ملوك، ٢ حمام التوتة، ٣ حمام تربيعين، ٤ حمام السويقة، ٥ حمام مولاى عبد الله بن أحمد، ٦ حمام باب البراذعيين، ٧ حمام مولاى إسماعيل، ٨ حمام لال خضراء، ٩ حمام جامع الزيتونة، ١٠ حمام الجديد، ١١ حمام الحرة ويعرف بحمام سيدى عمرو بو عوادة، ويمكن أن تكون الحرة التي أُضيف إليها هذا الحمام هى أم أيمن بنت على البطوئى (١) أم السلطان يعقوب بن عبد الحق المرينى لأنه كثيرا ما تذكر في الكتب التاريخية بالحرة والله أعلم.
والذى يعين أنه هو المضاف اليوم لبوعوادة الولى المتبرك به هو ما في "ممتع الأسماع" ولفظه: أبو حفص عمرو بن عوادة دفين حومة حمام الحرة من مكناسة، وأما الدار التي كان يسكنها الفنشى فوصف ابن غازى لها يقضى بأنها في موقع مدرسة الشهود المتقدمة الذكر، أو سوق البز المعروفة بالقيسارية.
وعدد دور المدينة الآن ثمانية آلاف دار وخمسمائة وخمس عشرة دارا.
وعدد دكاكينها أربعة آلاف تقريبا.
وعدد حوماتها تسعة وعشرون وهى حومة حمام الجديد، وزقاق القلمونة، وأروى مزيل، وجامع الزيتونة، وقعر وردة، وفرن النوالة، وسيدى أحمد بن خضراء، وعقبة الزرقاء، والتوتة، وتزيمى الكبرى، وتزيمى الصغرى، وجناح الأمان، وزنيقة الأنوار، وجامع النجارين، وظهر السجن، والصباغين، وبريمة، وقصبة هدراش، وباب مراح، وسيدى عمرو الحصينى، وسيدى النجار، والدريبة، والستينية، والدار الكبرى، والأروى، والجبابرة، وبنى محمد، والدار البيضاء، والملاح.
وأما بالنظر إلى التقسيم فمكناس كغيره من مدن الإِيالة ينقسم كما في البستان، في تخطيط البلدان، ثلاثة أقسام: القصبة المولوية، والمدينة الأصلية، والملاح، والسور محيط بالجميع.
_________________
(١) بضم الطاء مشددة، فواو وهمزة قبل ياء النسب، قيده صاحب نشر المثانى في موسوعة أعلام المغرب ٣/ ١٢٨٥.
[ ١ / ١٤٢ ]
وعدد أرجاء الماء بها اليوم اثنتان وأربعون، وعدد الأفران اثنان وثلاثون، وعدد الطرازات المعدة لنسج الصوف ثمان وعشرون، وعدد الإصطبلات تسع وأربعون، وعدد معامل الزليج والأوانى الخزفية وما شاكلها تسعة عشر.
وعدد سكانها من الأهالى ثمانية وعشرين ألف نسمة ومائتان وسبع على ما أنتجه الإحصاء الأخير، والذى يظهر من تساهل المكلفين بهذا الإحصاء وعدم ضبطهم أن عدد السكان يزيد على ذلك بما ينيف على العشر، وأما عدد سكانها من الإسرائليين فخمسة آلاف وسبعمائة وثلاثة وستون، وأما سكانها من الفرنسيين المدنيين فألف وتسعمائة، وأما سكانها من الأجانب غير الفرنسيين فسبعمائة وتسعة وخمسون، فجميع السكان على هذا ست وثلاثون ألفا وستمائة وتسع وعشرون، وقد أشرنا إلى أنه لا معول لمن رام التحقيق على هذا الإحصاء فقد أغفل أهله عائلات كثيرة من الأهالى والأجانب.
فصل: قال ابن غازى: وذكر ابن خلدون أن السلطان أبا يوسف المرينى لما فرغ من بناء البلد الجديد المسمى بفاس الجديد، أمر ببناء قصبة مكناسة، انتهى من خطه (١). زاد غيره وجامعها، انتهى. أى أمر ببناء جامع القصبة معها، وزاد ابن خلدون فشرع في بنائها من سنته، انتهى. يعنى سنة أربع وسبعين وستمائة كما بينه هو وابن أبى زرع وغيرهما.
والشروع في بناء فاس الجديد اتفقت كلمتهم على أنه كان في شوال من السنة المذكورة زاد في "روضة النسرين" وغيرها أن ركوب ابن يوسف من القصبة القديمة بفاس وخروجه لتأسيس فاس الجديد وحفر، أساسه كان ضحى يوم الأحد ثالث شوال عامه، وزاد ابن أبى زرع أن أمره ببناء قصبة مكناسة كان في شوال المذكور.
قلت: فعلى هذا كان الشروع في فاس الجديد والفراغ منه في ظرف نحو العشرين يوما لا غير، وهو في غاية البعد، والذى عند ابن خلدون أن كمال
_________________
(١) الروض الهتون - ص ٨٧ - ٨٨.
[ ١ / ١٤٣ ]
بناء المدينة المذكورة وسكنى الأمير المذكور بها كان سنة أربع وسبعين وستمائة، انتهى.
فلم يصرح باليوم والشهر اللذين كان فيهما ذلك، فجاز أن يوافق ما صرح به ابن أبى زرع، وجار أن يخالفه وهو الظاهر، ويعضد ذلك ما في الحلل الموشية لابن الخطيب، وهذا لفظ ما في النسخة المطبوعة الآن منها، وفيها أى في سنة أربع وسبعين وستمائة ابتدئ بناء البلد الجديد بخارج مدينة فاس وهو المدينة البيضاء وتم في ذى الحجة سنة سبع وسبعين وستمائة، انتهى.
والظاهر صحة ما قاله ابن الخطيب، فإن العادة في البناء الكثير وخصوصا مدينة أن لا يتم إلا في أعوام، وسيمر بك أن مدة بناء سيدنا الجد المولى إسماعيل للقصر الكبير بمدينتنا مكناسة ثمانى سنين مع ما كان عليه من ضخامة الملك وشدة الحرص على البناء، مما لا يساويه فيه بل ولا يدانيه بانى فاس الجديد، وسيمر بك في كلام الزيانى وغيره شاهد ذلك، وفى كلامه زيادة على ما لابن خلدون بتعيين الشهر الذى وقع الفراغ من بناء فاس الجديد فيه وهو ذو الحجة، وفيه مخالفة أيضا لابن أبى زرع في وقت الشروع في قضبة مكناسة، فصريح كلام ابن أبى زرع أنه كان في شوال، ومقتضى ما لابن الخطيب أنه في ذى الحجة وهو الظاهر والله أعلم.
ثم هذه القصبة قصبة مكناسة المحدث عنها لم يتنازل أحد من المؤرخين فيما رأينا للتصريح بما يحقق تحديدها وتفاصيلها، غير أن الشواهد والقرائن التي تعطيها نصوصهم ترشد إلى أن موقعها كان فيما بين منتهى جامع القصبة المعروف بهذا الاسم قديما وحديثا وبجامع لآل عودة أيضا، وبين السور الواقع بإزائه الذى هو آخر القصبة الإسماعيلية المحيطة بالقصور الملوكية المعدة لسكنى العائلة الآن.
وأما تحقيق حدود القصبة المرينية في هذه المساحة التي أرشدت إليها قرائن
[ ١ / ١٤٤ ]
نصوصهم وكذلك الجزم ببقاء شئ من عينها بعد الإضافات الكثيرة والتجديدات الهائلة التي أنشأتها الهمة الإسماعيلية هناك، فهو مما لا سبيل إليه في هذه الأزمنة الحاضرة، وحسب الواقف هنا قبول هذا الخبر التاريخى من غير تطلب لمطابق له خارجا، وسنأتى بحول الله من تفاصيل تأسيسات الجد مولانا إسماعيل وهائل تخطيطاته في قصبته ما يزيح عنك البين، ويدفع عنك فيما سطرناه المين.
نعم جامع القصبة المذكور سيأتى لنا ترشيح أنه هو جامعها المرينى المأمور ببنائه معها، وإن كنا لا نجزم بأن البناء الموجود فيه الآن هو الأصلى وسننبه على ما عينه النص فيه أنه من الأعمال الإسماعيلية أو غيرها والله أعلم.
وأبو يوسف بانى القصبة المذكور، هو أمير المسلمين يعقوب بن الأمير أبى محمد عبد الحق الزناتى المرينى وهو سادس سلاطين الدولة المرينية لقبه القائم بأمر الله والمنصور بالله، مولده سنة تسع وستمائة، وبويع سنة ست وخمسين، وتوفى سنة خمس وثمانين وستمائة، فعمره خمس وسبعون سنة، ومدة ملكه تسعة وعشرون سنة وستة أشهر واثنان وعشرون يوما، كذا في "روضة النسرين".
وما ذكره في هذه ملكه يقتضى أن مبايعته كانت قبل فاتح عام ستة وخمسين بستة أشهر، وهو مخالف لما تقدم عنه من أنها سنة ست وخمسين فاعرفه.
صفته: أبيض اللون، تام القد، معتدل الجسم، حسن الوجه والصورة، واسع المنكبين، أشيب كأن لحيته قطعة ثلج من بياضها ونورها وإشراقها، وكان شجاعا حازما، من فضائله أنه لم تهزم له راية ولم يقصد عدوا قط إلا قهره، ولا جيشا إلا هزمه، ولا بلدًا إلا فتحها.
استرجع سَلاَ من يد الإصبان في ظرف أربعة عشر يوما من احتلالهم بها وذلك سنة ستمائة وثمان وخمسين، وانتصر عليهم الانتصارات الباهظة وغنم غنائم طائلة، وقد نقل بعد وفاته فدفن في روضة شالة من رباط الفتح.
[ ١ / ١٤٥ ]
تنبيه: قال ابن أبى زرع: ومن تابعه ومن سعادتها يعنى فاسا الجديد وسعادة طالعها أنها لا يموت فيها خليفة ولم يخرج منها لواء إلا نصر، ولا جيش إلا ظفر، انتهى.
وأقول كم لواء خرج منها فكسر. وجيش فهزم ودمر. والعيان أكبر شاهد وحسبك ما وقع أواخر الدولة العزيزية في فتنة أبى خمارة التي قضت على ما كان من بقية الرمق بالمغرب، وسيمر بك بحول الله وقوته تفصيل ذلك، نعم إن قصرت تلك المقالة على ما سلف كما هو مقتضى ظاهر لفظها فلا بحث إلا من جهة أن المقالة تقتضى أن عدم وقوع ذلك في سالفه لأجل خصوصية هناك، مع أن ذلك إنما كان اتفاقيا وإلا لدام، والله أعلم.
ثم قال في الروض: وبنى السلطان أبو يوسف أيضا بمكناسة مدرسة الشهود التي بأعلى سماطهم هنالك، ويقال لها مدرسة القاضى، لأنها كان يدرس بها القاضى أبو على الحسن بن عطية الونشريسى وسيأتى ذكره إن شاء الله تعالى، ثم نوه بها أبو الحسن المرينى المسمى بأبى الحسنات الكثير الآثار بالمغرب الأقصى والأوسط والأندلس، فبنى فيها مرافق كثيرة كزاوية القورجّة، وزاوية باب المشاوريين وغير ذلك من السقايات والقناطر في طرقاتها ونحوها، ومن أجلِّ ذلك المدرسة الجديدة، وكان قدم للنظر على بنائها قاضيه على المدينة المذكورة أبا محمد عبد الله بن أبى الغمر (١).
فحدثنى والدى (٢) -﵀- أنه كان يسمع ممن أدرك من الشيوخ أن السلطان أبا الحسن رحمه الله تعالى لما أخبر بتمام بنائها جاء إليها ليراها، فقعد على كرسى من كراسى الوضوء حول صهريجها، وجئ بالرسوم المتضمنة للتنفيذات اللازمة فيها، فغرقها في الصهريج قبل أن يطالع بما فيها وأنشد:
لا بأس بالغالى إذا قيل حسن ليس لما قرت به العين ثمن
_________________
(١) الروض الهتون - ص ٨٨.
(٢) الروض الهتون - ص ٩٠.
[ ١ / ١٤٦ ]
ولما ولى بعده ولده أبو عنان نوه بها أيضا وتفقد أحوالها، وكان من جملة ذلك أن أمر بالاقتصار على عشرة من الشهود بها وعزل الباقين على كثرتهم، انتهى من خطه (١).
قلت: أما مدرسة القاضى فقد قدمنا بعض ما يتعلق بها وهى المعروفة اليوم بالمدرسة الفيلالية، وكأنها تنسب لمن كان يسكنها من طالبى العلم أهل تافيلالت، وقد نبهنا فيما سبق على أن سماط العدول حول عنها للدكاكين المسندة للجهة التي عن يمين المصلى بالمسجد الأعظم.
وأما أبو الحسن المرينى فهو السلطان أبو الحسن على بن السلطان عثمان بن يعقوب بن عبد الحق المرينى لقبه المنصور بالله، مولده في صفر سنة سبع وتسعين وستمائة، وبويع يوم الجمعة الخامس والعشرين من ذى القعدة سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة، وتوفى بجبل هنتانة ليلة الثلاثاء السابع والعشرين من ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة، ودفن بمقبرة السعديين الشهيرة بمراكش يوم الأربعاء التالى ليوم وفاته المذكور، ونقل إلى تربة أسلافه بشالة في اليوم السادس عشر من جمادى الأولى من العام المذكور حسبما هو منقوش في رخامة على القبر الذى نقل منه بالروضة المذكورة قد وقفت على ذلك بنفسى، ورأيته بعين رأسى.
قال في "روضة النسرين": فمدة ملكه عشرون سنة وثلاثة أشهر ويومان اثنان وعمره ستون سنة، انتهى.
ومما ذكره في مدة عمره مخالف لما ذكره في تاريخ ولادته ووفاته، فإن مقتضاها أن عمره خمس وخمسون سنة ونحو شهرين اثنين لا غير.
صفته: طويل القامة، عظيم الهيكل، معتدل اللحية، حسن الوجه، سالكا سبيل العدل والتقوى، محبا للصالحين، حبب إليه الطيب.
_________________
(١) الروض الهتون - ص ٩١.
[ ١ / ١٤٧ ]
تنبيه: قال في "روضة النسرين" وجميع ما ولد له ما بين ذكور وإناث وسقط وغيره ألف وثمانمائة واثنان وستون، أخبرنى بذلك ثقته الشيخ المعمر علال بن آمصمود الهسكورى اهـ.
وأبو الحسن هذا هو فخر الدولة المرينية وواسطة عقدها، ومشيد منار مجدها يعرف عند العامة بالسلطان الأكحل لسمرة لونه، عهد له بالملك والده.
قال ابن خلدون: ولما هلك السلطان أبو سعيد اجتمع الخاصة من المشيخة ورجال الدولة لولى عهده الأمير أبى الحسن وعقدوا له على أنفسهم وآتوه طاعتهم وبيعتهم. قال: وتولى أخذ البيعة له يومئذ على الناس المزوار عبو بن قاسم رئيس الورعة والمتصرفين، انتهى.
وأبو الحسن هذا هو صاحب وقعة غرق الأساطيل بمرسى بجاية الشهيرة، وكان عدد تلك الأساطيل التي تراكمت عليها الأمواج من كل مكان نحو الستمائة أسطول، قال، في نفح الطيب (١): إن أساطيل السلطان أبى الحسن كانت نحو الستمائة فهلكت كلها ونجا هو على لوح وهلك كل من كان معه من أعلام المغرب وهم نحو أربعمائة عالم، منهم: أبو عبد الله محمد بن سليمان السطى شارح. الحوفى، ومنهم: أبو عبد الله محمد بن الصباغ المكناسى، وتأتى ترجمته في رجال مكناسة، ومنهم الأستاذ الزواوى أبو العباس وغير واحد.
وكان غرق الأسطول على ساحل الأندلس، وهو الذى استرد جبل الفتح من يد الإصبان وهو جبل طارق بعد أن أنفق عليه الأموال وصرف إليه الجنود والحشود ونازلته جيوشه مع ولده وخواصه وضيقوا به إلى أن استرجعوه ليد المسلمين، وذلك سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، وبعد استرجاعه اهتم ببنائه وتحصينه وأنفق عليه أحمال مال في بنائه وحصنه وسوره وأبراجه وجامعه ودوره ومحاريبه، وكان
_________________
(١) نفح الطيب ٦/ ٢١٤ - ٢١٥.
[ ١ / ١٤٨ ]
بقاء هذا الجبل بيد العدو أربعا وعشرين سنة، إذا كان استيلاؤهم عليه سنة تسع وسبعمائة، وكانت مدة حصار أبى الحسن له ستة أشهر، وكم خلد في المغربيين من مفاخر تستلفت الأنظار، وتبرهن عما كان له من ضخامة الملك والاقتدار، ولم يزل أمره بين نمو وظهور إلى وقعة غرق أساطيله المذكورة ثم صارت ضخامة ملكه بعدها تتراجع ودولته تتناقض إلى أن لبى داعى مولاه.
وأما زاوية القورجّة -بتشديد الجيم كما رأيته في خط ابن غازى- فقد عفى منذ أزمنة طوال اسمها، وإن بقى إلى الحين الحالى رسمها في الجملة وموقع مسماها بالمحل المعروف اليوم بعقبة الزيادين، ويقال لها عقبة الزيادى، كان فيما سلف تطاول على جانب منها بعض أولى الأمر وصيره من جملة روض له وذلك الروض هو المعد الآن محكمة للمراقبة المدنية على الحكام الأهليين والشئون البلدية والكوميسارية، وصار طرف آخر من تلك المدرسة معدا لربط الدواب، والفاضل عن ذلك جعل معملا لطبخ الحبص، وعهدى بمحرابها فيما مر قائم العين، أما الآن فلا أدرى. وهذه الأمكنة كلها بيد الأجانب اليوم.
ولا عجب في صدور هذا وما ضارعه من قوم لا يهمهم تعظيم حرمات الله ولا يرعوون عن السعى في تخريبها وانمحاء ما أثله حماة الدين من الأعمال الشريفة المبرهنة على شممهم. وعلى هممهم. أولئك الذين عاشوا وشغلهم الشاغل إقامة معالم الدين، والمحافظة على كيان عزه المتين.
ومن خرب قلبه من التقوى، ونشأ في عماية وتغذى بلبان الجهل العريق والاستبداد التام واتخذ إلهه هواه فترك بيوت المجد بلاقع. وأدار من بلاياه كئوس السم الناقع، وظن الخيانة أمانة، وسفاهة الرأى عبادة وديانة، أنى يستغرب منه صدور ما ذكر من إهانة حرمات الله والتطاول عليها! هذا وسلاطيننا الجلة الأماجد لم تأخذهم سنة في زمن من الأزمنة عن تنبيه رعاياهم وولاة أمرهم، وإعطائهم
[ ١ / ١٤٩ ]
الأوامر كل آونة بالتحفظ على الشعائر الإسلامية والأخذ بالحزم في صيانتها، وكف كل يد عادية رامت التوصل إليها لأغراضها الشخصية.
فمن ذلك ما أصدره أمير المؤمنين السلطان سيدى محمد بن عبد الرحمن بن هشام لبعض ولاة أمره. ودونك نص ما كتبه لعامله الطالب محمد بركاش:
الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، ولفظ ما بداخل الطابع الشريف محمد بن عبد الله وليه خديمنا الأرضى الطالب محمد بركاش، أعانك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته، وبعد: فقد تساهل الناس خصوصا الأغنياء وأهل الوجاهة في أمر الأحباس حتى صاروا يتوصلون لما أرادوه منها بأى وجه أمكنهم ويجعلون ذلك في صورة المعاوضة، وصار النظار والقضاة يعتبرونهم فلا يردون إليهم حاجة، حتى انتقل بذلك كثير من الأحباس فبلغ لمولانا الوالد المقدس بالله ذلك فأمر الولاة خصوصا القضاة الذين لهم دخل في هذا الأمر بعدم معاوضتها رأسا، وتقرر هذا الأمر بمراكشة وفاس فلا يوجد أحد يعاوض شيئا منها، وحتى إن تعينت المصلحة فيها فلا بد من رفع أمرها لسيادته ينظر فيها بما اقتضاه نظره ولما ولانا الله سبحانه هذا الأمر اقتفينا أثره في ذلك وسددنا الأبواب في وجوه طلابها، على أن هذه المعاوضة إنما قال من قال بها من العلماء على شروط وأين هى تلك الشروط وما تقرر في هذه المدن أردناه أن يتقرر في ذلك الثغر السعيد، وها نحن أمرنا القاضى هناك وأكدنا عليه في عدم الموافقة على المعاوضة رأسا، كما أمرنا وصيفنا القائد محمد بن عبد الكريم الجبورى بأن لا يساعد أحدا عليها بوجه وأعلمناك لتكون على بصيرة وقد توعدنا القاضى والعامل على ذلك والسلام، في الربع من صفر عام تسعة وسبعين ومائتين وألف هـ.
وأما راوية باب المشاورين فهى التي بدرب سيدى غريب بمقربة من ضريح سيدى سلامة على يسار الداخل للدرب المذكور من نهج الحمامصيين، غير أن هذا
[ ١ / ١٥٠ ]
الاسم لا يعطى لها الآن ولا يعرفها به أحد، وهي اليوم على حالة يرثى لها عششت بها الأوساخ والأزبال والقذرات وباضت وفرخت، إذ كانت مدت لها فيما سلف اليد العادية كسابقتها القورجية فصيرتها إصطبلا لربط الدواب آونة ومربضا للبقر أخرى من غير رادع ولا زاجر. ولا استحياء من الملك القاهر، مبيد الأكاسرة وكل جبار عنيد.
