العدد في جانب ما فاته من ماض عنه فأحرى ما هو آت بعده.
فعلى الإنسان أن يستفرغ في الاستطلاع جهده ولا يوقع نفسه في ورطة الحصر، فإنه ما رامه أحد إلا تعدى طوره. وأفنى عمره ولم يبلغ غوره. وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها.
وأما مسائله فهى عبارة عن كليات حكمية مأخوذة من التمحيص التفصيلى يهتدى بها في أحوال الدول ومآل حياتهم، كقولهم: كل دولة لا بد لها من عصبية
[ ١ / ٤١ ]
في أول نشأتها، وقولهم: الطمع والترف يؤديان إلى دمار الممالك، وتعطيل المسالك، وقولهم: إن الدول إذا تهممت بالطرف والذخائر وقصرت هممها على الحلى والحلل والفرش الهائلة والمبانى المشيدة دل ذلك على تحلل تركيبها واضمحلال ضخامتها وفناء رونقها وحسنها ونقصان كمالها وآل أمرها إلى الاندثار والدمار، وقولهم: العدل سور لا يغرقه ماء ولا تحرقه نار ولا يهدمه منجنيق وقولهم: عدل قائم، خير من عطاء دائم، وقولهم: لا يكون العمران، حيث لا يعدل السلطان، وقولهم: قيمة العدل ملك الأبد وقيمة الجور ذل الحياة، وقولهم: العدل يسع الخلق والجور يقصر عن واحد، وقولهم: من كثر ظلمه واعتداؤه قرب هلاكه، وقولهم: رأس المملكة وأركانها وثبات أحوال الأمة وبنيانها العدل والإنصاف، وقولهم: الظلم نقيصة لا يألفها إلا كل متوحش جاهل، والعدل فضيلة عظيمة لا يتحلى بها إلا كل متمدن عاقل.
العدل روح به تحيا البلاد كما دمارها أبدا بالظلم ينحتم
الظلم شين به التعمير ممتنع والعدل زين به التمهيدي ينتظم
وقولهم: إن خير السلاطين من عمل في أمر الرعية بالعدل والإنصاف ولم يقبل بغى بعضهم على بعض، وقولهم الملك لا يتم عزه إلا بالشريعة والقيام لله بطاعته والتصرف تحت أوامره ونواهيه، وقولهم: بالعدل تطول المملكة وتصح الرعية وتكثر العمارة، وقولهم: إذا هم الوالى بالجور وعمل به أدخل الله النقص في أهل مملكته حتى في التجارات والزراعات وفى كل شيء، وإذا هم بالخير أو عمل به أدخل الله البركة على أهل مملكته حتى في التجارات والزراعات وفى كل شيء ويعم البلاد والعباد.
واعلم أن مدار جل هذه الكليات على العدل ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [سورة
[ ١ / ٤٢ ]
النحل آية ٩٠]، وأن العدل هو القسطاس المستقيم في الرعايا والعوالم، فإن الله تعالى خلق العوالم مختلفة متقابلة متضادة مزدوجة، ويعسوب ثباتها الكفيل بسعادة حياتها هو العدل فيها يربط شئونها بالطريق الوسط، الخالى من التفريط والشطط، فإن ذلك به تطمئن القلوب من الشعوب، وبه ترتبط على التعاضد في مدلهمات الخطوب، وبضده تنال مهاوى الفشل والتفرق والاندثار، وتلاقى الأمة من شقاوة الحياة سائر الأخطار.
فحقيق على كل دولة رامت السعادة والثبات أن تجعل العدل أساس تصرفاتها، ومركز سائر تقلباتها، وأن تتعاهد إصلاح ما اختل من ذلك كل حين، وأن تجعله محور دوائر المراقبة منها على ممر الأوقات والسنين، وليس يتأتى ذلك إلا بإدمان النهضة لتصفح أحوال المتولين، والمبادرة لطرد الظالمين، والضرب على أيديهم، وإظهار مزايا من وجد منهم لطريق العدل سالكا، ولسائر الأغراض الشخصية في ولايته تاركا، فقد قيل لبعض الحكماء: بم يزول الملك؟ قال: بغش الوزير، وسوء التدبير. وفساد الطوية، وظلم الرعية، ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [سورة ص آية ٢٦].
هذا وقد آن أن نتخلص للمقصود فنقول: حيث كان فن التاريخ تقصر الحافظة عن الإحاطة بإفادته، وتنقض خطا القلم عن الإلمام بسائر مهماته، تعين صرف العنان من الإنسان لتحرير ما هو الأهم به في طوره الآن.
وذلك شيئان أصل تخطيط بلدة أقيم فيها. وأحوال دولة هو الآن بين رجالها، وأهمية الأول هى باعتبار أن جاهل تخطيط بلدته، التي بها مسقط رأسه ومحط رجال أهل جلدته، يكاد مع انتفاء الموانع أن لا يضرب له في الإنسانية بسهم من فئته، ويعد ذاهلا حتى عن أصل نشأته.
[ ١ / ٤٣ ]
وأهمية الثانى هى باعتبار أن جاهل ما هو بين الأظهر حال، يكاد يحصل اليأس منه بمعرفة ما لمن بعد عنه ممن تقدم من الأحوال. فكانت معرفة الشخص بتخطيط بلدة إقامته، وأحوال رجال دولته، عنوانا كاملا لنجابته، ومحكا واضحا لشفوف قدره ومكانته.
وبهذه الطريقة تعين عليّ أن أجعل إفادة الطالب بملخص تخطيط وتقلبات بلدتنا، ووقائع وأحوال رجال دولتنا، من واجب الحقوق المرعية، والتحف السنية المرضية. فأقول:
من الرازق الوهاب أرجو هداية وتسديد قول بين كل الخليقة
وفتحا قريبا يذهب الرين عن حشا أقام بها عجب وداء ضغينة
ويشرح صدرا ضيقا حرجا بما ألم من الأوزار من سوء سيرة