وأما المدرسة الجديدة فهي المعروفة اليوم بالبوعنانية نسبة لأبي عنان، ولا أعرف وجهًا لهذه النسبة والحال أنها إنما أنشأها والده أبو الحسن وهي مراد ابن غازى هنا لوجوه:
أحدها: قوله ومن أجل ذلك إلخ فإنه مشعر بفخامة بنائها وعلو شأنَّه، وهذه الصفة لا توجد على الكمال في غيرها من مدارس مكناس، لا سيما مع ما سبق عنه من أن بانى مدرسة القاضى هو أبو يوسف، فلم يبق الاحتمال حينئذ إلا في مدرسة الخضارين، وهذا الاحتمال يدفعه كونها على غير الصفة المنوه بها.
ثانيها: تصريحه بأنه بناها على يد قاضيه ابن أبي الغمر وقد وافق ذلك التنصيص عليه في سادس أبيات القطعة الشعرية المنحوتة في جبص محرابها كما يأتى.
ثالثها: أن التاريخ المعين لبنائها في البيت السابع من القطعة الآتية الذي كان ملكا فيه هو أبو الحسن المذكور فهو الأمر بتأسيسها والحاضر عند كمالها وتمام تخطيطها والعيان في ذلك كله يغنى عن البيان، فإنه يوجد إلى الحين الحالي منقوشا على يمين وشمال محراب قبتها ما صورته.
نزه جفونا منك في مدرسة أربت على كل سنى ونزهة
لقد تبدت في فنون وشيها كروضة غب انسكاب ديمة
أكملها البانى على إتقانها فكمل الحسن بها وتمت
[ ١ / ١٥١ ]
بأمر مولانا المطاع أمره على العالى الندى الخليفة
من شرف العلم وأعلى قدره وأظهر الحق بكل وِجهة
على يدي قاضيه في مكناسة ابن أبي الغمر الحميد السيرة
عام ثلاثين وستة خلت من بعد سبعمائة للهجرة
فنصر الرحمن من زان بها مكناسة الغرب أتم نصرة
ونفع الذي أقام حسنها بفضل جد وكريم نية
ما رفعت بيوته في أرضه وتلى الأذن لها برفعة
وكان مجيء السلطان أبي الحسن لرؤية هذه المدرسة عند انتهاء بنائها من فاس، وقد بقى على ابن غازى التنصيص على ثالثة المدارس بمكناس الموجودة فيه إلى الآن، وهي مدرسة الخضارين المعروفة بمدرسة مولاى عبد الله بن حمد، وهى المقابلة لسماط العدول الآن مع ظهور قدومها، وسنذكر ما تجدد فيها من المدارس بعد.
ولنذيل ما تقدم بما شيدته الدولة الحالية العلوية شيد الله منارها في هذه البلدة فنقول: قد بني بمكناسة الملك المطاع، الذي ملأت جلالته القلوب مهابة ورعبا في سائر الأصقاع، تاج مفرق الدولة العلوية العلية ومؤسس فخرها ومؤثل مجدها، سيدنا الجد الأكبر المولى إسماعيل برد الله ثراه وفسح له في عدنه مساجد ومدارس ومعالم دينية، ووسع كنافها ومهدها ومدنها وأتقنها، وأحكم صنعها، وحصنها بالأسوار الشاهقة والمعاقل الضخمة الشامخة، والصقائل والأبراج العديدة ذات البال وأدارها بقصبات عديدة، منها ما هو متصل بسور البلد، ومنها ما هو منفصل عنه كما سيمر بك مفصلا بحول الله.
فمن تأسيساته بها قصوره الفاخرة الجميلة المتنافسة المزرية بدائعها بالبديع وضخامة آثارها بما بناه الأولون على اختلاف عناصرهم، وتباين أديانهم وتباعد
[ ١ / ١٥٢ ]
أزمنتهم المضروب بهياكلها المدهشة الأمثال بين عظماء الدول سلفا وخلفا الخالدة الذكر في بطون تواريخ الأمم السالفة.
فمن تلك القصور التي ما زالت ولا تزال صفحات التاريخ المغربى موشاة بذكر جمالها وكمالها قصر المحنشة والمدرسة اللذان بهما اليوم القصور السلطانية. وفيهما سكنى حرم العائلة الملوكية الكريمة في العصر الحاضر وقبله بكثير.
ومنها داره الكبرى ذات القصور العديدة والمصانع المنيعة المريعة، والحصون المدهشة الحصينة، والأوضاع العجيبة المتناسقة، والأسوار الضخمة الشامخة الرائقة في أعين عشاق الآثار المتجولين من سواح أقطار المعمور، المستعذبة في أذواق أولى الألباب الرحّالين المعتنين المتأملين، تفيد ذوى الأبصار عبرة وذكرى تقصر النعوت دون وصفها، وتنحت البيوت في جوفها.
قال أبو عبد الله أكنسوس في "جيشه العَرَمْرَم (١) ": لو شاهد المنصور الذهبي سورًا واحدًا من أسوار السلطان مولانا إسماعيل لعلم أن ما أفنى فيه عمره من ذلك المنزل المسمى بالبديع، إنما هو في التمثيل كدار إبليس التي تباع في عاشوراء يلعب بها البنات. ولا تحتاج المشاهدة إلى إقامة البينات، انتهى.
تبلغ سعة جل جدرانها مترا ونصفا، ويبلغ ارتفاع سمك غالبها خمسة عشر مترا.
فمن القصور المربعة في هذه الدار، الجامعة أصناف المحاسن والفخار، (قصر الستينية) الفسيح الفائق ذو المنظر البهج الذي تجسم فيه الانشراح، ورفرفت على طالعه الميمون أعلام الأفراح، وجر ذيول العجب على الزوراء، وازدرى بالزاهرة والزهراء، وأخجل قباب الشام، والخورنق والأهرام، ينيف طوله على مائة متر وعرضه على خمسين، كان له أيام شبابه مباح فسيح محيط بجوانبه الأربعة
_________________
(١) العرمرم: الجيش الكثير.
[ ١ / ١٥٣ ]
محمول السقف على أعمدة الرخام الناصع البياض، على رأس كل عمود كرسى من المرمر البديع المزخرف بالنقش العالى المبرهن على كمال براعة الصانع واقتداره على إبراز كل غريب فتان، تستوقف لطافته الأنظار، ويحير عجيب إتقانه النظار، اصطفت تحت ظل ذلك المباح الظليل أبواب قبب متقابلة بسائر جوانبه الأربعة، تتخللها دور وقصورها فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، تجسمت فيها الأبهة والبهاء، وحير وضعها الهندسى أهل النهي، ورصع فسيح تلك الأرض، طوله والعرض، بالزليج المختلف الألوان، وصهاريج صافى الرخام وجوابيه الباهض جمالها وترتيب نظامها القاذفة عن أنابيبها الماء المعين، الذي يغار من صفائه الزئبق واللجين، وألبست جدرانه حلل الجبص الموشاة بأبرع وَشْي وأغلاه وأعلاه، وتمنطقت بمنطقة من الزليج ذى الألوان المختلفة المذهل بمتقن تطريزه المرضعة عن الرضيع، حوت من كل أصفر فاقع وأحمر قانى وأبيض ناصع وأسود حالك وأخضر وأزرق ما تنشرح بمرآه الصدور، وتنطفى به لواعج المصدور، لا يقصر ارتفاع تلك المنطقة عن قامة، في غاية الاستقامة.
بشمال هذا القصر منار يسر الناظرين متجل في حلة سندسية خضراء، متوج بتاج مموّه بخالص الإبريز (١) تلوح على نواحى القصر منه لوائح السراء.
ووجه تسمية هذا القصر بالستينية وجود قبب بها لها مزيد أبهة وبهاء، ومن جملته كونها مسقفة بالعمل المعروف عند أهل حرفة النجارة بالستينى فأعطيت التسمية للقصر كله من باب تسمية الكل باسم الجزء الأعظم، وما عدا ذلك وهو جل القبب الإسماعيلية في سائر قصوره مقبو بالجيار والآجر مزخرف بالجبص البديع النقش.
وفي هذا القصر صار محل سكنى مؤلف هذا الكتاب وفي روضه فيه قال صديقه الحميم الفقيه المؤرخ أبو عبد الله سيدي محمَّد بو جندار مساجلا للأديب
_________________
(١) الإبريز: الذهب الخالص.
[ ١ / ١٥٤ ]
الشهير نابغة لبنان الشيخ رشيد مصوبع وقت اتفاق اجتماعهما بذلك الروض وذلك ثانى عشر جمادى الأولى عام ستة وثلاثين وثلاثمائة وألف.
أبو جندار:
قم بي إلى اللذات قبل فواتها هذى الرياض الزاهرات فواتها
مصوبع:
نشتاقها بعد الفراق لأنها أحيت لنا الأرواح بعد مماتها
أبو جندار:
طاب الغبوق بها على شمس الأصيـ ـل وطيرها الشادى على دوحاتها
مصوبع:
قد زينت مكناسة بجمالها كالخال زين للدمى وجناتها
أبو جندار:
فكأنما هي جنة الفردوس فيـ ـها ما يروق العين من لذاتها
مصوبع:
إن قام يعبس قلب مكروب اسى أهدت لعابس قلبه بسماتها
أبو جندار:
وإذا تنسم طيبها ميت الهوى أحياه ما حياه من نسماتها
مصوبع:
حسناتها ليست تعد وحسبنا أن السرور يكون من حسناتها
[ ١ / ١٥٥ ]
أبو جندار:
والحسن والإحسان بعض صفاتها والأنس والإيناس بعض هباتها
مصويع:
نرنو لها فنخال طلعة ربها في البشر والإشراق من زهراتها
أبو جندار:
ونجار هل حاكت جميل صفاته أو أنه الحاكى جميل صفاتها
مصوبع:
نشرت لنا كفاه من طيب النهي ما كان أطيب من شذا نفحاتها
أبو جندار:
وطوت عواطف قلبه ودًّا لنا مثل المدام الصرف في كاساتها
مصوبع:
لا زال بدر علاه في سمواته يسمو على الجوزاء في سمواتها
وقال أيضًا أبو عبد الله بوجندار مساجلا لصفى ودنا حليف الفضل والأدب الفقيه سيدي محمَّد بن اليمنى الناصرى حين اجتماعهما الذي فيه أيضًا قال مفتتحا:
ب: لله من مجلس رقت حواشيه وشاه بالحسن والإحسان واشيه
صرى: تغشى قلوب الأولى حلو أبساحته من السرور على المدى غواشيه
ب: وكيف لا وأريج الروض أرجه بما به تنتشى عقول ناشيه
صرى: أما ترى الروح في أرجائه رقصت زهوا وعجبا ببادى الفضل فاشيه
[ ١ / ١٥٦ ]
ب: ذاك العلى الذي العلياء تخدمه والسعد يقدمه لدى مماشيه
صرى: بحر العلوم أبو زيد ابن زيدان من بدر العلا في علاه لا يماشيه
ب: لا زال يرقى من العلياء ذروتها ولا أنيل مناه فيه واشيه
صرى: ما سرى الهم عمن أم ساحته وطاب في مجلس رقت حواشيه
ومنها أعنى القصور الإسماعيلية (قصر النصر) الذي كان أسسه زمن خلافته في دولة أخيه السلطان الأفخم مولاى الرشيد، ذلك القصر المتسع الأكناف المعروف اليوم بدار لال بانى المحدث الباب بحومة الدريبة، بمقربة من مسجد القصبة الملوكية الذي تقام به الصلاة يوم الجمعة، وبه يكون احتفال الجلالة المولوية لصلاتها عند حلول ركابها الشريف بالعاصمة المكناسية حتى الآن.
ومنها قصر مولاى زيدان، ومنها قصر الشعشاع ولا يقصر قصر من هذه القصور عما فصلناه في القصر السابق قصر الستينية في الأبهة والزخرفة، وإن اختلفت أوضاعها في الاستطالة والتربيع، ولا يخلو واحد منها عن صروح شامخات يشرف منها على ضواحى مناظر مكناس الطبيعية المختلفة الشكل ما بين منخفض ومرتفع وأرجائه الأريجة، كما أنه لا يخلو واحد منها من مسجد للتعبد أو مساجد.
فمنها المسجد الأنيق الحافل ذو الصفوف التسعة، والأساطين الرخامية والقبة ذات الخصة العظيمة التي لا زالت قائمة إلى الزمان الحاضر، ومنها يدخل اليوم للضريح الإسماعيلى، طول هذه القبة كعرضها يبلغ طول هذا المسجد سبعا وثمانين مترا وعرضه تسعة أمتار وعشرون سنتيما، ويعرف هذا المسجد في العقود الحبسية بمسجد الرخام، والظاهر أنه إنما كان معدا للصلوات الخمس، فإن ثبت أنه كان للجمعة احتمل حينئذ أن يكون هو المراد بمسجد القصبة في قول أبي القاسم الزيانى: ولما ضاق مسجد القصبة أسس الجامع الأخضر أكبر منه، انتهى.
[ ١ / ١٥٧ ]
[صورة]
الرخامة الشمسية الموجودة الآن بجامع القصبة
[ ١ / ١٥٨ ]
[صورة]
صحن مسجد القصبة الإسماعيلية
[ ١ / ١٥٩ ]
ويكون الجامع الأخضر هو جامع لال عودة، فيكون كل منهما من تأسيساته ولكن الأظهر كما سنبينه بعد خلاف ذلك، ومع الأسف فقد خرب هذا المسجد وخرب سقوفه ومزقت أثواب بهجته كل ممزق، وفرقت أعمدته الرخامية أيدى سبأ ولم يبق منها غير خمسة منها أربعة لا زالت قائمة بمحالها ممثلة لما كان عليه ذلك المسجد من الضخامة، ومنها واحدة ملقاة على الأرض، والمسجد صار بعضه ممرا يدخل منه للضريح المذكور وللضريح المجذوبي في طريق الخراجة التي كان يخرج منها المولى إسماعيل قيد حياته لأداء الخمس في المسجد المذكور والبعض الآخر مقبرة ولله الأمر من قبل ومن بعد.
وجامع لال عودة ينتظم من صفوف خمسة، وجناحين وصحن فسيح ينيف طوله عن خمس وعشرين مترا وعرضه عن ستة عشر، به قبتان إحداهما في الجهة الشمالية طولها أحد عشر مترا وعرضها ستة أمتار وسنتيمات، والأخرى في الجهة الجنوبية طولها سبعة أمتار وسنتيمات وعرضها ينيف على ستة أمتار، وبوسطه خصة من المرمر واسعة الأكناف يتفجر منها العذب الفرات ومدرسة بأسطوانة على يمين الداخل ذات بيوت تسعة، وغرفة يصعد إليها بدرج ستة عشر، وبإزاء هذه المدرسة المنار المتقدم الذكر في قصر الستينية يصعد إليه بمائة وإحدى عشرة درجة، وبهذا المنار مستودع معد لآلات التوقيت ولاستقرار القيم بالعمل بها في غاية اللطف تكتنفه منافع ومرافق.
ومن جملة آلات التوقيت العديمة المثال التي لا يوجد لها نظير رخامة شمسية في غاية الإتقان وقد كانت هذه الرخامة الشمسية آية في تحقيق الوقت، فيحكى أن ذلك استمر فيها إلى أن وقعت بين القيم بها وبين القيم بمثل ذلك بمستودع المسجد الأعظم داخل المدينة وهو الميقاتى الشهير السيد الجيلانى الرحالى منافسة في ذلك، حملت الثاني على أن أغرى من عوج شاخص الرخامة المحدث عنها فوقع الخلل
[ ١ / ١٦٠ ]
فيها بذلك وهذا الخلل الأعوجاجى وإن تلافاه القيم بالنظر في ذلك حينه، وهو الفقيه سيدي الحسن المنونى لكنه مات بعد ذلك فأدرك الرحالى بعد ذلك منيته في تعطيلها ولا زالت معطلة إلى الآن ملقاة في زوايا الإهمال غير مكترث بها، وقد كانت هذه الرخامة من صنع من كان في قبضة الأسر من النصارى العالمين بذلك الفن، ويدل لذلك تاريخها المسيحى المرقوم فيها بالقلم الرومانى وهو عام ثمانية وتسعين وستمائة وألف.
وقد جور بعض الفرنسيين أن تكون هذه الرخامة مهداة لمولانا الجد من سلطان فرنسا المعاصر له لويز الرابع عشر، وعضد ذلك بما كان بين السلطانين من المواصلة، وبما كان لسلطان فرنسا المذكور من الاعتناء بالآلات الشمسية على اختلاف أنواعها حتى كان يدعى بالسلطان الشمسى، فأجبته بأن هذا الاحتمال يبعده خلوها من نقش اسمى المهدي والمهدى له مع أهمية ذلك في الموضوع لما فيه من تخليد الفخر للجانبين، وبأنها لو كان الأمر فيها كذلك لكانت على جانب من الزخرفة عظيم، وما ظنك بهدية من أمير عظيم في قومه لأمير طائر الصيت في المشارق والمغارب فاستحسن ذلك مني.
ووراء المدرسة المشار لها غربا صحن فسيح طوله أمتار ثلاثون وعشرة سنتيمات وعرضه سبع وعشرون ونيف، وفي غربه مباح ذو أقواس خمس وأساطين أربع بناؤها باللبن والجيار، خر سقفه في هذه الأزمنة الأخيرة طول هذا المباح ثمانية عشر مترا ونيف وفي الجانب الشرقى منه سقاية ماء.
ولهذا المسجد بابان باب القصر الستينية المار الذكر -وليس هو الباب الذي تدخل منه الجلالة السلطانية اليوم للمسجد، بل سد ذلك الباب وأدخل في بيت من بيوت إحدى الدور ولا زال إلى الآن ظاهر الأثر، وإن تنوسي المرور منه وانقطع السبيل الموصل إليه واندثر- وباب نافذ إلى المدينة يدخل منه عامة المصلين من جيش وحشم وأتباع.
[ ١ / ١٦١ ]
[صورة]
باب مقصورة مسجد القصبة
[ ١ / ١٦٢ ]
قلت: كذا وصف الباب الثاني من هذا المسجد غير واحد، وقولهم: وباب إلى المدينة إما أن يعني به بعد الانفصال من باب القصبة الموالي لجهته وهو باب منصور العلج، لأن الجامع المذكور داخله، وإما أن يبقى على ظاهره ويحمل ذلك على أن السور الذي به باب منصور لم يكن وقتئذ، وإما أن يقال إن مراد الزيانى ومن تبعه بالمسجد الأخضر المنتقل إليه من مسجد القصبة المعروف بهذا الاسم اليوم الذي كلامنا فيه، هو جامع الأنوار الكائن عن يسار الخارج من القصة على باب منصور العلج، والاحتمال الأول بعيد لخروجه عن الظاهر، والثانى أبعد منه لكون الواصفين لباب المسجد الذي الكلام فيه كلهم تأخرت أزمنتهم عن تلك البناءات كلها، مع تصريحهم بأن المولى إسماعيل أفرد قصبته عن المدينة وجعل براح الهديم بينهما والثالث موافق لحقيقة وصف البابين، لأن أحدهما وهو الكبير العمومى مفض للمدينة، والثانى وهو باب دويرية الكتب المقابلة الآن لدار أولاد عم الجلالة السلطانية العلامة المرحوم مولانا العباس مفضية للقصبة بلا شبهة، فلم يبق حينئذ إلا كون جامع الأنوار لا يعرف بالأخضر الذي عبر به الزيانى ومن تبعه، وهذا أمر قريب لأن أسماء الأماكن وما تعرف به تتبدل وتنتقل مع طول الزمان بما يعرض لها كما مر بك كثير من ذلك في هذا التقييد.
وأما كون جامع الأنوار من الإنشاءات الإسماعيلية فسيتبين لك أمره بعد وهناك تأتى بقية هذا المبحث إن شاء الله.
وقد قرأت في نقش زليج أعلى باب مسجد القصبة القائم الآن ما صورته: الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد نبيه وعبده، أمر بعمل هذا الباب المبارك مولانا إسماعيل أمير المؤمنين أيده الله ونصره، وكان الفراغ من إنشائه أوائل جمادى الثاني سنة تسعين وألف، وفي المسجد الأخضر قال بعض شعراء عصره من قطعة ما لفظه:
[ ١ / ١٦٣ ]
وإن ذكرت مصر بجامع أزهر ففي القبة الخضرا بدور كوامل
وقرأت أعلى باب المقصورة الملوكية في نقش الخشب بالخط الكوفي الرائق من جامع القصبة المذكور ما لفظه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧] صدق الله العظيم.
صنع هذا عام ثمانية وثمانين وألف بالقلم الغباري، وقد كان أصلح هذا الخشب فسقط الصفر الموالي للألف إما لجهل مباشر الإصلاح أو غلطه، فأوقع الكثير من الناس في الوهم وأن ذلك اللوح صنع عام مائة وثمانية وثمانين، وذلك لا يصح بحال، قال بعضهم: وكل هذا لا يدل على أن أصل جامع لال عودة من الإنشاءات الإسماعيلية، أما المكتوب على الباب فلكونه لا ذكر لبقية الجامع فيه، وأما المكتوب على المقصورة فكذلك إما لكونه كان أنشأها به قبل ضيقه به فأقرت هناك بعد التحول عنه، وإما لكونها نقلت إليه بعد تخريب جامع الأنوار.
وفي هذا المسجد تقام حفلة صلاة الجمعة لدى الملوك أحفاد مولانا إسماعيل إلى الزمان الحاضر والغاية داخلة كما تقدم، وقد لعبت أيدي التلاشي والتخريب أدوارًا كثيرة بهذا المسجد رغما على ملازمة ملوكنا الجلة لصلاة الجمعة فيه وقت ما حل ركابهم الشريف بالعاصمة المكناسية، ولولا أن الله تعالى تداركه بذلك حتى رمم أكثره لأصبح كغيره في خبر كان.
ومن قصور الدار الكبرى أيضًا قصر الكشاشين، وهو عبارة عن فسيح مستطيل ذي أساطين مصطفة مبنية بالجيار واللبن والحجر عليها أقواس مرتفعة فاقع لونها تسر الناظرين، بعضها قبالة الداخل، وبعضها عن اليمين والشمال كلها مقبوة السقف، كان هذا القصر معدا للطبخ وشئونه وخزن لوازمه وسكنى القيّمات بمباشرة ذلك من وخش الرقيق وحشم الحاشية الملوكية تتخلل هذه القصور وتكتنفها مناهج مستطيلة مقبوة السقف ذات أُبهة ومهابة، في سقوفها كوات ينفذ منها
[ ١ / ١٦٤ ]
[صورة]
منبر جامع القصبة الإسماعيلية
[ ١ / ١٦٥ ]
الضوء لتلك الشوارع التي ساد السكون فيها، من تلك الشوارع ما خر سقفه، ومنها ما هو قائم السقف حتى الآن رغما عن التخريب الذي استأصل شأفة تلك المحاسن، وغير ماء بهجتها الذي كان غير آسن، فمع الأسف خلعت تلك المباني حلل الزينة وتوحشت بعد الأنس تلك الربوع، وأخنى الدهر بجديدها، وتولى متسلط النحس على سعيدها، فانتثر عقد نظامها وتفرقت أنقاضها في أقطار المغرب وبنيت منها المساجد والمدارس والرباطات والدور حسبما أفصح بذلك أبو القاسم الزياني في روضته وحفظته لنا تقاييد أسلافنا الكرام، وتلقيناه عمن تلقاه منهم وكشطت حلل تلك الجدرات التي طالما جرت على المتطاول ذيول الإعجاب وبدت عيون كواتها العديدة التي جفت جفونها المنام، لما دهاها حال اطمئنانها من الاغتيال وحق لمن بقي به رمق بعد أن أخذ على حين غفلة أن يتنبه، وبأعين النجوم في السهر يتشبه، وقد حفر هطال دموع تلك العيون في خدود تلك الجدرات أخدودا أسفر عن كونه كان وعاء لقنوات مجارى ماء الأمطار المنسدلة من أعلى السطوح إلى أسفل الوادي الساري في تخوم الأرض.
وقد أحاط هذه الدار العظيمة المقدار التي هي في الحقيقة مدينة بالأسوار الضخمة الشاهقة والأبراج والسقائل حتى صارت كأنها مركز حربي هائل. وَلاَ فَنَدَ (١) إذا قلت: كانت مركزا حربيا من أعظم مراكز العالم الحربية، وقد أدركنا بقية أعمدة الرخام وكراسيه التي كانت محمولة عليها مباحات القصور الملوكية متراكما بعضها فوق بعض، منها ما هو ظاهر، ومنها ما غطاه الثرى يعثر عليه بالحفر، وقد كان الكثير من ذلك ملقى بباب قصر المحنشة، ولم يزل كذلك إلى أن دخلت الدولة الحامية فنقلت بعضه لدور كبراء موظفيها، والبعض الآخر للجنان العمومي الذي أحدثته بالمحل المعروف بالحبول -بفتح الحاء- وقد تلقينا من آبائنا
_________________
(١) فَنَدَ فَنَدًا: ضعف رأسه من الهَرَم، وكَذَبَ، وأتى بالباطل.
[ ١ / ١٦٦ ]
أنهم تلقوا من آبائهم أن جميع تلك الأعمدة مع كراسيها كان ملقى بقصر الستينية وغيرها من القصور المذكورة، ومنها نقله السلطان المولى الحسن لباب قصر المحنشة المشار له أوائل دولته، وكم اتخذت من ذلك الرخام من جوابي وصهاريج وزليج وألواح لعتبات الأبواب وغيرها ورتج وغير ذلك، وفرقت في بقاع المغرب وكثيرا ما كان يقع العثور على الأعمدة والكراسي الرخامية تحت الثرى عند حفر أساس أو غيره في ردم تلك المباحات التي لا زالت الآثار الدالة عليها شاخصة إلى الآن، كما أنه لا زال يعثر على زليج الأرض وقنوات مجاري المياه للصهاريج والجوابي سائر فروع القصور السلطانية عند ما تدعو الحاجة لنقل تراب أو حفر أساس ونحوه.
وكانت مدة الاشتغال في بناء قصور هذه الدار أعني دار الخلافة الموسومة باسم الدار الكبرى حتى الآن ثمانية أعوام، إذ كان الشروع في ابتداء تأسيسها على ما قاله الزياني وغيره بعد وفاة السلطان المولى الرشيد وجلوس السلطان المولى إسماعيل على منصة الملك، قال اليفرني في "النزهة" وكانت مبايعته ﵀ في الساعة الثانية من يوم الأربعاء سادس عشر من ذي الحجة متم عام اثنين وثمانين وألف، ووافق ذلك ثالث عشر إبريل، انتهى وقريب منه في "روضة التعريف".
قلت: والذي في "الدر المنتخب" أن مبايعته بفاس كانت في الثانية من زوال يوم الأربعاء الخامس عشر من الشهر المذكور وأن ذلك وافق ثالث إبريل، انتهى.
وكون البيعة كانت في الخامس عشر من الشهر المذكور هو الذي في "نشر المثاني" (١) أيضا.
واقتصر في "السلوة" على حكايته الخلاف المذكور في ذلك وأما الزيانى في "البستان" وأبو محمَّد عبد السلام بن الخياط القادري في جزئه فقالا: إن وصول
_________________
(١) نشر المثاني - موسوعة أعلام المغرب ٥/ ١٩٩٩.
[ ١ / ١٦٧ ]
[صورة]
[ ١ / ١٦٨ ]
خبر موت المولى لرشيد بفاس كان في الخامس عشر من الشهر المذكور وفيه كانت البيعة، انتهى. وفيه تسامح.
وقال صاحب السر الظاهر: إن وفاة الرشيد كانت ثاني عيد الأضحى وأن بيعة المولى إسماعيل كانت في اليوم الخامس من وفاته، انتهى.
وهو محتمل لدخول يوم الوفاة في الأيام الخمسة المذكورة، فيكون قائلا إن البيعة في الخامس عشر ولزيادة الخمسة عليه، فيكون مارا على أنها في السادس عشر ولعل التحقيق ما جرى عليه صاحب النشر ومن وافقه، وكان انتهاء العمل فيها سنة تسعين وألف ويشهد لذلك ما هو متوج به بابها من الكتابة المتضمنة لتاريخ تمام العمل فيها ودونك نصه:
دار الخلافة لاح نور قبابها تختال بين رياضها وهضابها
فكأنما الأنهار في جناتها يمنى المليك الفخر يوم عبابها
مولاي إسماعيل من جُرْثُومَةٍ (١) نقل الأئمة جده أوصى بها
يا راصدا لطوالع من سعدها فنظام شملك في عضادة بابها
ومن تأسيساته السرداب الهائل الكائن تحت أرض فسيح قبة الخياطين ذو الأساطين المحكمة البناء والأقواس الضخمة الشاهقة، تمر فوقه الركبان، وتجر الدواب عليه الصخور العظيمة، وتسير السيارات البخارية المشحونة بالأثقال ذات البال آناء الليل وأطراف النهار، بل جعلت فوقه جنات ذات أشجار وبقول وصارت تسقى بالماء كل آونة فلم يؤثر عليه شيء مما ذكر، يعرف هذا البناء اليوم بحبس قارة، ويقال: إنه كان من جملة السجون المعدة للأسارى وغيرهم من أصحاب الجرائم العظيمة يبيتون به ليلا ويخرجون نهارًا للخدمة.
_________________
(١) جُرْثُومة الشئ: أصله.
[ ١ / ١٦٩ ]
قال أبو القاسم الزياتي: وكان في سجونه من أسارى الكفار خمسة وعشرون ألف أسير ونيف، وكانوا يخدمون في قصوره منهم: الرخامون، والنقاشون، الحجارون، والحدادون، والبناءون، والنجارون، والزواقون، والمهندسون، والمنجمون، والأطباء ولم تسمح نفسه بفداء أسير بمال قط -أي وإنما كان يفدي ببعضهم من أسر من المسلمين- وكان في سجونه من أهل الجرائم العظيمة كالسارق والقاطع والقاتل نحو الثلاثين ألفا كلها تقيل بالخدمة مع أسارى الكفار ويبيتون بالسجون والدهاليز تحت الأرض.
قال: وأمر الشيخ الحسن اليوسي مع المعتصم ابنه عام حجمها وهو عام واحد ومائة وألف بأن يبعث النصارى أسرى العرائش لحضرته فبعثوهم وكانوا ألفا وثمانمائة فكان يخدمهم في بناء قصوره -أي الخارجة عن قصور الدار الكبرى لانتهائها قبل التاريخ المذكور كما تقدم- من جملة غيرهم من الأسارى والمساجين ومن الليل يبيتون بالدهليز، انتهى.
قلت: استعمال المساجين بالخدمة نهارا وجعلهم بالسجن ليلا هو السنن الذي تفعله الدولة الحامية مع المساجين من الأهالي وكأنها أخذت ذلك من فعل المولى إسماعيل ولا يعرف اليوم الباب الذي كان يدخل منه لهذا السرداب والدخول إليه في الوقت الحاضر، إنما يقع من ثقب في سطحه حذو الجدار المحيط ببراح قبة الخياطين المذكورة من الجهة الغربية.
ومنها الصرح الشاهق المبني فوق ساباط الباب المعروف الآن بباب الرايس ذو الأقواس العشرة، خمسة عن يمين المار فيه، ومثلها عن شماله المحمولة على الأعمدة الحجرية العظيمة التي لا زالت موجودة قائمة لهذا العهد، أربعة عن اليمين ومثلها عن الشمال.
[ ١ / ١٧٠ ]
ومنها الصرح الهائل الذي كان فوق القصر المعروف اليوم بأروى الجزارة الواقع بعقبة الضريح الإسماعيلى أمام مكتب الاستعلامات الآن، والهري العظيم الموجود إلى الوقت الحاضر داخل عرصة البحراوي الشهيرة، كان هذا الهري في زمن السلطان المولى الحسن مُعَدًّا لخزن الحطب والصرحان معا أصبحا في خبر كان، وإنما سمي القصر بأروى الجزارة لأنه كان معدا لنزول الجزارين الملازمين للحضرة السلطانية في الظعن والإقامة وربط دوابهم به بعد تخريبه فيما خرب وزوال زينته وقد جدد بعضه الموالي للعقبة المذكورة بعد حلول الدولة الحامية بين أظهرنا.
ومنها القصر المعروف اليوم ببين القبب الكائن بباب ابن القاري الداخلي المجاور لجنان البحراوية والأترجية من الجنة السلطانية.
ومنها القصر المعروف بدار لال صفية الذي به اليوم سكنى أبناء عم الجلالة السلطانية العلامة النقاد مولانا العباس بن عبد الرحمن بن هشام المقابل بابه الحالي لباب منصور العلج.
ومنها الهريان العظيمان الموجودان بإزاء صهريج السواني أحدهما يحتوي على ثلاثمائة وخمس وأربعين أسطوانة طوله مائة ونيف وثمانون مترا وعرضه لا يقل عن تسع وستين مترا، كان هذا الهري على جانب من الضخامة عظيم يشخص للعيان بسطة ملك منشئه ومقدرته على الإتيان بكل عجيب، كان سطحه بمثابة برج عظيم يوضع عليه من الآلات الحربية كل مدهش غريب الشكل، متناه في العظم بالنسبة لزمانه الغابر.
وقد لعبت أيدي البلى بجديده، وخرت سقوفه التي كانت تضاهي شوامخ الجبال، ومع الأسف فلا زالت عوامل الخراب عاملة فيه إلى الوقت الحاضر وهو اليوم وكر للبوم والهوام وأنواع الحشرات، وهذا الهري هو الذي قال فيه
[ ١ / ١٧١ ]
أبو القاسم الزياني: وجعل بها هريا لخزن الزرع مقبو القنانيط يسع زرع أهل المغرب كله اهـ.
وقد كان جعل لسطحه طريقا تستوي مع الأرض في بعض الجهات يقال إنها كانت مصعدا للجمال الحاملة للقمح فتذهب بأحمالها فوق السطح حتى يوضع حول الكوة المفتوحة فيه لصب القمح لذلك الهري منها فيستغني بذلك عن فتح باب الهري اللاصق بالأرض إلا عند حصول موجبه، ولو لم يكن من آثار عظم ثروة ملكه قدس الله روحه إلا هذا الهري وما أعد له وما ذكر من صفات الخزن فيه لكفى، فكيف وسائر تصرفاته الهائلة إنما هي بعض آثار ثروته البعيدة عن الوصف.
والهري الآخر بإزاء سابقه متصل به لا زال سنين السقف حتى اليوم رغما عما نبت عليه من الأشجار حتى صار كأنه غابة من عدم المباشر ومن يهتم بتعاهد إصلاحه، بهذا الهري عدة آبار في غاية العمق ذات مياه عذبة طافية وجعل لكل بئر دولابا عظيما ينقل منه الماء ويصبه في المجاري المعدة له إلى أن يصب بالصهريج صهريج السواني المذكور، يبلغ طول هذا الهري سبعا وسبعين مترا وكسرا، وهو الذي قال فيه أبو القاسم الزياني: وجعل بجواره يعني جوار الهري المتقدم الذكر سوانى (١) للماء في غاية العمق مقبو عليها، وفي أعلاها سقالة مستديرة لوضع المدافع والمهاريز ترمي لكل ناحية، اهـ.
قلت: وقد تهدمت تلك السقالة ولم يبق لها في الوقت الحاضر أثر، وجعل بمقربة من هذين الهريين صهريجا كالبحيرة يجتمع فيه الماء الجاري في تلك المجاري تسقى من فيضه رياض وبساتين ينيف طول هذا الصهريج على ثلاثمائة متر، وعرضه على مائة وأربعين، ولم يكن مقصده المحمود في حفر تلك الآبار واختراع
_________________
(١) السَّانِيَةُ: استقت أو أخرجت الماءَ من البئر ونحوها. والسّانيةُ الأرضَ: سَقَتْهَا.
[ ١ / ١٧٢ ]
ذلك الصهريج يرمي لتلك الغاية فقط، بل لغرض أشرف وأسمى وأهم لا يعقله إلا المهرة السياسيون العالمون.
وتلك الغاية هي بقاء سكان المدينة في اطمئنان وأمان في حالتي المسلم والحرب مع عتاة البربر، إذ المياه الداخلة للمدينة إنما تأتى من بحبوحة القبائل. البربرية، وقد حفظ التاريخ ما كان لهم من التمرد وإباية الامتثال للأوامر المخزنية وعدم تلقيها بالسمع والطاعة والنظر لمن عداهم، وبالأخص سكان الحواضر بعين الصغار والاحتقار، وأقل ما يتوصلون به لأذاهم صرف مواد المياه عنهم والماء ضروري في حياة عموم الإنسان بل كل شيء حي، ولذلك يرى كل كيس متأمل لا تعزب عن علمه مقاصد العقلاء ذوي الآراء السديدة والأفكار المصيبة، أن مطمح نظر هذا السلطان العظيم الشأن فيما يوطد الأمن ويجلب الراحة لرعيته عموما ولمن بعاصمة ملكه من السكان خصوصا، ولذلك تراه بالغ في تحصين هذه القلعة فأحاطها بأسوار عديدة لا يخلو سور منها عن سقائل وأبراج مشحونة بالعدة والعدد، وادخر بها من الأقوات والذخائر والقوة الحربية ما تؤمن معه كل غائلة وتكسر به شوكة كل عاد باغ ومارق عن الطاعة ولزوم الجماعة، ولم يزل يبالغ في التحصين حتى صير عاصمة ملكه حاضرة في بادية وبادية في حاضرة بحيث يمكن لأهلها الاستغناء عن كل ما يجلب إليها من الخارج من زرع وضرع، فلهم من المزارع بداخل سورها ما هو فوق الكفاية لأنواع الحراثة ورعي الماشية والجدران الحصينة وراء الكل ومحيطة بالجميع، والأبواب ذات الأبراج والسقائل المدهشة الحصينة مغلقة في وجوه البغاة ذوي الشقاق.
ولم يكن ذلك لخوف منه ولا لجبن فيه كما توهمه الجهلة الحاسدون ومن في قلبه مرض من الملحدين والقاصرين، إذ قد نص التاريخ لنا ما كان مجبولا عليه من الشجاعة والإقدام وقوة الجأش، فقد قال مؤرخ الدولة العلوية أبو القاسم الزياني: وبالشجاعة أدرك السلطان إسماعيل ما أدرك وبلغ ما بلغ ﵀،
[ ١ / ١٧٣ ]
وكيف يتوهم جبنه وخوفه ذو بصيرة والبربر الذين احتاجت العاصمة إلى كل هذا التحصين من أجلهم، لم يستقر لمحصنها أبي النصر مولانا إسماعيل قرار حتى نهض إليهم وأوقع بهم الإيقاعات التي تحدث التاريخ بها حتى استأصل قوتهم وسلبهم السلاح والكراع وصيرهم عملة لبيت المال ولأهل العاصمة يعيشون في مهنة ذلك لا غير، حتى كانت المرأة تخرج والذمي من وجدة إلى وادي نون ولا يوجد من يسألهما من أين وإلى أين، ولم يبق بالمغرب سارق ولا قاطع ومن ظهر عليه شيء وهرب يؤخذ في كل قبيلة مر بها وفي كل قرية، وكلما بات مجهول الحال بحلة أو قرية يثقف بها إلى تبيين براءته، وإن تركوه فإنهم يؤاخذون به ويدون ما سرقه واقترفه من الجرام كالقتل وغيره كما قاله الزياني وغيره، أم كيف يرمي إلى ذلك فكر ذي لب وهو يرى ويسمع ما حفظه التاريخ من أحوال عواصم الدول الكبار من المبالغة في التحصين، حتى إن الآستانة عاصمة تركيا قد أحاط بها بنوها الأولون من الروم قبل حلول تركيا بها جدران ثلاثة عظيمة متوالية في كل جهاتها الثلاثة.
وأما الرابعة فالبحر متصل بها وحتى إن عاصمة مدينة دهلي أعظم مدن الهند بل مدن الإِسلام كلها بالمشرق، سورها المحيط بها لا يوجد له نظير.
قال ابن بطوطة وغيره: عرضه أحد عشر ذراعا ويمشى في داخل السور الفرسان والرجل من أول المدينة إلى آخرها قال: وأسفله مبني بالحجارة وأعلاه بالآجر وأبراجه كثيرة متقاربة، قال وهي من بناء الكفار وحتى إن تَدْمُر -بفتح التاء وسكون الدال وضم الميم- إحدى مدن الشام الشهيرة التي بلغت من التوثيق وشدة التحصين ما نسبت به إلى البناء السليماني بمباشرة الجن والشياطين.
وفي توصيف بنائها قال في "معجم البلدان": هي من عجائب الأبنية، موضوعة على العمد الرخام، زعم قوم أنها مما بنته الجن لسيدنا سليمان ﵇، ونعم الشاهد على ذلك قول النابغة الذبياني:
[ ١ / ١٧٤ ]
إلا سليمان إذ قال الإله له قم في البرية فاحدُدْها عن الفَنَد
وخّيِّس (١) الجِنَّ (٢) إني قد أمرتهم يبنون تَدْمُرَ بالصُّفَّاحَ والعَمَد (٣)
وأهل تدمر يزعمون أن ذلك البناء قبل سليمان بن داوود ﵉ بأكثر مما بيننا وبين سليمان ولكن الناس إذا رأوا بناء عجيبا جهلوا بانيه أضافوه إلى سليمان وإلى الجن (٤) اهـ. وأصله للجاحظ.
وفي كتاب مذاهب الأعراب وفلاسفة الإِسلام ما نصه، قالوا: ولكنكم إذا رأيتم بنيانا عجيبا وجهلتم موضع الحيلة فيه أضفتموه إلى الجن ولم تعانوه بالفكر. وقال العرجي:
سدت مسامعها لقرع مراحل من نسج حسن مثله لا ينسج
اهـ.
وهكذا السور المحيط بأنطاكية فقد تحدث التاريخ بعظمه عرضا وعمقا (٥).
ولنقصر السير في متسع هذه المهامه، وفيما ذكرناه تنبيه للمصنف من سنة أوهامه.
على أن مباهاة العظماء من ملوك الجاهلية والإِسلام بالبناءات الهائلة أمر معروف، ومهيع مسلوك غير مخوف، ففي "نفح الطيب": ولا خفاء أنه أي البناء يدل على عظم قدر بانيه، ولذلك قال أمير المؤمنين ناصر الدين المرواني باني الزهراء رحمه الله تعالى حسبما نسبهما له بعض العلماء:
_________________
(١) تحرف في المطبوع إلى: "وجيش" وصوابه لدى ياقوت.
(٢) تحرف في المطبوع إلى: "الجنى" وهو غير صحيح عروضيا، وصوابه لدى ياقوت، والبيتان من بحر البسيط.
(٣) معجم البلدان ٢/ ١٧.
(٤) معجم البلدان ٢/ ١٧.
(٥) انظر في ذلك ياقوت، مادة (أنطاكية).
[ ١ / ١٧٥ ]
هِمَمْ الملوك إذا أرادوا ذكرها من بعدهم فبَألْسُن البُنْيان
إن البناء إذا تعاظم قَدْرُهُ أضحى يدلّ على عظيم الشان (١)
ومن إنشاءات مولانا إسماعيل في قلعته القصر المسمى لهذا العهد بدار البقر وهو المعنون على بابه بباب مسعود بن العربي، وهو متصل بقصر المحنشة والمدرسة، ومجاور لباب مراح مقر المماليك الملوكية وموقع هذا القصر شرقي صهريج السواني، ومن جهة الجنوب النهج العمومي هناك أضيف القصر للبقر لأن السلطان الأكمل المقدس مولانا الحسن كان جعله مقرا للبقر الحلوب الذي يقام من حليبه في سائر الظروف السنوية تموين الحليب لداره العلية، وكذا جعله مقرا للقيمين بحليبها تحت إشراف أمين حتى يصل لمحله بالدار المولوية ليد المكلف بتقسيطه على أفراد العائلة الملوكية ثمة، والزائد على التقسيط من الزبد المستخرج منه على ما اقتضته أنظاره السمية وأوامره العلية، يجمع ويحمل لجنابه العلى كل سنة حيثما كان من إيالته السعيدة.
والعادة في كل بقرة انقطع حلبها نقلها للعزائب السلطانية ويؤتى بالحلوب بدلها، وبذلك كان الحليب لا ينقطع من الدار السعيدة في سائر فصول السنة، وعلى ذلك استمر العمل إلى آخر الدولة العزيزية، ثم انقطع وفني السكان القيمون وخرب القصر وصار براحا تزرع فيه البقول والخضروات، والعادة المحكمة إلى الوقت الحاضر هي دخول سلطان الوقت عند الإياب من حفلة صلاة الأعياد من باب مسعود المذكور للدار العلية تيمنا بالسعادة التي في اسم من نسب إليه وقد كان - ﷺ - يغير الأسماء القبيحة ويحب الفأل الحسن.
ومن فاخر تأسيساته في قلعته الإصطبل بل القصر الذي أعده لربط خيله ذلك القصر الباهي الباهر، الذي لم يزل أثر بنائه التاريخي دينا للأوائل على
_________________
(١) نفح الطيب ١/ ٥٢١. .
[ ١ / ١٧٦ ]
الأواخر، ذلك القصر هو المعروف اليوم باسم الأروى ذلك القصر هو الذي أشار إليه أبو القاسم الزياني بقوله: وجعل لها إصطبلا لربط خيله وبغاله، طوله فرسخ مسقف بدائرة البرشلة على سواري وأقواس هائلة كل فرس مربوط اثنى عشر ألف فرس وبين الفرس والفرس عشرون شبرا، يقال إنه كان مربط اثنى عشر ألف فرس مع كل فرس سائس ونصراني من الأسارى لخدمته، وفي هذا الإصطبل ساقية للماء مقبوة الظاهر، وأمام كل فرس محل مفتوح كالمعدة لشربه، وفي وسط هذا الإصطبل قبب متعددة لوضع سروج الخيل على أشكال مختلفة اهـ.
وفي هذا الإصطبل هري عظيم على طول الأروى لخزن الشعير المعد للعلف يسع شعير المغربين، وهذا الهري لا زال قائما حتى الآن، إلا أنه قد خرَّ بعض سقفه، وهذا السقف بعضه الآن مساو لأرض الأروى والبعض الآخر بارز عنها وبه أبوابه، ومن الغريب أن الزياني ومن تبعه لم يتعرضوا لذكره مع كونه من هائل المباني الإسماعيلية التي لا زالت قائمة العين كما ذكرنا. قال أبو القاسم الزياني: وبجوار هذا الإصطبل بستان على قدر طوله فيه من شجر الزيتون وأنواع الفواكه كل غريب عجيب طوله فرسخ وعرضه ميلان اهـ.
قلت: صار هذا البستان قبل اليوم دورا للجيوش السلطانية، وغالب دوره لا تخلو عن غراسات ويعرف اليوم باسم الزيتون، صار هذا الاسم علما له بالغلبة.
ومن المباني الهائلة بهذا الإصطبل أيضا هيكل الهري المائل الآن فيه وهو هيكل عظيم هائل اشتمل على أهرية منها هري سبع قبب. وقد دخلنا هري سبع قبب هذا فوجدناه انتصب من بناء مهول مدهش يمثل عظمة بانيه وكمال اقتداره، وبه ست قبب محيطة بالقبة الوسطى العظيمة التي هي سابعة القبب، يقال: إن هذا الهري كان معدا لوضع السلاح الحربي فيه حتى يحتاج إليه، وقد كان السلطان العظيم الشأن المولى حسن عين هذا الهري لخزن البارود ثم بعد مدة طرأ عليه ما
[ ١ / ١٧٧ ]
أوجب نقل البارود منه، وذلك الطارئ هو حدوث بلل بأرضه لم يعهد فيه قبل فنقل منه ووضع بهري آخر حذوه، ولم يزل مصونا به إلى أن حلت الدولة الحامية وألقته في صهريج السواني التقمته أفواه قنوات مجاري مياهه أيام امتلائه.
وبطرف هذا الهيكل باب يصعد منه في مطلع بدون درج على هيئة مطلع منار حسان برباط الفتح وجامع الكتبيين بمراكش إلى الصرج العظيم المحمول على هذا الهيكل الفاخر المساوي له طولا وعرضا وارتفاعا، وهذا الصرح هو المعروف اليوم باسم المنصور، اشتمل على عشرين قبة في كل جهة قبب خمس، الخامسة في كل ربع هي الوسطى وهي أكبر قبب ذلك الربع مع كونها مربعة ومساوية لمقابلتها، وبكل قبة شباك يشرف الناظر منه إما على العاصمة تماما وبسيطها، وإما على ما حواليها ينيف طول ذلك الصرح والهيكل المحمول هو عليه على مائة متر، وعرضهما سبعون وفي هذا الصرح يقول الكاتب أبو حفص الحراق:
أنا قصر العتاق من الجياد بناني الله في نحر الأعادي
على يد عبده المنصور حقا وصلت على القصور بكل نادي
وكيف لا أصول على المبانى وإسماعيل قد أسمى عمادي
وشيدنى بتوفيق ويمن وعمرني بآلات الجهاد
وروع بي الصليب وعابديه فنال العز من رب العباد
أدام الله ملكه في هناء وأعقابه إلى يوم التنادي
قلت: قوله بناني -هو بالباء في أوله من البناء ضد الهدم ولا يصح أن يكون بالفاء من الفناء بمعنى العدم، لأنه إنما يتعدى بالهمز وهو في البيت متعد بنفسه ولأن الإتيان به في طالعة مديح بناء ذلك القصر مما يتشاءم منه لأنه دعاء
[ ١ / ١٧٨ ]
بإعدامه، وهو كالمنافي للمقصود. هذا وليس يقصر ارتفاع هذه الهياكل وصرحها عن أربعين مترا وذلك أيام بهجته وشبابه.
ومن المفاخر الإسماعيلية المعصرة الفاخرة البناء الواقعة في الجانب الشرقي من أروى مزيل التي صارت اليوم معملا للصناعة الحديدية، يقال إن زيتون حمرية كان يطحن بهذه المعصرة.
وقد وصف هذه القصبة الإسماعيلية بعض من كان مستخدما في بنائها من أساري الأورباويين وهو مويت الفرنسي في كتابيه اللذين وضعهما في وصف المملكتين الرشيدية والإسماعيلية وفتوحاتهما وقضية أسره فيهما فقال: إنها في الجنوب الشرقي للمدينة، وأن ابتداء بنائها عام أربعة وسبعين وستمائة وألف مسيحي، وطولها أكثر من عرضها، كما أن عرضها من الجانب الجنوبي الغربي أقل من عرضها من الجانب الجنوبي الشرقي.
ولها ثلاثة أبواب أعظمها الذي بالجانب الجنوبي الشرقي ويسمي باب الخلاء أي المفضي لخارج المدينة، على جانبيه برجان عظيمان عاليان مربعان على كل واحد منهما ثلاث شرافات على هيئة نور السوسان بنتهما الأسارى عام سبعة وسبعين وستمائة وألف مسيحي. وهذا الباب يقابل المقبرة.
والباب الثاني يسمى باب الحجر لبنائه بالحجر المنحوت وهو المقابل لروى مزين.
والثالث يسمى باب المدينة وهو المقابل لها ثم هذه القصبة لها ثلاثة أسوار من جهة الشمال الشرقى عرض أولها ستة أشبار، وعلى طرفيه برجان مربعان ذوا شرافات، وعرض السور الثاني ثلاثون شبرا، وبين هذين السورين فسيح مربع يسمى روى مزين والثلاثون شبرا التي في عرض الحائط الثاني لم تستمر في عرض
[ ١ / ١٧٩ ]
الحائط كله، بل أسقط البناءون منها حتى صار البارز منه عشرة أشبار بني على طرفيه جداران صغيران عرضهما ثلاثة أشبار وعلوهما قامة وبينهما داخل الجدار المذكور يطوف على القصبة العبيد الساكنون بالأبراج من غير أن ينظر إليهم أحد لا من داخل القصبة ولا من خارجها.
وأما السور الثالث وهو سور قصر الحريم وهو أعلى من الأولين وبه كوات وفرج وعليه يطوف عبيد الدار المخصيون وليس على القصبة من الجهة الأخرى إلا سور واحد عرضه عشرة أشبار، وله أبراج متينة شاهقة مربعة من جملتها معقلان: أحدهما في جانب القصبة الشرقي، والآخر في جانبها الغربي.
وفي الجانب الجنوبي من هذه القصبة قصبة صغيرة بنيت سنة ثمانين وستمائة وألف مسيحية تسمى الأوَدايَة، عرض أسوارها ستة أشبار، ولها أبراج مربعة بشرافاتها تفضل بين القصبتين مقبرة، قال: وللقصبة الإسماعيلية منظر رائق من بعيد. قال: وتتصل بها مدينة مكناس من الجهة الشمالية الغربية. قال: وفي عام واحد وثمانين وستمائة وألف اشترى مولاى إسماعيل الجنات المجاورة للجنان الذي أنشأه على هيئة أكدال بمراكش، وكان قصده أن يجعل دائرته ثلاثة كيلو مترات، وقد كمل عمله في شهر واحد استخدم فيه في أبان المطر الغزير الأسارى والعبيد والقواد والأشراف وغيرهم كما خدم فيه بنفسه وكذا خدم بنفسه في بناء قصوره اهـ.
قلت: أما باب الخلاء المذكور فهو المعروف اليوم بباب الرايس، وإنما كان يسمى باب الخلاء زمن خدمة هذا الأسير بالبناءات الإسماعيلية، وإلا فقد صار باب العمارة، وفي وسط القصبة ومن هنا يفهم أنه لم يصف القصة بتمامها لأنها زادت بعده كثيرا، والباب المفضى للخلاء من تلك الجهة هو باب الناعورة البراني والمقبرة التي أشار لمقابلة باب الرايس لها هي مقبرة سيدى عمرو الحصيني، ومقابلتها له ليست حقيقية، بل هي مقابلة في الجملة لأن الخارج من باب الرايس
[ ١ / ١٨٠ ]
تكون المقبرة عن يساره، وقد حال الجدار المار فيه ماء شرب المدينة المقابل لباب القصر الملوكي المسمى بالمدرسة بين المقبرة والباب المذكور.
وأما باب الحجر فإنه لا زال يعرف بهذه الإضافة إلى الآن، وهو الذي يدخل عليه لحومة سيدي النجار ويمر فوقه لحومة الدريبة وكلام هذا الأسير فيه يدل على أن باب أبي العمائر الواقع خارج هذا الباب لم يكن في رمنه وكذا باب المرس وإنما حدثا بعده، وهو قد كان المولى إسماعيل مَنَّ عليه بالفكاك من الأسر في جملة سبعين أسيرًا عام واحد وثمانين وستمائة وألف مسيحى.
وأما باب المدينة الذي ذكره فهو المعروف بباب منصور العلج، وكلام هذا الأسير نص في كون أصل هذا الباب للمولى إسماعيل فولده مولاي عبد الله إنما نمقه كما يأتي ذلك بحول الله.
وأما القصبة الصغيرة التي قال الأسير إنها في الجانب الجنوبي الشرقي فهي قصبة هدراش، ونسبته إياها للأوداية لعل ذلك كان لسكنى الأوداية بها أول الأمر، والمقبرة الفاصلة بين القصبتين هي مقبرة الحصيني المتقدمة، وأما قوله: روى مزير، فهو عنده آخره راء، الشائع في ألسنة العامة آخره نون، والذي يكتبه الموثقون والمتفاصحون آخره لام، ويذكر أن مزيل المضاف إليه كان قيما على أروى خصوصية هناك، وهو من أرقاء السدة الملوكية، وبالأسف فقد أصبحت مشيدات هاتيك القصور بلاقع، ولم تلف لتلافي أشلائها من راقع، استعمرتها أنواع العصافير والحشرات ودرست معالم تلك الزينة الثمينة، وخربت تلك القبب بل انمحت آثارها وجعل عاليها سافلها وإلى الله عاقبة الأمور.
ولما وقفت على تلك الرسوم الدارسة، المستوحشة بعد أن كانت مؤنسة، وطال تدبري في مبداها والمآل، تذكرت ما أنشاه ابن عربي الحاتمي في كتاب "المسامرات" لما دخل الزاهرة فوجدها بلاقع إذ قال:
[ ١ / ١٨١ ]
ديار بأكناف الملاعب ترتع وما إن لها من ساكن وهي بلقع
ينوح عليها الطير من كل جانب فتصمت أحيانا وحينا ترجع
فخاطبت منها طائرا متفردا له شجن في القلب وهو مروع
فقلت على ماذا تنوح وتشتكي فقال على دهر مضى ليس يرجع
وخيل لي أنها تنشدني قول من قال:
الله أخر مدتي فتأخرت حتى رأيت من الزمان عجائبا
وليس ببعيد من طريق الاعتبار أن تكون الحكمة في سرعة تخريب تلك القصور وغيرها مما يأتي من البناءات الإسماعيلية على عظمها وثخانة بنائها القاضيتين بالنظر للعادة بتأبيدها في الجملة جعل ذلك في مقابلة هدم قصر البديع الذي كان أسسه بمراكشة السلطان أبو العباس أحمد المنصور السعدى الملقب الذهبي، لفيضان الذهب في زمانه حتى قيل كانت ببابه أربع عشرة مائة مطرقة تضرب الدينار دون ما هو معد لغير ذلك من صوغ الأقراط والحلي وشبه ذلك -المبتدأ تأسيسه في شوال عام ستة وثمانين وتسعمائة، واتصل العمل فيه إلى عام اثنين وألف ولم يتخلل ذلك فترة، وفي عام تسعة عشر ومائة وألف أمر مولانا إسماعيل بهدمه فهدمت معالمه، وبددت مراسمه، وغيرت محاسنه وفرق جمع حسنه وعاد حصيدا كأن لم يغن بالأمس.
قال في "نزهة الحادي" تأملت لفظ البديع فوجدت عدد نقط حروفه بحساب الجمل مائة وسبعة عشر، وهذا القدر هو الذي بقي فيه البديع قائما عامرًا فإنه فرغ منه عام اثنين وألف، وشرع في هدمه عام تسعة عشر ومائة وألف، فمدة بقائه بعد تمام بنائه مائة وسبعة عشر سنة على عدد اسمه وذلك من غريب الاتفاق اهـ، وكون الجزاء من جنس العمل أمر معهود في التصاريف الإلهية في كثير من
[ ١ / ١٨٢ ]
الجزئيات، وليس هذا بمزاحم لما أشار البعض إليه في حكمة هدم البديع من كون أنقاضه صارت بعد هدمه كالراجعة لأصولها، إذ ما من نقطة مغربية إلا وصار إليها في الأغلب بعض أنقاضه، كما أن القوة المخزنية كانت ألزمت وقت بناء البديع سائر النقط المغربية حمل ما قدرت عليه مما لديها من مقومات بناء قصر البديع المذكور وإيصاله إلى محل بنائه.
قال في "النزهة" حتى إنه وجدت بطاقة فيها إن فلانا دفع صاعا من جيار حمله من تنبكتو وظف عليه في غمار الناس اهـ. فكان تفريق أجزائه بعد الهدم وفق ما جمعت عليه حين البناء وذلك أيضا جزاء من جنس العمل جزاء وفاقا والحكم والنكت لا تتزاحم على أن ما ذكروه هو حكمة لهدم البديع، وهذا الذي أشرنا إليه هو حكمة لهدم ما شيده سيدنا الجد هادم البديع برد الله ثراه.
وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد
فليعتبر بذلك البصير، وليراقب فيما يأتيه وما يذره الآخذ بالنواصي الوارث الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين، وليعلم أنه كما يدين يدان.
ومن تأسيساته الفائقة العجيبة التي لم ينسج على منوالها ناسج مدينة الرياض العنبري، جوار قصبته السعيدة لا زال موقعها إلى الآن بدخول الغاية يعرف لدى الجمهور بالرياض، خارج باب زين العابدين، أخذ أبواب المدينة اليوم كان عينها لأخواله الأوداية عام ألف وثمان وثمانين كما في "الروضة السلمانية" وأمرهم ببناء دورهم بها.
وفيها كانت دور العمال والكتاب وذوى الحيثيات من أعيان الدولة، قال أبو القاسم الزياني: وكانت مدينة الرياض زينة مكناسة وبهجتها، وبها آثار أهل دولة مولانا إسماعيل كل من كان له وظيف بخدمته بني داره بها وتنافس العمال والقواد
[ ١ / ١٨٣ ]
في بناء القصور والدور، فقد كان بدار على بن يش أربعة وعشرون حلقة يجمعها باب واحد، وكانت دار عبد الله الروسي وأولاده أعظم منها كانت حومة وأمثالها من القواد، وبنى كل عامل مسجدًا في حومته وبوسطها المسجد الأعظم الإسماعيلي ومدرسته وحمامه وفنادقه وأسواقه الموقوفة عليه وكانت تنفق فيها البضائع التي لا تنفق بغيرها. اهـ.
هذا وقد طارت الركبان وقص التاريخ لنا ما كان لسيدنا الجد الأكبر السلطان المولى إسماعيل من الاهتبال بأمر هذه المدينة مدينة الرياض المذكورة، وما كان لذويها لديه من شفوف المكانة، وناهيك أنها كانت كرسي الوزارة في دولته، بل كانت محيي رحال أولي الأمر من رعيته في عصمته، شيد فيها المسجد الأعظم الحافل الذي فاخرت به الأواخر الأوائل، وشيد بها الدور والقصور والأسواق، والحمامات، وغير ذلك من الرباع والعقار، ووقف الجميع على ذلك المسجد الفاخر.
ولقد وقفت في بعض التقاييد التي يكاد القطع يحصل بصحتها والعقود القديمة التي لا مطعن فيها على ما صورته: الحمد لله الذي لا يضيع أجر من أحسن عملا، ولا يخيب لمن أخلص له النية أملا، والصلاة والسلام على سيدنا محمدا آخرا وأولا، وبعد فإن مولانا أمير المؤمنين، الموفق بتوفيق المعين المتوكل في جميع أموره على رب العالمين، المنتخب من عترة النبي الطاهر لصلاح الدنيا والدين. عز الإِسلام والمسلمين. تاج الملوك المجاهدين، الملك الهمام الذي اعتز الإِسلام تحت لوائه، ورتع الأنام في ظل هديه الصالح واهتدائه، وأسس قواعد الملك الذي أناف على ثواقب الكواكب شامخ بنائه، ذو المجد الأثيل، والفخر الأصيل. أبو الوليد مولانا إسماعيل، شكر الله أنظاره، وخلد مآثره وآثاره، وعمر بالنصر العزيز منازله ودياره، ابن مولانا الشريف، العلى القدر المنيف، لما وصل
[ ١ / ١٨٤ ]
الله لخلافته العلية ما عود، ومتع مما خول وأعان على ما خلد، أعلى الله منار عدلها، وشكر مكارم قولها وفعلها، جاهد في الله حق جهاده، حتى استخلص من أيدي الكفار رقاب عباد الله وحصون بلاده، وجدد ما اندثر من العمائر، وشيد ما تركه الأوائل للأنام من المآثر، إلى غير ذلك من المآثر الحسان، الدالة على معاليه في كل زمان، اللهم كما نصرت به الدين، وأيدته على أعدائك الكافرين، وجعلته رحمة للعباد، وعصمة للبلاد، ونقمة لأهل الفساد، فأكرم اللهم خلافته العزيزة بطول البقاء، وألزم أوامره وصوارمه أقوم الاضاء.
وحين بوأه الله المراتب العلية، والأفعال الزكية المرضية. صرف همته لتشييد المساجد، وتشهير المعاهد، وخصوصا مسجد المدينة العليا الجديدة العنبرية الذي جعل له من الأوقاف داخل المدينة وخارجها ما هو مرسوم بالورقات الثلاث قبل هذه المواليات لها وقف شهيداه الواضعان لاسميهما عقب تاريخه مع ناظر المسجد في حينه، وهو المكرم عبد الوهاب ابن الناظر المكرم عبد العزيز حجاج على عين جميع أوقاف المسجد المذكور عمره الله بدوام ذكره داخل المدينة المذكورة وخارجها، كل وقف منها على انفراده، وحازه معاينة، وجدد الحوز، ولما تحقق عند العلامة القاضي بحضرة مولانا العلية، وخطيب منبرها العالي المخصوص لديه بترفيع المزية. المصروف إليه خطاب القضاة بإيالته الحسنية، قاضي الجماعة، ومصرف الأحكام المطاعة، سيدي محمَّد أبو مدين بن حسين السوسي ما عليه الناظر المذكور من الحزم، والسعي في المصالح والعزم، أوصاه أن يعمل على ما يقربه عند الله من مرضاته، ويظفر بجزيل مثوباته، وفي أواسط رجب الفرد عام ثمانية ومائة وألف الحمد لله شهد واضع اسمه عقب تاريخه بمعرفة المواضع المقيدة بالقوائم الست بمحوله مع ما في القائمتين أعلاه معرفة تامة كافية ويشهد مع ذلك بأنها محبسة على المسجد الأعظم، من المدينة العليا المختطة عن الإذن العلى بالله
[ ١ / ١٨٥ ]
من قبل مولانا المنصور بالله الإمام العدل المعظم المتواضع لذكر الله ورسله، فرع الدولة الحسنية وأمكن ركنها، حامي حمى خلافة الإِسلام، مولانا إسماعيل بن مولانا المقدس مولانا الشريف الحسني أمده الله بعزيز تأييده وبمعونة نصره ورشده آمين.
وهي المسماة بالرياض العنبري عمره الله بدوام ذكره وحرسها حبسا يجري مجراها ولا يحيد عن طريقها وسبيلها مؤبدا ووقفا مخلدا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، ومن بدل أو غير فالله حسيبه وسائله وولي الانتقام منه، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، فمن عرف ذلك كما ذكر قيد به شهادته في أواخر جمادى الثانية عام ثمانية ومائة وألف، الحمد لله الذي جعل الخلافة شمسا من عنصر النبوءة فأضاءت على أديم البسيطة أنوارها، وارتفع إلى السها والفراقد منارها، وتألق بالإصباح نهارها، ولاحت في سماء المجد بدورها وأقمارها، وهزت عطف الزمان انتشاء مناقبها الشريفة وأخبارها، وفاض لبركتها على أكناف المعمور خضمها الزاخر وتيارها، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد الذي ظهرت نبوءته قبل ولادته، وبشرف الأحبار والرهبان بعموم رسالته، وخرقت له حجب الآفاق، وفرجت له السبع الطباق، فحاز على كافة الأنبياء والمرسلين خصال السباق، صلى الله عليه وعلى آله والرضى عن أصحابه صلاة كاملة ورضى تاما وسلم كثيرًا أثيرًا، أما بعد: فإن الله تعالى قد اختار لصلاح هذه المغارب، من سعد به البادي والحاضر والشاهد والغائب، الإِمام المنتخب من عترة النبي الذين علوا مناقب ومناصب، ورقوا إلى أشرف المنازل والمراتب، الملك الهمام، حافظ بيضة الإِسلام وكافل أمة النبي ﵇، صاحب الفتوحات المنسقة النظام، جمال الأنام، تاج الإمارة عز الإِسلام، الذي أسفر عن صبح النصر العزيز نصله، واشتمل على خواص الشرف الأصيل جنسه وفصله، وطابت فروعه
[ ١ / ١٨٦ ]
لما استمد من ريحانتي الجنة أصله، ذا العزم الأمضى، والسعي الأَرْضَى، الملك المنصور أبا المآثر الحسان والمفاخر السلطان المجاهد في سبيل ربه وابتغاء مرضاته، مولانا إسماعيل بلغه الله من رضاه أقصى مسئوله، وأعانه على جهاد عدو الله وعدو رسوله، ابن مولانا الشريف بن مولانا على جدد الله عليهما ملابس الرحمة. وجزاهما أفضل ما جزى الصالحين من ملوك هذه الأمة، لما ولاه الله أمر عباده، وبسط يده في أرضه وبلاده، ونصره على أعدائه، وأيده في أرضه بملائكة سمائه، واستقر ملكه الشامخ البناء بمدينة العز مكناسة الغراء، دار ملك الجهاد، وكرسى دار الإمارة المظفرة العساكر والأجناد، عصمها الله ووقاها، وحفظ بها كلمة الإِسلام وأبقاها، فلما استقر بها ملكه الأشرف وانعقدت بالنصر العزيز راية الفتوحات على قناة العدل الذي عليه مدار الأمور، وعشا إلى نور سراجه الوهاج الخاصة والجمهور، ضاقت المدينة المولوية بجيشه المنصور، أمر أيد الله أمره، وأبد فخره، وأدام تأييده ونصره، ببناء المدينة الجديدة العنبرية المختصة بأمره السلطاني، المؤيد بالتأييد الرباني، لا زال نافذا بعون الله ميسر المآرب، ومطاعا له في جميع أقطار المغارب، فبنيت صانها الله من طوارق الحدثان وحاطها من سوء ما يجري به الملوان، وأسس بها مسجدا للخطبة عتيق، وبنى عن أمره العالي البناء الحسن الوثيق، وصل الله عوائد صنعه الجميل لديها، وعمره بدوام الذكر والعبادة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ولما كمل بناؤه وأعانه من له القوة والعون سبحانه على ذلك حمد الله تعالى، وأثنى عليه الذي وفقه وأعانه عليه، ورجا كمل الله رجاءه أن يدخل تحت عموم حديث الصادق المصدوق، صلوات الله عليه وهو قوله - ﷺ -: "من بنى لله مسجدًا بنى الله له قصرًا في الجنة"، وقوله - ﷺ -: "من بنى لله مسجدًا يبتغي به وجه الله العظيم بنى الله له مثله في الجنة" وقوله - ﷺ -: "من بنى لله مسجدا بنى
[ ١ / ١٨٧ ]
الله له في الجنة أوسع منه" إلى غير ذلك من الأحاديث النبوية. وصحاح الأخبار المصطفية.
وأمر أيد الله أمره عام ستة ومائة بعد ألف بجلب الماء له من عين البيضاء في قادوس مختص به ويكون الموضع الذي يجري فيه القادوس حبسا عليه من العين المذكورة إلى المسجد الجامع المذكور في جميع الأملاك السلطانية، وألزم ناظر المسجد المذكور في حينه وهو المكرم عبد الوهاب بن الناظر المسن المكرم محمَّد بن عبد العزيز حجاج مع من له النظر العام والأمانة الكاملة في أمر البناءات كلها السلطانية على اختلاف أنواعها وأجناسها بداره العلية حرس الله رفيع أعتابها، وصان من طوارق الحدثان على أبوابها، ناصح خدمته السلطانية، في السريرة والعلانية، وهو الطالب محمَّد بن الثقة الخير خديم أهل كتاب الله المحب لآل بيت رسول الله - ﷺ - وعلى آله محمَّد الكاتب شُهِر الأندلسي نَجِارًا، الفاسي دارًا، ومنشأً وقرارًا، بالوقوف التام على خدمة ذلك الماء على أن يصل إلى المسجد الجامع المذكور فوقفا عليه، وصرفا كليتهما إليه، حتى بلغ على مقتضى غرضه السلطاني فجعل نصره الله ثلاثة أرباعه للمسجد الجامع المذكور، والربع الواحد الباقي منه للسقاية التي هنالك بإزاء المسجد.
تقبل الله عمله، وبلغه في نصر الإِسلام وصلاح الأنام أمله، ولما علم من قوله - ﷺ - ما علم من أنه ﵇ قال: "من بنى لله مسجدا بنى الله له في الجنة أوسع منه" أراد حصول تلك الفضيلة فأمر أيده الله بزيادة صفين اثنين ليوسع بهما، فزيدا على نظر الإمام المقرون بالبركة قبلي المسجد الجامع المذكور وصل الله سعده، وأناله من الثواب الجزيل قصده، والحمد لله ولي التوفيق والتسديد، المتكفل لمن شكره بالمزيد، ولمن توكل عليه بالإعانة والتأييد.
وصلى الله عليه سيدنا محمَّد نبيه الذي اصطفاه من العبيد، وجعله السبب الأوصل في نجاة الناجي وسعادة السعيد، وعلى آله وصحبه صلاة لا تنقطع أبد الأبد ولا تبيد.
[ ١ / ١٨٨ ]
فحبس عليه من الأوقاف بداخل المدينة وخارجها ما يذكر، ويعين ويفسر بعد إن شاء الله، فالذي بداخلها أمنها الله وسماها جميع الدار المتصلة بغربي المسجد المذكور، وجميع الدر ذات البيوت المتصلة بشرقي المسجد المذكور، وجميع الطراز المسند للسقاية الكبرى المنشأة هناك قرب المسجد المذكور وهو الذي صار الآن دارا، وجميع الحمام الجديد المقابل لقبلى المسجد المذكور بفرنه ومنافعه، وجميع الفرن الذي بأعلى الحمام قبلي المسجد المذكور، وجميع النصف الواحد على الشياع في كافة فندق ابن عزور صاحب إفراك في شركيته بالنصف الآخر على مقربة من باب الرياض، المواجه لسيدي سعيد بن أبي بكر نفعنا الله به، وجميع الحوانيت الثلاثة التي بأسفل باب المِيضَأَة (١) مع البيوت المسندة إليه، وجميع الحانوتين المتصلتين بالقنت المواجه لداخل الرياض من بابه الأكبر باب ثلاثة فحول أسفل دار الباشا منصور الرامي، وجميع التسع حوانيت المتصلات بداخل الرياض أمام بابه النافذ لقرب الولى سيدي سعيد، مبدؤهن من الحانوت. الثانية لحانوت القنت المواجه للباب المذكور بصف واحد، وجميع الحانوت الصغرى التي برحبة التبن عن يسار الصاعد غربا بعد دخوله من الباب المذكور، والذي بخارجها جميع الأربعين حانوتا عن يمين الصاعد لباب المشاوريين، أحد أبواب مكناسة، وجميع موضع الثاني عشر حانوتا المتصلة بها من جهة روضة سيدي عبد الرحمن القرشي، وجميع التسع حوانيت المتصلة بها من أعلى التي بناها حجاج، وكل الحوانيت صف واحد في اعتمار صنعة الذميين، عددها إحدى وستون حانوتا بجميع ما لذلك من المنافع والحرم وكافة الحقوق الداخلة والخارجة، ليصرف من فوائد الحبس ما يفضل عما يحتاج إليه أصله من الوجوه الضروريات مما يبقى أصل الحبس معه محوطا فيما يحتاج إليه المسجد الجديد المذكور من إصلاح مبانيه ومياهه وحصره وزيت الاستصباح به وراتب القائمين بأموره وغير ذلك مما يحتاج إليه.
_________________
(١) المِيضَأة: الإدواة فيها ماء يُتوضَّأ به، والموضع يتوَضَّأ فيه.
[ ١ / ١٨٩ ]
ومن إنشاءاته المحبسة جميع المكتب المسند إلى المسجد المذكور لتعليم أولاد المسلمين قراءة القرآن، وجميع السقاية التي هناك، صير في بنائها مائة مثقال دون الخشب، وجميع المنجرة المتصلة بالمسجد المذكور لخدمة الخشب لإصلاح المسجد وأوقافه، وصير في جلب الماء من العين البيضاء إلى المسجد المذكور ما يذكر مفصلا، من ذلك ثمانية وعشرون قنطارا من الزيت من معصرة مولانا المظفر المنصور، وثمانية وعشرون ألفا من القادوس الثلثي مدفوع في جملته بيد الفخار ألفا أوقية اثنان دراهم وأربع كوشات من الجير مدفوع فيها مائة مثقال، وأجرة المعلم القوادسي عن مدة خدمته عشرة أشهر ثلاثمائة أوقية دراهم، وأن المال المدفوع على يد الناظر المذكور في الصفين اللذين أمر مولانا بزيادتهما قبلي المسجد المذكور صرة من التبر بيعت بمائة وثلاثين مثقالا دراهم، وكل المال المصير في بنائهما وفي جلب الماء للمسجد المذكور وفي بناء السقاية والمكتب هو من مال مولانا الخاص به.
وحبس نصر الله أعلامه ماء آخر يطوى له قادوسه وحده من الوادي إلى أن يصل للمَسجد المذكور. اهـ.
ومع هذا الاهتمام العظيم بتحصين هذا السعي المشكور المكين من هذا الإمام العظيم منشئ مدينة الرياض، حتى تدوم قائمة بنفسها في سائر الشئون والأغراض، لم ينفع حذر من قدر فلم تعش المدينة بكل بناءاتها الدينية والدنيوية إلا خمسا وخمسين سنة قضتها كلها في ازدهاء وازدهار، لا تحوم نحو ساحتها الأكدار، وطالع السعد على أرجائها مشرق، وخميس اليمين والأمانى بأكنافها محدق.
وفي هذه المدينة يقول الفقيه الكاتب أبو حفص عمر الحراق من قصيدة يخاطب بها كتاب الحضرة الإمامية.
[ ١ / ١٩٠ ]
أكتاب الإِمام لقد سعدتم بآثار لسيدنا سديدة
دنوتم من قصور أبي المعالى وقد كانت منازلكم بعيدة
وما دار تقرب منه إلا مباركة بلا ريب سعيدة
قال في "الدر المنتخب المسْتحسن" وقد أجازه السلطان على هذه القصيدة بأربعمائة مثقال نفذها له عند عامله الباشا على بن عبد الله الريفى فقبضها منه في الحال. اهـ.
قلت: هذا وأبيك الكرم ونخوة الملك، فالأربعمائة مثقال في ذلك الزمان من الأمر ذى البال تقوم بما لا تقوم به اليوم أربعمائة ألف فرنك، ثم لما قضى الله بخرابها ونثر نظام عقد محاسنها، قيض لنقض محكم بنائها السلطان المولى عبد الله نجدٍ مؤسس قواعدها على تقوى من الله ورضوان، فأمر النصارى وغيرهم بهدمه لأمر عرض له في الحال اعتراه بسببه شبه اختلال، وذلك الأمر هو ما ذكره صاحب "الدر المنتخب" من إنه كان إذا جن الليل اجتمع من سكانها القواد والأعيان وتذاكروا الأمور الواقعة في الآفاق والبلدان، وتذاكروا فيما بينهم وإن أرادوا أمرا عليه صمموا ويدبرون الأمر حتى يكون ما عليه عولوا، فنصر مولاى أحمد الذهبي أولا كان في مدينة الرياض المذكورة، وفيها اتفقوا على عزله ونصر مولاى عبد المالك في الرواية المشهورة، وفيها عزلوا مولاى عبد المالك وردوا مولاى أحمد، وفيها اجتمع رأيهم على نصر مولاى عبد الله وكان مولاى عبد الله إذا فعل فعلا اجتمعوا وتحدثوا، فكان مولاى عبد الله لأجل ذلك لا يبلغ مناه، وإن أراد مولاى عبد الله أن يبرم أمرا اجتمعوا وقالوا هذا أمر لا نفعله بوجه ولا بحال، فبلغ الخبر لمولاى عبد الله فأعرض عن ذلك الأمر الذي أراد كأنه لم يبق له ببال، وأرسل إلى العبيد الذين بمشرع الرملة ومن كان غائبا من جنوده وكساهم وفرق عليهم الأموال، وزادهم في الراتب وقدمه لهم على الكمال.
[ ١ / ١٩١ ]
ففي فجر يوم السابع والعشرين من شوال عام ثلاثة وأربعين ومائة وألف حشد تلك الجنود وأعد آلة الهدم وركب فرسه ووقف على تل مشرف عليها وأمر بالهدم من كل ناحية والناس نيام فمن أسرع وحمل رزقه وقشه نجا، ومن لا معين له بقى قشه تحت الردم وارتحل الوداية لفاس الجديد مع إخوانهم وتفرق غيرهم بالمدينة، فما مضت عليها عشرة أيام إلا وصارت كدية من تراب يعشش فيها اليوم، ولم يبق بها إلا الأسوار والجدرات قائمة كما قاله أبو القاسم الزيانى وغيره، والبقاء لله وحده، وله ﷾ الأمر من قبل ومن بعد.
وقد صارت موقعها من مزارع العاصمة المكناسية ومراعى مواشيها، ولا زالت إلى الوقت الحاضر بعض الأطلال قائمة بها، وقد كانت تلك المزارع فيما سلف معدة لنزول الجيوش السلطانية عند ما يحل ركابها الشريف بالعاصمة المذكورة، وأحدث بها الآن محالا لسكنى اليهود لضيق حارتهم عنهم.
ومن تأسيساته حارة اليهود التي بها سكناهم الآن، أسسها عام ثلاثة وتسعين وألف كما بتأليف الضعيف وغيره، وأمر بإخراج أهل الذمة من المدينة وإسكانهم بالمحل المؤسس لأجلهم فسكنوه، وأخليت دورهم التي كانت وسط دور المسلمين بالمدينة، ثم سكنها أهل تافيلالت الذين بفاس بأمر من السلطان.
ومن تأسيسات مولانا إسماعيل قصبة بريمة التي لا زالت قائمة العين والاسم إلى الحين الحالي الواقعة غربا من قصبة قصور الملك السعيدة، وقد وقفت في بعض العقود الموثوق بها على بعض ما يتعلق بذلك ونص الغرض منها: كان الجناب العالى بالله مولانا أبو النصر تملك جميع أرض بريمة خارج الحضرة الهاشمية محروسة مكناسة، وأعطى مولانا المنصور ثمنها وأمر ببناء حوانيت خارج باب المشاوريين بالثمن المذكور، لكون الأرض المذكورة من أوقاف جامع الخضراء، وفضل من الثمن المذكور من بناء الحوانيت مائة مثقال، وكان المتولى لذلك عن أمر
[ ١ / ١٩٢ ]
مولانا المنصور بالله تعالى القائد الأرضى. الأجل الأحظى، خديم المقام العالى بالله أبا العباس أحمد بن الأجل الفقيه الأكمل المرحوم بكرم الله سيدي أبي يعزى العرايشى، أشهد الآن أنه صير لجانب الحبس في المائة مثقال كذا في سنة اثنتى عشرة ومائة وألف، اهـ.
ومن تأسيساته قصبة جناح الأمان الشهيرة إلى الآن.
ومنها قصبة قعر وردة التي لا زالت قائمة العين والاسم إلى الحين الحالي، وكان تأسيسه إياها عام واحد ومائة وألف.
ومنها قنطرة دردورة الشهيرة المعروفة قبل بقنطرة ابن يشو، أسسها عام واحد ومائة وألف على ما في بعض التقاييد، وأنشأ بهذه القنطرة سقاية اهتم بشأنها اهتماما زائدا حتى حبس عليها عدة أوقاف من رباع وعقار، كانت تعرف هذه السقاية بسقاية الذهب، ودونك بعض النصوص الشاهدة لما لمنشئها من الاهتمام والاعتناء بأمرها: الحمد لله ضهد لدى شهيديه أمين الدار العالية بالله، وناظر سائر الإيالة الشريفة المعلم محمَّد بن محمَّد الكاتب الأندلسى أن مولانا المنصور بالله تعالى مولانا أمير المؤمنين، المجاهد في سبيل رب العالمين، مولانا إسماعيل أبد الله أوامره، وخلد مفاخره الكريمة ومآثره، آمين، حبس جميع الحوش المستدير بالحيطان -غير ربع واحد منه بلا حائط- الكائن بقصبة تزيمي المجّاور من أسفل الحوش حبس مسجد صواغة الذي بيد الوقاد على وجه الجزاء على إصلاح الماء المجلوب لسقاية الذهب التي أحدث بناءها مولانا المذكور بقنطرة دردورة خارج مدينة مكناسة، وهذا العقد بتاريخ جمادى الأولى عام سبعة عشر ومائة وألف، ولما رأى أنجاله ورؤساء أعيان دولته العظيمة ما لمتبوعهم الأمير الطائر الصيت من الاهتبال والاهتمام بهذه السقاية، تسارعوا لاقتفاء أثره في التحبيس عليها، فحبس عليها نجله المظفر أبو الحسن مولانا على كوشة وحانوتين حسبما بعقد تحبيس ما
[ ١ / ١٩٣ ]
ذكر المؤرخ بعام ثمانية وأربعين ومائة وألف، وحبس عليها خديم مقامه العالى القائد على بن يشو اليازغى عقارا حسبما بعقد وقفت عليه بتاريخ أواسط جمادى الثانية عام سبعة وعشرين ومائة وألف، ومع الأسف فقد اندثرت هذه السقاية وعفت منها الآثار، ولم تنتج لها أحباسها العديدة أدنى وقاية من يد الاضمحلال والاندثار.
ومنها مسجد باب البراذعيين الشهير، وكان تأسيسه له تحت نظر وزيره على ابن يشو، وذلك عام واحد وعشرين ومائة وألف، وهذا التاريخ هو الذي رسم بخشب باب مقصورة المنبر بالجامع المذكور في أبيات لعمل منبره، ونصُّ ذلك:
أنا منبر للذكر والوعظ أنصب دوائى لأمراض القلوب مجرب
ومولاى إسماعيل عز عن امره تأنق في صنعى الوزير المهذب
على بن يشو راجيا فضل ربه وإن رمت تاريخى بحقّ سيحسب (١)
ومنها جامع الأنوار المعروف بهذا الاسم إلى الزمان الحاضر الذي بابه الأكبر عن يمين الداخل للقصبة الإسماعلية من باب منصور العلج، ففي "زهر البستان". في نسب أخوال سيدنا زيدان بن مولانا إسماعيل، أن مما شيده مولانا إسماعيل مسجد الأنوار الذي هو لأشتات المحاسن جامع، فمن سوارى رخامية يقارب عددها المائتين، ومن صحن بديع الشكل بهى المنظر رجب المتسع عدم النظير بالعدوتين، بوسطه قبة ارتفعت عن أن تقاس بمثال، قائمة على أعمدة من الرخام مختلفة الأشكال، بزواياها الأربع شبابيك مصنوعة من الخشب أمسكت بصفائح مذهبة أركانها، أرضها مفروشة بالرخام، وسماؤها وشيت من خشب ملون
_________________
(١) في المطبوع: "وإن رمت تاريخي (شاقك) يحسب" وهو غير صحيح عروضيا. ولعل المناسب ما أثبتناه. والأبيات من الطويل.
[ ١ / ١٩٤ ]
منقوش بأبهى من طرق الحمام، يدخل إليها من جهاتها الأربع وبداخلها خصة رخام لم ير الراءون مثلها في ضخامة الشكل وسعة الدائرة وإحكام صنعة ترصيف ما أحدق بها من الرخام، وبإزاء القبة بئر أحدق به أربع خصص صغار وإلى جنب كل خصة حوض يمتلئ منها، وبإزاء الصحن المذكور بالركن الذي التقى فيه الربع الشرقى بالربع القبلى منار يرقى فيه بغير مدارج، بل بترصيف مستوى المعارج، مطبق الأعلى فلا يصيب فيه المؤذن حر شمس ولا مطر، ولا ينال بصره من محارم المسلمين قطاف وطر.
ومن محاسن هذا الجامع أن أسند إليه بربعه القبلى من حيث اتصاله بالربع الشرقى خزانة الكتب مشملة على قبتين قائمة حلقتها على أربعة قوائم من الرخام، وبها من الكتب العلمية ألوف عديدة إلخ ما وصفه به مما لا ينطبق إلا على جامع الأنوار المعروف بهذا الاسم الآن وذلك الانطباق وقت شبابه، وقبل انقلابه وإيابه، أما بعد ذلك فلم يبق من دلائل ذلك الانطباق إلا شهرته قديما وحديثا بجامع الأنوار مع ما أدركناه من بقايا دار الوضوء الموصوفة في الجهة الشرقية إلى أن استأصلتها الدولة الحامية، ومع بقايا خزانة الكتب الموصوفة في كلام زهر البستان، فإن بابها بالمحل المعين في كلام زهر البستان مع ما سمعته من والدى عن والده رحمهما الله أن تلك الباب هي باب خزانة الكتب الإسماعييلية التي فرق السلطان سيدي محمَّد بن عبد الله كتبها على مساجد المملكة، وإنما قلت لم يبق من دلائل الانطباق إلا ذلك، لأن جامع الأنوار قد مسخ، وتقلب في أطوار النحس والمسخ، حتى إنا ما أدركنا شيئًا مما وصف من بهجته، ولا بعض ما يمثل حسن صورته، سوى الجدرات المحيطة به وأطلال بعض ما عداها، أما ما عدا ذلك فلم ندرك منه رسما ولا طللا وليت هو أنه انتهى عند هذا الحد، ولكنه زاد على. ذلك بأن أُعِدَّ تارة لربط الدواب وأخرى لاستقرار من هم شر من الدوابِ، وهم
[ ١ / ١٩٥ ]
أخلاط أوباش العساكر الذين كانوا يأتون فيه كل الفواحش بكل معنى الكلمة، وآونة يكون سجنا للمتمردين، وطورًا يجعل خزينًا للشعير، إلى أن حازته الدولة الحامية وصيرته مدرسة لقراءة لغتها وغيرها، ولا ينافى كونه من الإنشاءات الإسماعيلية ما هو منقوش في زليج بأعلى بابه ولفظه: ما للخورنق والبديع كمال إلخ ما سيمر بك قريبا بحول الله لأنه إنما أسند في هذه الأبيات لمولاى عبد الله إنشاء حلة تلك الباب لا غير وتلك الحلة وذلك الكمال يحملان على إنشائه بها خاصة تنميقا وتزويقا، أما أصل ذلك فهو لوالده المولى إسماعيل لما قدمناه عن زهر البستان من أن المولى إسماعيل هو المنشئ لذلك المسجد بكماله، وقد وصفه بذلك قيد حياة منشئه كما ينبنى عنه ما ترجم المولى إسماعيل به في الكتاب المذكور.
وقد قدمنا أن هذا المسجد هو الذي يقوى في نظرنا أنه المسجد الذي أسسه لما ضاق به مسجد القصبة الذي لا زال يعرف بهذا العنوان إلى الآن، وكذا قدمنا أن دليل ذلك قول واصفى المسجد الذي أسسه بعد ضيق الأول وجعل له بابين بابا إلى المدينة إلخ، فإن الباب الذي للمدينة بدون حاجز لم يوجد إلا في هذا، ويزاد على ذلك أن ما وصف به "زهر البستان" جامع الأنوار مع قبته أظهر في وصف الأخضر الذي أطلقه على المؤسس بعد الضيق واصفوه من وصف مسجد القصبة به، وكذلك ما في بيت ذلك الشاعر السابق وهو قوله ففي القبة الخضرا، البيت، القبة الموصوفة في جامع الأنوار أحق به وأليق، ويتأكد ذلك يكون الزيانى ومن تبعه لم يفصحوا في البناءات الإسماعيلية بجامع الأنوار بهذا العنوان، مع أنه أحق بالذكر من كل مسجد بناه، لأن ما وصف به زهر البستان بناءه لم يوصف به شيء من المساجد التي شيدها، فدل ذلك على أنه هو مرادهم بقولهم أسس المسجد الأخضر إلى قولهم وجعل له لابين بابا المدينة إلخ.
ويحمل المسجد الذي وصفنا تهدمه داخل الباب الأول للضريح الإسماعيلى
[ ١ / ١٩٦ ]
على أنه كان معدا عند المولى إسماعيل للصلوات الخمس، ومسجد القصة المعروف بهذا الاسم لصلاة الجمعة، وقد يصلى فيه الخمس أيضا عند ما يجده الوقت في قصر الستينية المتصل به، أو لمقتض آخر، مقتضيات عظم المملكة وشامخ أبهنها.
والظاهر أن ذلك الاحتفال الهائل الذي خص به المولى إسماعيل جامع الأنوار، حتى إنه جعل أعمدته على كثرتها كلها رخاما مع تلك الخصة التي لم ير الراءون مثلها عظما وحسنا وغير ذلك، ولا سيما مع حصول الاستغناء عنه بعد العظمة الإسماعيلية لا بالنظر للمدينة ولا بالنظر للقصبة، فتكون خطبة مسجدها مع تخريب هذا رجعت إلى محلها الأصلى والله أعلم. وكان تأسيسه لهذا المسجد العظيم المقدار عام عشرة ومائة وألف كما في "الدر المنتخب".
ومن إنشاءاته أيضا مسجد الأنوار المعروف في العصر الحاضر بمسجد سوق السباط، ويدل لذلك ما هو منقوش في لوح خشب ببعض جدراته ولفظه:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وصلى الله على سيدنا محمَّد وآله وصحبه وسلم تسليما، الحمد لله الذي جعل أهل العلم أنجما يقتدى بهم في كل وقت وزمان وزين بالاهتداء بهم كل مكان، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمَّد سيد ولد عدنان، وعلى آله وأصحابه ما تتابع الملوان، هذا وإن مولانا المؤيد بالله الهمام محيى الملة والدين، وسالك سبيل الأئمة المهتدين، المجاهدين في سبيل رب العالمين، أمير المؤمنين، مولانا إسماعيل بن الشريف الحسنى أيده الله ونصره، لما أنهى إليه أمر المسجد الذين أنشأه الناظر الأسعد، الموفق الأرشد، أبو عبد الله سيدي محمَّد بن محمَّد الكاتب القيسى الأندلسى أصلا ونجارًا، الفاسى نشأة ودارًا، المسمى بمسجد الأنوار أمر نصره الله بإحضار علماء التوقيت العارفين بدلائل القبلة وهم السيد محمَّد بن عبد الرحمن المرابط والسيد العربي بن عبد السلام الفاسي والسيد حسيت الكامل، والسيد محمَّد بن سليمان العونى وحضروا بالمسجد المذكور واستعملوا البحث والنظر بطرق علماء الفن والأسطرلابات والدائرة ومقاييس الشمس، فأداهم اجتهادهم إلى أن
[ ١ / ١٩٧ ]
المحراب هو سمت مكة شرفها الله تعالى على المشهور، وأن طول مكة سبعة وسبعون درجة، وعرضها اثنان وعشرون درجة، وطول مكناسة خمسة وعشرون درجة، وعرضها أربع وثلاثون درجة بتقاطع خطي الطولين والعرضين بالدائرة الهندسية، قيدوا به شهادتهم لسائلها وفي أوائل جمادى الثانية عام اثنين وعشرين ومائة وألف الحمد لله لما ثبت بشهادة أهل العلم المذكورين الواجب تقليدهم للخاص والعام فيما ذكر وجب المصير إليه واتباعه "إذا قالت حذام فصدقوها" وهذا سبيل الحق وطريقه ففي الخبر عنه ﷺ أنه قال كل صنعة يرجع فيها إلى صانعها أو كما قال (١) ﵊ وكتب سعيد العميرى الحمد لله أعلم بأعماله عبد الله تعالى عبد الوهاب العرائشى هـ.
وأسس باب الخميس القائم العين إلى الآن، وهو أحد أبواب مدينة الرياض السالفة الخبر، وذلك عام ثمان وتسعين وألف، ويدل لذلك ما هو منقوش في الزليج المتوج به أعلى الباب المذكور ودونك لفظه:
_________________
(١) في هامش المطبوع: قال الحافظ ابن النجار في تاريخه: "قرأت على أبي القاسم سعيد بن محمَّد الهمدانى عن محمَّد بن عبد الباقي الأنصاري، قال: كتب إلى أبو عبد الله محمَّد ابن سلامة القضاعى، حدثنا أبو الحسن على بن نصر الصباح، حدثني أبو النضر المفضل ابن على كاتب الراضى، أنه حضر مجلس أبي الحسن بن الفرات وعنده القاضى أبو عمر محمَّد بن يوسف فسأل عن شيء، فقال القاضى أبو عمر: قال رسول الله - ﷺ -: "استعينوا على كل صنعة بأهلها" وفيه يرد قول أبي الخير السخاوى في المقاصد الحسنة، إنه لم يرد بهذا اللفظ في الحديث، وإن تبعه الشيبانى في تمييز الطيب، والبيروتى في أسنى المطالب، ويقويه شاهدا له ما أخرجه أحمد عن طلق بن على، قال بنيت المسجد مع رسول الله - ﷺ - فكان يقول: قربوا اليمامىَّ من الطين فإنه من أحسنكم له مَسًّا. وفي رواية ابن حبان فقلت: يا رسول الله، أنقل كما ينقلون؟ قال: لا، ولكن اخلط لهم الطين فأنت أعلم به. وما أخرجه أبو داود عن سعد قال: مرضت مرضا فأتانى رسول الله - ﷺ - يعودنى، فوضع يده بين ثدي حتى وجدت بردها على فؤادى، وقال في: إنك رجل مفئود، فأت الحارث بن كلدة من ثقيف فإنه يتطبب. وهو يدل على جواز الاستعانة بأهل الذمة في الطب كما في الإصابة. وعلى كل حال: فكل أمر له قوم به عرفوا فاندب لكل مهم أهل بلواه انتهى مصحح. وفي حواشى كنز العمال ٣/ ١٠٨ أن طلق بن على بن المنذر، هو أبو على اليمامى، وفد على النبي - ﷺ - وعمل معه في بناء المسجد، وروى عنه.
[ ١ / ١٩٨ ]
أنا الباب السعيد سموت فخرا سمو البدر في الفلك السعيد
سنا مولاى إسماعيل يبدو على ذاتى المنوطة بالسعود
ففي وقت سعيد قد بنانى وورخ نشأتى (جود المشيد)
وأسس باب الجديد على ما في بعض التقاييد الموثوق بصحتها عام خمس ومائة وألف.
وجدد المسجد الأعظم عام سبعة ومائة وألف، وكان انتهاء العمل فيه عام تسعة ومائة وألف، ويشهد لذلك ما هو منقوش في لوح خشب بباب المقصورة التي يخرج منها الخطيب بالمسجد المذكور ولفظه: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون﴾، صدق الله العظيم، وبلغ رسوله المصطفى الكريم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا، أمر بتجديد هذا المسجد الأعظم مولانا إسماعيل بن الشريف أيده الله عام سبعة ومائة وألف، وكان الفراغ منه عام تسعة ومائة وألف:
يا أيها المنظر الجديد زينك الطالع السعيد
وقر منك الأمير عينا ومات من غيظك العنيد
وما هو منقوش بأعلى السقاية من المسجد المذكور ولفظه: الحمد لله وحده وصلى الله على من لاَ نَبِىَّ بعده.
تأمل بعد حمد الله حسنى وصل على محمد الشفيع
فما أبصرت في الدنيا كشكلى أذكر زهر أيام الربيع
وللوراد أسقى سلسبيلا فلى فخر بذاك على الجميع
بجامعنا الكبير سموت فخرا علا شرفى بجانبها المنيع
بأمر إمامنا المنصور شادورا بنائي الرائق الأبهى الرفيع
وتاريخى أمعطاش هنيئا وقاك الله من ظما وجوع
[ ١ / ١٩٩ ]
وما هو منقوش بخشب عنزته البديعة الإتقان العجيبة الصنع اللطيفة المنظر ودونك لفظ ما هو منقوش في الجهة الموالية للصحن:
ذى عروس من المحاسن تجلى باليواقيت وشحت واللآلي
وسراج الملوك بالغرب اسما عيل من دأبه اكتساب المعالي
كان عن أمره المطاع وجودى كن له حافظا أيا خير والي
وما هو منقوش بها أيضا ولفظه:
بحمد الله يفتتح الكلام كذاك صلاة ربى والسلام
على المختار مع آل وصحب كعرف المسك ما انسكب الغمام
آدم يا رب عز الدين وانصر إِماما لا يعادله إمام
وما هو منقوش بدائرة هذه العنزة من الجهة المذكورة أيضا ولفظه:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله، ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبَّة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾، وبوسط هذه الدائرة ما لفظه:
لك الحمد يا ألله والأمر كله فصل على سر الوجود محمد
إمام الورى طرا وقبلة آدم نبى أتى بالخمس في كل مسجد
ومعجزة القرآن أكبر آية فطوبى لمن يتلوه عند تهجد
على العنزات الفضل لي لتقرري بمكناسة دار الإِمام المؤيد
وجامعة أكرم ببيت إلهنا فكم حله من عالم متعبد
وتاريخ إنشائى وإظهار بهجتى وحسنى فشا مسجد تراه بمشهد
وصل إله العرش في كل لحظة على أحمد الهادى وأشرف سيد
[ ١ / ٢٠٠ ]
ومنقوش بدائرة هذه العنزة أيضا من الجهة المقابلة لمحراب المسجد الداخلى ما لفظة:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، صلى الله على سيدنا محمد ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) [آل عمران]، إلى غير هذا مما هو منقوش بالقلم الكوفى وغيره في هذه العنزة المباركة.
وجدد مدرسة الشهود المتقدمة الذكر عام ثلاثين ومائة وألف، ودليل ذلك ما هو منقوش بها على جدارها الشرقى قبالة الداخل وذلك في زليج أخضر على صورة محراب ونصه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما
بحمد إلهى أبتدى وصلاته على أحمد المختار طول المدى تترا
تأمل جمالى كى ترى الآية الكبرى أحاكى لزهر في السنا والعلا زهرا
تأنق في البنيان والوشى صانعى أنا منزل القراء حزت بذا فخرا
عن أمر أمير المؤمنين الذى سما بنسبته للمصطفى وعلا قدرا
أبى النصر إسماعيل كمل بهجتى بناظره السهلى قد سهل الأمرا
سليل العلا مزاج عبد الرحيم من بإتقانه الأوقاف يلتمس الأجرا
وكملت عام الألف مع مائة وزد ثلاثين شهر المولد أحبب به شهرا
فقوله كمل بهجتى إلخ، معناه بتجديد إصلاحها وتنميقها.
وقد غلط في فهمه بعض المتأخرين واغتر به صاحب "الدر المنتخب المستحسن" فقال: قال بعض المتأخرين: وأما المدرسة التي عن يسار المقابل لمحراب المسجد الكبير المقابلة بابها لباب المسجد فقد رأيت تاريخها في رخامة مقابلة
[ ١ / ٢٠١ ]
للخصة، وأن أمير المؤمنين مولانا إسماعيل هو الذى بناها نصه نظما: بحمد إلهى إلخ، الأبيات المارة ولا شك في خطأ هذا النقل، إذ تقدم بناء هذه المدرسة وهى المعروفة بمدرسة القاضى وبمدرسة الشهود وذكرها في "رَوْض" ابن غازى أشهر من نار على علم، كما أنه أخطأ في نسبة التاريخ للرخامة، فإن الأبيات التي بها التاريخ إنما هى منقوشة هناك في زليج أخضر كما قدمنا، وكفى بالعيان برهانا، وأشنع من هذا أن صاحب "الدر المنتخب" المذكور ما ذكر هذا الذى قدمناه عنه حتى قدم متصلا به أن مدرسة القاضى والشهود بانيها هو أبو يوسف المرينى، ومعلوم خارجا أنها هى التي عن يسار المقابل للمحراب المذكور، ثم أثره ذكر أن بانى التي على اليسار المذكور هو المولى إسماعيل، وهذا أقوى دليل على أنه لا يتصور أن المدرسة المذكورة هى التي على اليسار المذكور، فلم يميز بين مدرسة الشهود والقاضى وبين المدرسة الجديدة في كلام ابن غازى، وظن أن التي على اليسار هى غير مسمى مدرسة الشهود فخلط، وما حرر ولا ضبط.
(رجع) والمولى إسماعيل هو الذى نصب المنبر المرونق بالمسجد الأعظم الموجود لهذا العهد يوم الجمعة ثانى عيد الأضحى عام اثنى عشر ومائة وألف على ما في بعض التقاييد التاريخية.
وجدد مسجد سهب الملح وهو المعروف اليوم باسم مسجد ابن عزو على يد المسن المكرم السيد عبد الرحمن بن أحمد بن عزو، كما وقفت على ذلك في بعض التقاييد، وكان تجديده له عام واحد وثمانين وألف.
(فائدة) قال القلقشندي: أول من عمل المنبر في الإسلام سيدنا تميم الدارى عمله للنبي - ﷺ -، وكان قد رأى منابر الكنائس بالشام. (١) اهـ.
قلت: ويدل له ما في أبي داود عن الحسن بن على عن إبراهيم بن أبي داود عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - لما بدن قال له تميم الدارى: ألا أتخذ لك منبرا تجمع أو تحمل عليه عظامك؟ قال: "بلى"، فاتخذ له منبرًا مرقاتين. اهـ.
وما في طبقات ابن سعد من حديث أبى هريرة وغيره، قال كان النبي - ﷺ -
_________________
(١) صبح الأعشى ١/ ٤٢١.
[ ١ / ٢٠٢ ]
يخطب يوم الجمعة إلى جذع، فقال: إن القيام يشقّ علىّ، فقال تميم الدارى: ألا أعمل لك منبرا كما رأيته بالشام؟ فشاور النبى - ﷺ - المسلمين في ذلك، فرأوا أن يتخذه، فقال العباس بن عبد المطلب: إن لي غلاما يقال له كلابٌ أعمل الناس، فقال النبي - ﷺ -: مره أن يعمله، فعمله درجتين ومقعدا، ثم جاء به فوضعه في موضعه. (١) اهـ.
وتميم هذا هو أيضا أول من أسرج السراج في المسجد كما في "الإصابة" (٢) من رواية الطبراني.
(رجع) ومن تأسيسات الأمير المذكور بناء قنطرة السيد على بن منصور الشهير، الآتي الذكر بحول الله، وكان تأسيسه إياها عام أربعة ومائة وألف.
ومنها القبة التي أمام المدرسة الجديدة الشهيرة اليوم بالبوعنانية عام تسعة ومائة وألف.
وجدد ضريح الولي المتبرك به سيدي يوسف الشريف أحد الصلحاء الذين ضمتهم داره الكبرى المتقدمة الوصف، وكان تجديده له عام ألف ومائة واثنين وعشرين ويدل له ما هو منقوش في رخامة بضريح الولي المذكور نقشا بديعا ودونك لفظه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما، كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، هذا ضريح الولي الصالح أبو المحاسن سيدى يوسف الشريف الشهير بأبي قنادل نفعنا الله ببركاته آمين، أمر بتجديد هذا الضريح المبارك الملك الإمام الجليل أبو النصر مولانا إسماعيل أيده الله ونصره أوائل المحرم فاتح سنة ١١٢٢ هـ.
هكذا بالقلم الفاسي، ويوجد هذا الضريح وراء دفة الباب للدار المذكورة دار الخلافة على يسار الداخل.
_________________
(١) كتاب الطبقات الكبير لابن سعد ١/ ٢١٥.
(٢) الإصابة ١/ ٣٦٨.
[ ١ / ٢٠٣ ]
ومنها ضريح الولي الصالح المولى أحمد الشبلي ﵁ وأرضاه، ويدل لذلك ما هو منقوش بأعلى القوس الواقع يسار الذاهب من نهج القبابين لضريح سيدي عبد الواحد الأشقر المجاور هو أي القوس للسقاية يسار الذاهب منه لضريح الشبلي المذكور ولفظه:
يا ناظرا حرم الولي أحمد الـ شبلي وحسن جماله المتوقد
مولاي إسماعيل أسسه وهو تاج الملوك ونجل آل محمد
ومثله أيضا باللفظ ما بأعلى القوس الذي يذهب منه للضريح المذكور الأتي من ساباط الزمراني.
وضريح سيدي عبد الله القصري الولي الشهير.
وأسس جامع الزيتونة عام تسعة وتسعين وألف كما صرح بذلك صاحب الدر المنتخب المستحسن، ونصب منبرها في التاريخ المذكور وشاهده ما هو منقوش عليه الآن ولفظه: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وصلى الله على سيدنا ونبينا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب]، صنع هذا المنبر المبارك عام تسع وتسعين وألف، وقد كان سرادق ملكه في هذا التاريخ على الأنام ممدودا وأنت ترى سائر الآثار الدينية وخصوصا في عاصمته التي قصرنا الكلام فيها إنما كانت تبرر عن أوامره وهذا منها.
ومن تأسيسات مبانيه القصبات العديدة المحيطة بعاصمته المتصل منها بسور البلد والمنفصل عنه.
فمن المتصل القصبات الثلاث المتقدمة وهي: بريمة، وجناح الأمان، وقعر وردة ومنها القصبة المعروفة بقصبة هدراش وقد سبق بيان موقعها وتاريخ بنائها، ولا زالت قائمة آهلة إلى الآن.
[ ١ / ٢٠٤ ]
ومنها القصبة المعروفة اليوم بقصبة سيدى سعيد، خارج باب وجه العروس المعروف اليوم بباب الملاح، أحد أبواب المدينة، ولا زالت قائمة آهلة أيضا إلى الآن.
ومنها القصبة المعروفة بتزيمي الكبرى خارج باب البراذعيين القديمة التي موقعها الآن عن يسار الداخل لباب البراذعيين الجديد، وهو الذي يعنون عنه بهذا الاسم الآن، فالجدار الذاهب عن اليسار المذكور من الباب الجديد المذكور إلى الباب القديم أمامه هو لقصبة تزيمي الكبرى المذكورة، والباب الذي عن يسار الداخل للباب القديم المذكور هو لها وبين البابين البراح الذي يباع فيه الخشب الآن كل يوم جمعة بعد الصلاة، ولا زالت هذه القصبة قائمة آهلة أيضا إلى الآن ولفظ تزيمي -بكسر أوله وثانيه المعجم بعده ياء ساكنة وميم مكسورة بعدها ياء ساكنة- هو اسم لقبيلة من عمل سجلماسة نقلت لسكنى القصبة المذكورة.
ومن القصبات المنفصلة التي أسسها سيدنا الجد المولى إسماعيل حوالي مكناسة وعلى مقربة منها قصبة الكدارة بكاف معقودة وقصبة حَرْطَان -بفتح الحاء المهملة وسكون الراء وفتح الطاء المشبعة ثم نون- وقصبة المولى المستضئ.
وقصبة بوفكران.
وقصبة المنزه.
أما قصبة الكدارة فنسبتها لفرقة من فرق الجيوش المولوية أنزله بها مؤسسها على ضريحه صيب الرحمات وموقع هذه القصبة في الجهة الجنوبية من المدينة وهي الآن خراب بيد المكلف بالأملاك المخزنية يكتريها منه من شاء لكون عمارتها الأصلية بطلت.
وأما قصبة حرطان فموقعها غربا من المدينة يسكنها فريق من قبيلة الخلط، وأصل الخلط من العرب لا من البربر كان نقلهم السلطان سيدي محمد زمن خلافته عن والده السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام في شهر قعدة الحرام عام سبعين ومائتين وألف على القول الصحيح من بلاد سفيان وبني مالك وأحواز
[ ١ / ٢٠٥ ]
العرائش وعددهم إذ ذاك مائتان وثمانية عشر نفرا وأنزلهم بأرض مَكَّس -بفتح الميم والكاف المشددة بعدها سين مهملة- وزكُّوطة -بفتح الزاى المعجمة وضم الكاف المعقودة مشددة بعدها واو ساكنة ثم طاء فهاء ساكنة- وأضافهم إلى الجيش البخاري، ثم صار يلحق بهم إخوانهم من القبيلة المذكورة إلى أن صار عددهم ألفا وخمسمائة، ثم نقلهم إلى وادي الشجرة مع القصبة المذكورة ونقل من القصبة والوادي المذكورين من كان بهما من أهل تادلا وأنزلهم بأرض مكس، ولا زال بها نسلهم إلى الزمان الحاضر.
وأما قصبة مولاي المستضيء فموقعها غرب المدينة قرب قصبة حرطان، وليس بها اليوم إلا البوم وأنواع الحشرات، ولذلك تعرف بالخالية، قالوا: ووجه إضافتها للمولى المستضيء أن السلطان المولى إسماعيل كان مخيما في بعض أسفاره بالمحل الذي موقعها به، فجاء الطلق لبعض حظاياه ثَمَّ فولدت المولى المستضيء، وأقام السلطان هنالك مدة نفاسها، وفي ذلك الوقت أمر ببناء القصبة، كذا تلقيته من غير واحد من ذوي السن العالية.
وأما قصية بوفكران، فإضافتها للوادى الشهير الداخل للمدينة يسكنها اليوم فريق من الأشراف العلويين، تقع في جهة الشمال من المدينة على مسافة ثمانية عشر كيلو مترا، وبمقربة منها قصبة المنزه يسكنها مثل سابقتها فريق من العلويين.
ومنها أنه لَمَّا تملك أرض حمرية التي كانت تسمى قبل بأبي حفص بالمعاوضة الشرعية مع مالكها حسبما وقفت عليه في نسخة مسجلة ثابتة نص ظهير تقديم النائب في عقدها بعد الافتتاح:
من عبد الله تعالى أمير المؤمنين، المتوكل على رب العالمين، المجاهد في سبيله ناصر الدين مولانا إسماعيل بن مولانا الشريف الحسني، ونص الطابع: اليمن والإقبال اليمن والإقبال اليمن والإقبال إسماعيل بن الشريف الحسنى رعاه الله، أيد الله تعالى بعزيز نصره أوامره، وظفر عساكره، وخلد في الصالحات
[ ١ / ٢٠٦ ]
مآثره، وأسعد بمنه موارده ومصادره، آمين آمين، قدمنا بحول الله وقوته خديم جانبنا العالى، والنجد الذى أحرز من اشتراط النباهة والنجابة المقدم والتالى، القائد الأوجه، الأثير الأنبه، الأحفل الأرضى، الحازم الأحظى، القائد على بن يعقوب اليوسفى المكناسى دارا، وصل الله أنجاده وأحرس على المسالك الحميدة والمساعى الجميلة إصداره وإيراده، لحيازة الأراضى التي لنا بحوز حضرتنا العالية بالله مكناسة وبيان حدودها وتعيينها وإخراجها من يد من كانت وعلى عقد المعاوضة فيما يظهر له منها بغيرها التي هى على ملك أناس المتصلة بأراضينا المجاورة لحضرتنا المذكورة، وعلى الصلاح في ذلك والسداد تقديما أمضاه بعلائه وكساه رائق هلاله، لعلمنا بأنه أهل لما إليه قدمناه، وأحق بما أسديناه إليه وأوليناه، والله يصل توفيقه، ويجعل السداد والنجح رفيقه، بمنه والسلام وفى يوم الأحد رابع وعشرين المحرم الحرام فاتح سنة ثلاث وتسعين وألف عرفنا الله خيره وبركاته. اهـ.
ونص المعاوضة: الحمد لله انعقدت المعاوضة ببركة الله تعالى بين الشريف الأوجه الخير الأنزه الأحظى الأنقى السيد محمد دعي بسيدي حمّ بن إدريس بن وحود الحسنى المنونى، وبين القائد الحاج على بن يعقوب المذكور أعلاه النائب عمن ذكر أعلاه بحكم ما ذكر أعلاه في جميع الأرض المعروفة بأبى حفص المشتملة على سقى وبعل، التي على ملك الشريف المذكور الكائنة خارج باب القورجة، أحد أبواب مدينة مكناس، يحدها سهب الطبال والطريق الممرور عليها لفاس، وتتصل بساقية خنفر وبطريق عين الشلوقى، وفى جميع الأرض التي للجانب العلى البعل الكائنة ببراكة خارج باب البراذعيين من المدينة المذكورة، يحدها الأرض المعروفة ليوسف النحال قبلة ومقطع الريح غربا، ويحدها أرض سيدى على بن قاسم الشريف المنونى من الجهتين، والطريق الآتية من قبور الطوال وتتصل بأرض عزور التي على ملك الشريف المذكور أولا، وذلك بأن أخرج
[ ١ / ٢٠٧ ]
الشريف المذكور نفس ملكيته عن أرض أبى حفص التي كانت له عوضا عن أرض براكة التي صارت له بسبب المعاوضة المذكورة، كما أخرج القائد المذكور نفس ملكية المنوب عنه عن أرض براكة، التي صارت للشريف عوضا عن الأرض التي صارت للجانب العالى المعروفة بأبى حفص المشتملة على سقي وبعل، معاوضة صحيحة تامة بتلة بتة على سنة المسلمين في معاوضتهم، ومرجع دركهم، وتملك كل واحد ما صار له عوضا عما صار عنه تملكا تاما على السنة في ذلك، والمرجع بالدرك بعد النظر والتقليب والرضا صحيحا كما يجب من ناب عن نفسه فعن نفسه ومن ناب عن غيره فعنه عرفا قدره، شهد به عليهما بحال كمال الإشهاد وعرفهما أواخر القعدة من عام ستة وتسعين وألف الحق فيه والطريق الآتية من قبور الطوال صح به شهد عليهما بما ذكر أواخر صفر اثنين ومائة، ألف، أحمد بن محمد لطف الله به وعبد السلام بن محمد. اهـ.
غرسها (١) كلها بأشجار الزيتون حتى تمت فيها مائة ألف شجرة من الزيتون ثم حبسها على الحرمين الشريفين، ثم لما توالى على مكناس ما توالى بعده ﵀ من الهرج والمرج، وشبت نيران الفتن بين أولاده، وتمكن عيث العبيد على البلاد والعباد ومد الفساد والخراب في الأرض أطنابه، كان مما امتدت إليه اليد بالحرق والقطع هذه الغاية، حتى تلفت من شجرها كمية ذات بال، ولما تمهدت البلاد، وانقادت العباد لسيدى محمد بن عبد الله واستتب الأمن وخضعت له الرقاب وانكسرت راية أهل الزيغ والفساد، قام على ساق من رتق ما أنتجته تلك الفتن من الفتق، فكان من جملة ما تلافاه بهمته الفعالة إحياء ما اندثر من تلك الأشجار، بإعادة غرس ما قلع وحرق منها حتى رجعت لشبابها، ثم بعد ذلك فصل التحبيس، فجعل النصف حبسا على الحرمين الشريفين تختص المدينة المنورة على منورها أفضل الصلاة وأزكى التسليم بالثلثين، ومكة المشرفة بالثلث،
_________________
(١) جواب قوله: لما تملك إلخ، المتقدم.
[ ١ / ٢٠٨ ]
والنصف الأخر للمسجد الأعظم بمكناس يخرج منه كل سنة نحو الخمسمائة فرنك، يوجه منها خمسة وثلاثون فرنكا ونصف الفرنك تقريبا لجد العائلة المالكة مولانا على الشريف دفين سجلماسة، تصرف في مهمات الروضة والطلبة الذين يقرءون الحزب ودلائل الخيرات، والمؤذنين وقيم الروضة وطعام ليلة المولد النبوى، ومنها ثلاثة عشر فرنكا تقريبا تورع على الطلبة الموظفين لقراءة الحزب والصلاة على النبى - ﷺ - على قبر والدة المحبس الثانى وأعمامه بروضة أبي زكرياء الصبان نفع الله به، وقد كان لهذا القدر التافه الآن إذ ذاك شأن وبال، كما يخرج من النصف المذكور كل يوم رطل زيتا لضريح سيدى أبى يعزى ورطل لضريح مولانا إدريس الأزهر بانى فاس ﵃ جميعا وعنا بهم آمين.
ومنها أى الآثار الإسماعيلية جر الماء من بوفكران لزيتون حمرية في ساقية وسط جدار ضخم لازالت بقاياه جهة باب القرمود وسيدى الشريف الوافى لهذا العهد.
ومنها بناؤه الجدار المحيط بغاية حمرية، ولا زال بعضه قائما إلى الآن.
ومنها جر ساقية لجنان العريفة طوطو ببنى موسى في جدار عميق إلى أن يمر ماؤها فوق أقواس باب ثلاثة فحول التي هد منها قوس في هذا التاريخ، والعريفة طوطو هذه هى: بنت بوشتى السفيانى، كانت عريفة للمولى إسماعيل وخلفت أولادًا منهم: القائد قاسم المجاهد، والحاج سليمان، وهنية المدعوة بالنسيم والتومية، وقد كان المولى زين العابدين بن المولى إسماعيل تزوج بالنسيم المذكورة فولدت له الشاد بالله، ومليكة وخلفت العريفة المذكورة أموالًا طائلة من العقار وغيره بمكناسة وغيرها.
ومن تأسيسات المولى إسماعيل ومآثره الخالدة التالدة الضريح الإدريسي الأفخر، والمشهد العلوى الأنور، الواقع بزاوية جبل زرهون التي قال غير واحد من أئمة الدين، حملة شريعة سيد الأولين والآخرين، بتفضيلها على سائر الأقطار
[ ١ / ٢٠٩ ]
المغربية، لضمها جسد هذه البضعة الطرية، وكان تأسيسه لذلك المشهد الفاخر، الزهي الزاهر، سنة عشر ومائة وألف.
ويدل لذلك ما هو منقوش في الرخامة الأولى المثبتة في الجدار المواجه للداخل من باب قبة الضريح الإدريسي زاده الله بهاء ونورا ودونك لفظه:
هذه روضة بها خير هاد بضعة المصطفى وعين الرشاد
ملك طهر الإله به الغر ب من الشرك والشقا والعناد
واستقامت له الحشود وقد كا نت زمانا بالغى في كل واد
فإذا ما نسبته فرسول اللـ ـه في القرب رابع الأجداد
وتأدب فأنت ما بين صوم وصلاة وسنة وجهاد
وتلطف فأنت ضيف إمام في حماه علاج كل فؤاد
خصه خالق الخلائق بالفضـ ـل وأحيا به أقاصى البلاد
فسل الله ما تشاء من الفض ـل فليس لفضله من نفاد
وتوسل بالمولى إدريس واقصد في علاه بلوغ كل مراد
وابتهل للإله في نصر مولى شأنه السعى في صلاح العباد
شاد هذا المقام والفعل منه خالص لكريمه الجواد
عام ألف ومية بعد عشر من سنين السرور والإسعاد
وهذا تاريخ بناء نفس الضريح، وأما باب حفاته المقابل للباب المعروف هناك بباب المعراض، فكان تمامه في السنة التي بعد التاريخ المذكور اتصالا كما يدل له المنقوش في الزليج أعلى باب الحفاة المذكور ولفظه:
[ ١ / ٢١٠ ]
هذا مقام الحسنى الذى وصل أهل الله من بابه
أنشأه السلطان محتسبا لله في موصول أسبابه
على يد الكاتب في (ايقش) ناظر الأحباش في آلائه
بشبرى لمن قد جاءه زائرا ومرغ الخد في أعتابه (١)
اهـ.
على ما في البيت الثالث مما لا يجور في الصناعة الشعرية وعلى ما في البيت الرابع من المبالغة الشعرية التي لا ينبغى الاغترار بها، إذ لا يجوز في الشريعة الإسلامية تمريغ الخدود بالأعتاب كيفما كانت، وقد عده ابن حجر الهيثمى بل وما هو أدنى منه من الكبائر، هذا إن لم يقصد به العبادة وإلا فهو كفر كما في غير ما ديوان.
وقد ذكر السيخ زروق في "قواعده" أن الزيادة لا تجور إذا كان هناك منكر من تقبيل جدرات القبر وغيرها، فكيف بالتمريغ، والتاريخ المذكور هو المشار إليه بلفظ أيقش، اهـ.
قلت: انظر هذا مع ما وقع لصاحب البستان وغيره من أن البناء كان سنة اثنين وثلاثين ومائة وألف، وتيقن أن الحق ما نقلناه، وبالدليل القاطع أيدناه.
وما هو منقوش في خشب بباب المدرسة المعدة لسكنى الطلبة المهاجرين لقراءة العلم والقرآن الكريم المقابلة لباب الحفاة المذكور، ولفظه: النصر والتمكين، والفتح المبين، لمولانا إسماعيل أمير المؤمنين، لكن هذه الخشبة يجور أن تكون من أنقاض الدار الإسماعيلية الكبرى التي جلبها سيدى محمد بن عبد الله مثل رخامتى خدى باب القبة كما يأتى.
وما هو منقوش في خشب مظل باب المسجد الإدريسى المتصل هو أى الباب
_________________
(١) بعض الأبيات غير سليم ونبه المصنف على ذلك عقب ذكرها.
[ ١ / ٢١١ ]
[صورة]
رخامة ضريح أبي القناديل سيدي يوسف الشريف
[ ١ / ٢١٢ ]
بالجدار الشرقى من المدرسة المذكورة ولفظه: النصر والتمكين، والفتح المبين، لمولانا إسماعيل أمير المؤمنين، فإن قلت المسجد المذكور قديم ليس لمولانا إسماعيل فيه غير يد التجديد والتنميق. قال الحلبى في الدر النفيس: أما المسجد الجامع الذى حذاء الروضة فقديم والله أعلم؛ أنه من عهد مولانا إدريس فيما يظهر ولم أقف على خبر أمره، ولكن فهمت ذلك بالعرف المألوف أن المسجد بنى بقرب قبره المبارك كما يفعل بقبور الصالحين وقيل إنه محدث. اهـ.
قلت: يمكن أن البناء الحالى هو بناء للمولى إسماعيل أحدثه بعد زمن تأليف الحلبى وعليه فلا مخالفة وقوله وقيل: إنه محدث يعنى أحدثه غير المولى إسماعيل لأن الحلبى كان في رمانه وألف تأليفه المذكور قبل بناء المولى إسماعيل لهذا الضريح، وكان فراغه من تأليف الدر النفيس يوم الأربعاء العشرين من ربيع الثانى سنة ثمان وتسعين وألف.
ثم بعد كتبى هذا وقفت في الدر المنتخب على ما لفظه: ثم بنى جامع الخطبة الكبير المتصل بمولانا إدريس بزرهون وهذا لا شك فيه ولا ترديد، ورتب رواتبها، وجعل لها ما هو معلوم للمساجد العظام، واشترى بذلك فضلا يبقى على التأبيد، يعم الأهل والآباء والوليد، إذ ذاك من الأعمال التي لا تنقطع بالمنية، وتبلغ فاعلها في الدارين غاية الأمنية، ثم بنى المنار وشيده ورتب فيه المؤذنين ووقت لهم الأوقات، وعلم القائم بذلك ما يحتاج إليه في سائر الحالات، ونصب لهم ما يحتاجون إليه من الآلات، ثم بنى المدرسة المتصلة بما ذكر على الشكل الذى هو الآن معروف، ورتب فيها طلبة للقراءة على الأمر المألوف، ثم بنى دار الوضوء وجلب إليها الماء وأحسن في ذلك وأتقنها، وبنى دورًا ومكاتب ومواضع عديدة لنزول الزوار والضعفاء والأضياف وأعلنها، ثم بنى المساجد والمكاتب لتعليم الصبيان، ووقف على ذلك أوقافا عالية الأثمان، وبين لمن يقوم بكل وظيف ما له
[ ١ / ٢١٣ ]
من الأوقاف المختصة به وما يشترك فيه اثنان، ثم بنى الحوانيت والفندق والحمام والسقايات، وأجرى الماء في سائر النواحى والجهات، وبنى قبة سيدى راشد المتقدم ذكره، وبنى حول ذلك بناءات ثم أدار البناء على الجميع ليطمئن الزائر والساكن ولا يخشى العاهات، وبنى قنطرة الوادى وقنطرة أخرى بناحية قصر فرعون وسهل الطرقات، وأمر ببناء الدور في المواضع المرتفعات، وذلك كله على يد خادمه الباشا ابن الأشقر، وبعض كتابه ومن له الأمر.
وعند ذلك رغب الناس في سكنى زَرْهُون، وصار منازل الأشراف وأهل الفضل والدين، وان كان قديما هو مأوى الصالحين، ومحل إجابة السائلين وملجأ الراغبين، لكن كان غير مقصود للسكنى، وبوجود مولانا إسماعيل صار يغبط السكنى فيه الناس، وتقصده القبائل والرؤساء من سائر القبائل والأجناس.
وحين تم بناؤه على الوجه الذى أراده السلطان، وزاره ورأى ذلك بالعيان، ورأى عمارته واغتباط الناس في البنيان، سجد لله شكرا، وحمد الله على عادته سرا وجهرا. اهـ.
وإنما تعرضنا هنا لذكر هذا الضريح الأعظم في جملة تأسيسات مولانا الجد مولانا إسماعيل بعاصمته المكناسة لأن متبوعنا الإمام ابن غازى تعرض لذكر صاحبه ولذكر عاصمة ملكه التي كانت حاضرة البلاد مدينة وليلى ولكون المحل من جملة الأحواز المكناسية، وهذا هو ملحظ ما نأتى به بعد إن شاء الله مما يتعلق بزرهون وأهله.
وأما باقى بناءاته في غير مكناسة فقد أتينا على جملة صالحة منها في كتابنا المنزع اللطيف مفصلة وما أشرنا إليه من التأسيسات المتقدمة من هذا الإمام في العاصمة المكناسية، فإنما هو قُلٌّ من كُثْر، إذ لا نسبة لما انهد منها واندثر أثره مع ما بقى منها مما مر بك.
[ ١ / ٢١٤ ]
قال أبو القاسم الزيانى: ومن يوم مات المولى إسماعيل والملوك من بنيه وحفدته يخربون تلك القصور على قدر جهدهم وما أكملوا نصفها مدة من نحو مائة سنة. اهـ.
قلت: ولا زالت يد التخريب عاملة إلى الحين الحالى في تلك الحصون والأسوار الهائلة.
ولضخامة الآثار الإسماعيلية وانتشارها في سائر الأقطار المغربية، توهم بعض الجاهلين أن ذلك فوق مقدور البشر وأنه من عمل الجان، وليس الأمر كما توهم أولئك الأغبياء، وإنما بناءات مولانا إسماعيل الهائلة أثر من آثار على همته، ووافر ثروته، وعظم دولته، ونفوذ كلمته، وكمال اقتداره، وحزمه وصرامته، في سائر أطواره، ولذلك أزرت مبانيه بما بناه الفراعنة والأكاسرة حتى قال بعض حذاق الشعراء:
لقد بنت الملوك بناء فخر به ذكرت على مر الدهور
وأبنية الإمام أبى الفداء سليل المصطفى الليث الهصور
أتم ضخامة وأجل قدرا وأجمل منظرًا أبهى قصور
وفى كل البلاد له حصون لتأمين المسافر في المرور
ولو قيست مبانيه بما قد بناه من تقدم في عصور
لكان لها اعتزاز وافتخار ببهجة حسنها وبنا الأمير
فدونك فاستمع قولى مصيخا فإن مقالتى ليست بزور
وفى مكناسة الغرا دليل كمثل الشمس في صفة الظهور
فرحمة ربنا عدد الرمال على ملك تسامى عن نظير
[ ١ / ٢١٥ ]
وقال الوزير ابن إدريس:
قال للذين استعظموا من جهلهم إيوان كسرى أو بنا الأهرام
لم يبن ملك قد تقدم ما بنى مولاى إسماعيل في الإسلام
وقال صديقنا المؤرخ النقاد أبو عبد الله محمد بوجندار الرباطى مساجلا صديقنا الفقيه الأديب الكامل أبا عبد الله محمد بن اليمنى الناصرى وكان ابتداؤها
من الأول إذ قال:
مآثر إسماعيل أسمى المآثر ففاخر بما شاهدت منها وكاثر
ونزه جفونا في محاسن صنعها تجد مفخرا يسمو جميع المفاخر
مفاخر إلا أنهن بدائع بدائع إلا أنها صنع ماهر
مصانع إلا أنهن نواصع نواصع إلا أنها كالزواهر
فعج بى رعاك الله نحو ضريح من غدت عن مزايا ملكه خير سافر
مزايا غدت علوية علوية علت بمليك كامل الفضل وافر
وقول الوزير ابن إدريس لم يبن ملك إلخ، إشارة إلى تعضيد قول مؤرخ الدولة العلوية أبى القاسم الزيانى إن مبانى المولى إسماعيل بقلعة مكناسة وقصوره ومساجده ومدارسه وبساتينه شيء تذهل عند مشاهدته العقول، وتعجز عنه قدر الدول القديمة والحادثة، قال: ولا تلحق ضخامة مبانيه ما بنى كسرى في المدائن، ولا الفراعنة في مصر، ولا الروم برومة والقسطنطينية، ولا اليونان بأنطاكية والإسكندرية، ولا العماليق بالشام، ولا ما بناه بنو أمية ولا بنو العباس ولا العبيديون ولا المرابطون ولا الموحدون، ولا بنو مرين، ولا السعديون، قال: ولقد شاهدت الكثير من آثار الدول المذكورة فما رأيت أثرا أعظم من آثاره وأضخم من
[ ١ / ٢١٦ ]
بنائه، وأكثر من قصوره لأن من بنى من هذه الدول إنما يعتنى بتشييد قصر وتنميقه، والمولى إسماعيل لم يقتصر على قصر ولا على عشرة ولا على عشرين، بل جعل مبانى الدول كلها في بطن قلعته بمكناسة كما يقال: كل الصيد في جوف الفرا. اهـ.
وقد تابع الزيانى على مقاله هذا من نسج على منواله كصاحبى "الجيش العرمرم" و"الاستقصاء" وعليه جرى الوزير ابن إدريس كما رأيته.
وأما تعقب بعض فضلاء العصر وهو الشيخ محمد فريد وجدى ما في الاستقصاء بقوله نقول في هذا الكلام غلو عظيم لا يصحّ أن يصدر من مؤرخ على أنه يَدُلُّ في الجملة على ما كان لهذا السطان من المبانى العظيمة. اهـ. فغير سديد لأن الغلو مدفوع بما بينه الزيانى من اقتصار كل دولة على تشييد بناء عظيم خاص، والولى إسماعيل شيد في بناءاته الضخمة الهائلة ما يوارى بناء كل دولة، وجمع ذلك في قلعته فصارت قلعته جامعة لا يماثل ما شيدته الدول كلها، وهذا شيء انفرد به دونهم فاستحق بذلك تفضيل جملة مشيداته على ما شيده كل فرد منهم، إذ لم يتفق لفرد من تلك الدول من كثير المبانى الضخمة الممثلة لسائر مبانى من عداه من الدول ما اتفق للمولى إسماعيل، فأين الغلو في ذلك حينئذ! وأين ادعاء أن ذلك لا يصدر من مؤرخ! كيف وقد صدر عن مؤرخين كما رأيت وأولهم الزيانى، ما أعلن بذلك حتى أخبر بمشاهدته لمبانى الفريقين فريق الدولة الإسماعيلية وفريق من عداها من الدول المتقدمة عليها في أقطار المعمور، وجناب الشيخ الفاضل المعترض ليس معه إلا تحكيم الاستبعاد، الخالى عما يدعمه من وجوه الاستناد، وذلك هو منشأ الفساد، على أنه سيوافيك في ترجمة المولى إسماعيل من مشيداته في الأقطار المغربية الخارجة عن مكناسة ما يزيح عنك كل تشكيك وشبهة.
[ ١ / ٢١٧ ]
هذا والذى حدانا لشرح نقض ذلك الانتقاد، زيادة المنتقد قوله لا يصدر عن مؤرخ المعنونة بأن الغلو المنتقد به غير مقبول، لخروجه عن مناهج المعقول، أما لو طوى بساط تلك الزيادة المفسدة واقتصر على مجرد التنبيه على الغلو لقبلناه، وحملناه على الفرد المقبول عند سماسرة الفن ولم يعبأوا بمن خالفهم فأباه، وقلنا حينئذ بمجالات المديح التي لا غنى للمؤرخ عنها هى معدن ذلك ومأواه.
(تنبيه) علم مما سبق اهتمام المولى إسماعيل وغيره ممن تقدمه من ملوك المغرب بتشييد المساجد العظيمة والمدارس البهية والمشاهد العلية وتجديدهم لما وهى من ذلك تجديدًا أرفع مما كان، لكن مع التجافى في الجملة عن الإسراف وعدم التجاور عن حدود الإمكان.
وعليه فما وقع في رحلة الزيانى بعد بيان فخامة مسجد السلطان حسن بمصر من قوله: فرحم الله أفاضل الملوك الذين درجوا، والذين من خلفهم على مناهجهم نهجوا، لقد خلدوا من المآثر الدينية ما أوجب خلود الثناء عليهم ووصول الدعاء ممن بعدهم إليهم، ولم يزل أهل المشرق إلى الآن لهم فضل اعتناء ببناء المساجد والخانات، ويبالغون في تعظيمها ويتنافسون في ذلك ويبادرون إلى إصلاح ما وهى منها.
وأما مغربنا فلا تكاد ترى في مدنه مسجدًا عظيمًا قد أحدث بل مهدوما قد جدد، أو واهيًا قد أصلح، بل إن سقط شيء من أكبر مساجدهم فأحسن أحوالهم فيه إن كان مبنيا برخام أن يعاد بجص وآجر، وإن كان مجصصا أن يعاد بطين، بحيث تجد المسجد كأنه مرقعة فقير من كل لون رقعة، وما أرى سبب ما لمغربنا من الوهن إلا أمثال هذا من عدم تعظيم الله ولو في الأمور الظاهرة، فضلا عن الباطنة، ولم يعتن بإقامة معالم الدين إلا أمير المؤمنين سيدنا محمد بن عبد الله فقد شيد بمدنه مساجد ومدارس ورباطات، واقتفى آثاره في ذلك سلطاننا مولانا سليمان في تشييد معالم الدين بكل مدينة. اهـ.
[ ١ / ٢١٨ ]
قلت: هذا مخالف للحقيقة، وبعيد عن سوى الطريقة، أما تأنق أهل المشرق في بناء المساجد في ينكر، وأما مبالغتهم في تعظيمها فإن عنى بتأنق البناء فهو ما تقدم وإن عنى تعظيم الحرمات الشرعية فيها الذى نسب ضده لأهل المغرب فهو من مجازفاته المعهودة منه ﵀، فإن المقرر والمعهود عند الثقات وأفاضل الرحالين عكسه، وقد قدمنا في الكلام على البربر وأهل المغرب كلام الشيخ زروق في قواعده "الناص" على أن الغيرة الدينية عزيزة في المشرق ولا توجد إلا في أهل الخصوصية من أهله.
وقد نبه أبو سالم العياشى في "رحلته" على ما يعضد ذلك من تهاون المشرقيين بحرمات المساجد، وإذا لم تكن حرمات المساجد قائمة وبأنواع التعبدات التي بنيت لها آهلة، فأى ثمرة للمبالغة في تزويقها وتنميقها! هذا لو كان ذلك التزويق مأذونا فيه شرعا، فكيف وقد أباه الكثير من السلف، وكراهته هى مشهور مذهب أهل المغرب وهو مذهب مالك.
وفى صحيح البخارى أن سيدنا عمر بن الخطاب أمر ببناء المسجد وقال: أُكِنُّ الناس من المطر وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس. وقال أنس: يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلا، وقال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى كنائسهم.
قال القسطلانى: فيه كراهة زخرفة المساجد لاشتغال قلب المصلى بذلك أو لصرف المال في غير وجهه. اهـ.
وقال الخطيب ابن مرزوق في "شرح العمدة": وقعت المسألة بمجلس أمير المؤمنين أبى الحسن المرينى في المسجد الجامع الذى أنشأه بظاهر تلمسان بضريح سيدى أبى مدين، إذ زوقت قبلته وذهبت، فأفتى أبو زيد وأبو موسى ابنا الإمام ومن حضر من أئمة المغرب بزواله وأبيت لهم ذلك، قال: والحق منعه ابتداء وأما
[ ١ / ٢١٩ ]
بعد عمله فلا أرى أن يزال، وقد أمر أمير المؤمنين بإزالة ما قرب من المصلى من ذلك، قال: وهذه المسألة مما عمت به البلوى، لا سيما في بلاد المشرق، انظر المعيار فانظر قوله: مما عمت به البلوى لا سيما في بلاد المشرق، فهو ضد ما جازف به الزيانى من مدح أهل المشرق به، ثم استثناؤه خصوص سيدى محمد بن عبد الله ومولاى سليمان يدل على أنه قصد المولى إسماعيل في الدخول في الذم الذى ذكره، وربما كان هو المقصود عنده به، وأنت ترى مما تقدم كثرة ما شيده من المعاهد الدينية في خصوص مكناس وفى ترجمته المنزع اللطيف بعض ما شيده في غيره والله المرشد بفضله.
هذا وقول ابن مرزوق وأما بعد عمله فلا أرى أن يزال لا وجه له حيث إنه ممنوع ابتداء، والعلة هى شغل المصلى كما هو في كلام عمر، فالواجب هو زوال ذلك الشاغل والإقلاع عن ذلك المنهى عنه فالحق مع ابنى الإمام لا يقال في زواله إضاعة المال بلا فائدة، لأنا نقول وفى بقائه ضياع المال مع مفسدة شغل المصلى ودوام ارتكاب المنهى عنه.
وإذ قد أتينا على ما بلغه علمنا وما شاهدناه مما أسسه المولى إسماعيل من عظيم المبانى والغروس بعاصمته مكناسة الزيتون فلنعطف للتنبيه على ما أسسه فيها أيضا الملوك من بنيه وحفدته وعائلتهم الكريمة فنقول:
من تأسيسات السلطان الأصيل العريق المجد والفخار مولانا أحمد الملقب الذهبى بمكناسة ضريح والده الإمام الجليل، أمير المؤمنين مولانا إسماعيل، ذلك الضريح الذى أصبح في باب الإتقان آية، البالغ في التنميق والتنسيق الغاية، ذلك الضريح المحكم الصنع، العجيب الوضع، المنتظم من قبة لا نظير لها في الأقطار المغربية بل ولا الشرقية فيما أعلم، يقال إنه اخترع بناءها على الشكل والهيئة التي كان عليها إفراج والده صاحب الضريح المذكور الذى كان معدا لديه في حركاته
[ ١ / ٢٢٠ ]
[صورة]
باب قبة ضريح السلطان مولاي إسماعيل
[ ١ / ٢٢١ ]
[صورة]
دويرية الشريح الإسماعيلي ومحرابها
[ ١ / ٢٢٢ ]
لدى أسفاره وتجولاته في إيالته لتوطيد الأمن، وكسر صولة المتمردين، وبخدى باب هذه القبة الزكية البهية لوحتان رخاما بديعتان منقوشتان أبدع نقش وأعلاه، طول كل واحدة مترا وسبع وستون سنتيما وعرضها خمس وتسعون سننتيما منقوش في أعلى التي عن يمين الداخل ما لفظه:
باب ضريح إمام الغرب ذا فبه بدر الهناء ونجم الدين قد غابا
وبأعلى التي على اليسار ما لفظه:
فافسح له يا عظيم المن منزلة في الخلد وافتح إلى الغفران أبوابا
وبراح أمام هذه القبة طوله عشرة أمتار وعرضه كذلك محيط بمباحات أربع محمولة على اثنى عشر أسطوانة من بديع المرمر، وبوسطه خصة مرمرية لطيفة الشكل، وبهذا البراح أيضا قبة في الجهة الجنوبية تقابل قبة الضريح تعرف باسم الخراجة لكون الأمام أبى النصر مولانا إسماعيل كان يخرج منها من داره العلية إلى المسجد الذى وصفنا تهدمه الكائن الآن داخل الباب الأول للضريح الإسماعيلى، وهو الذى كان يؤدى فيه الصلوات الخمس كما أشرنا لترشيحه سابقًا، وحذو هذه الخراجة قوس صغير بمثابة بيت القنادل بالجانب الغربى منها، وبإزائه بهو يقابله في الجانب الشرقى محراب الصلاة وتحيط بجدرات الضريح والبراح المربع أمامها منطقة من الزليج المرصع أبدع ترصيع وأتقنه، ينيف ارتفاع تلك المنطقة على متر وبأعلى منطقة زليج قبة الضريح قصيدة رائقة منقوشة في زليج أسود بخط بديع رائق محيط بدائرة القبة، شاهدة بأن مولانا أحمد المذكور هو البانى والمؤسس لذلك المشهد الحفيل الفائق، بيد أنه ضاع أول تلك القصيدة وآخرها، ووقع اختلال في أواسطها ودونك لفظ ما هو موجود منها الآن مع إصلاح يسير فعلى يمين الداخل:
[ ١ / ٢٢٣ ]
فتح المدائن والحصون بجنده وجهاده وحسامه البتار
نشر العطا غفر الخطا ستر الغطا أغضى الحيا من حلمه الستار
مد الأمان على الأنام بظله وشقى الحيا من كفه المدرار
قل للمفاخر لا تفاخر واعترف لكماله بالعجز والإقصار
ماذا تقول لفضل آل محمد وهم الغياث لكل خطب طارى
وهم الكرام إذا حللت بجاههم وهم الأمان لأرضهم والجار
وهم هم من أمهم وأبوهم متوسلين بجاههم للبارى
من ذا يعد على فضلا في الورى وأنا طويت المجد تحت جدار
فلى الفخار على المبانى كلها آثاره تنبيك عن أخبار
قد شادنى البانى ولله ما بنى وأطال في سمك السماء منار
وأنالنى شرفا وفخرا باذخا وبالانتساب له علا مقدار
خير الملوك من البرية كلها الذهبى أحمد نخبة الأخيار
غيث البلاد إذا البلاد قد أمحلت غوث الأنام لكل هول عار
جبر الإله به الأنام وصدعها وكَسَابِهِ في الفضل من هو عار
ورث الخلافة عن أبيه وإنه أهل لها من سائر الأنظار
عقلا ودينا سؤددا وشجاعة حزما وعزما دائم الأمطار
يغنى إذا أعطى وإن هو قد سطا فتخاف فتكته أسود الضارى
ما مات والده المخلف مثله فكأنه ما غاب، عن أبصار
حسب على حسب تكامل مجده وكذا ذوو الأحساب والأقدار
[ ١ / ٢٢٤ ]
أبقاك مولانا لنصرة دينه ظلا ظليلا في سما الأمصار
تغشاك ألطاف الإله ونصره يتلو عليك معالى الإظهار
وسواك مفضول وقدرك فاضل وعلاك فوق الكل في الأسطار
ما رام شأوك في العَلا مسابق إلا وكنت أبا السنا المضمار
فعلى ضريح أبيك رضوان الإلـ ـه وألف ألف سلامه المعطار
وسقاه مولانا شآبيب الرضا تغشاه بالآصال والأبكار
في عام (لباشوق) داع إلهه قد صار في كرم مع الأبرار
وقول البيت الثانى: ستر الغطا معناه إما ستر السوء من قولهم فعل به ما غطاه أى ساءه كمال في المحكم، وإما ستر الكثير من قولهم ماء غاط أى كثير كما في تاج العروس، أو ضمن ستر الغطا انسداله إن لم يكن الأصل سدل فتصحف على الكاتب وهذا الاحتمال أظهر وقع تصحيف أو لم يقع، وقول السابع وهم هم من أمهم وأبوهم يقرأ من يكسر الميم في قوله من أمهم ويكون قوله وأبوهم مبتدأ خبره محذوف أى كذلك، وعلى يسار الداخل منها ما لفظه:
تاج الملوك إمامهم وضياؤهم سبط الرسول ونبعة المختار
مولاى إسماعيل خير بيوتها نجل الشريف وطلعة الأسرار
بيت المكارم والسيادة والندى قطب الجلالة معدن الإكبار
ورث المجادة كابرا عن كابر والمجد مجدهم بلا إنكار
قد طالما عبد الإله بليله ونهاره وسطا على الفجار
جبر الكسير وكم أسير قد فدى بنفائس الأموال والأحجار
وبنى المساجد والمدارس طائعا متواضعا لمليكه الجبار
كم عفر الوجه الكريم على الثرى بسجوده شكرا بلا استكبار
[ ١ / ٢٢٥ ]
انتهى.
تبرج أعلى سطح هذه القبة بزينة حلة قرموده المزدرى بالزبرجد في الاخضرار، تعلو تلك الحلة السندسية طاسات خمس من صفر مموهة بخالص الإبريز منتظمة في قضيب من حديد سفلاها هى أكبرها والتى تليها دونها في الكبر وهكذا، وعلى رأس ذلك القضيب لوح حديد لطيف مغشى بورقة من خالص الذهب يعرف ذلك اللوح باسم الخلالة منقوش في إحدى جهتيها ما لفظه:
هذه رتب الكمال تبدت ولواء النبى خير البرية
وفى الجهة الأخرى ما لفظه:
فالتمس من شذاه أطيب نشر واغتنم طيبه بحسن الطوية
كان يعتقد كثير من الناس أن ذلك اللوح كله من خالص الذهب ويزعمون أنه كان لبعض حظايا الجناب المملوكى الإسماعيلى لما لبى مولاي إسماعيل داعى مولاه وبنى ضريحه على الوصف المذكور أمرت بجعله ثَمَّ، ولم يزل ذلك الاعتقاد ساريا في الناس حتى اعوج ذلك القضيب الحديدى الذى ركبت نيه تلك الطاسات الصفر وذلك اللوح المغشى بسبب هبوب عواصف الرياح توالت ثلاثة أيام أقلعت الأشجار، وكان ذلك في ثانى عشر جمادى الأولى عام خمسة وثلاثين وثلاثمائة وألف، فعند ذلك. أنزل ذلك القضيب بقصد إصلاحه فكشف الغيب أن اللوح إنما هو من حديد مغشى بالذهب وقد أعيد تمويه ما يحتاج للتمويه من تلك الطاسات لكن جاء التمويه الجديد بالنسبة للقديم بمثابة تشويه، إذ الأول قد مرت عليه قرون والثلوج تتراكم عليه وغزير الأمطار وعواصف الرياح تحمل إليه من الغبار، ما يغطى بهجته ويستر بريقه ولمعانه عن الأبصار، ومع ذلك فلم يؤثر ذلك أدنى تأثير، ويجد بباب الدويرية المذكورة باسم البراح السالفة الوصف زليج مكتوب في نفس تزديجه ما لفظه:
[ ١ / ٢٢٦ ]
لساكنها السلامة والسعادة بطول الدهر ما غنت حمامه
وعز لا يدانيه هوان وإقبال إلى يوم القيامة
وما لفظه أيضا:
ألا إن دخلت القصر فانظر محاسنى وهل أبصرت عيناك مثل هذا الخد
تبارك الله ما أرق شمائلى على من الرحمن عز بلا حد
انتهى.
وقد اختلست في هذه الأيام الأخيرة زليجتان بهما البيت الأول وهو لسكانها. . إلخ، ويوجد خارج هذه الدويرة صحن فسيح طوله أمتار ثلاثون ونيف وعرضه أربعة عشر مترا به مباحان: أحدهما في الجهة الشرفية والآخر قبالته بالجانب الغربى، ومزارة يصعد إليها بدرج خمس يشرف منها على قبة الضريح الأقدس على تلك المزارة شباك من حديد مموه بالذهب، وذلك في الجانب الشرقى، وفى الجانب الشمالى من هذا الصحن قبة بها قبور بعض حرم السلطان المولى إسماعيل وبعض أنجاله وأحفاده تعرف هذه القبة بقبة الحاجبات، وفى قبالتها من الجهة الجنوبية ضريح العارف الكامل السيد عبد الرحمن المعروف بالمجذوب، وبوسط الصحن المشار أمام الضريح المجذوبى بئر حفرته امرأة بمال من صداقها بقرب عام ستة وخمسين وألف كما في "ابتهاج القلوب" ويأتى في ترجمة المجذوب بعض ما يتعلق بروضته المذكورة، وبعد الصحن المحدث عنه يوجد صحن آخر طوله يقرب من العشرة أمتار، وعرضه كذلك، بجانبه الشرقى صفة يقال إن بها مدفن الفرس الذى كان يركبه الشيخ المجذوب وحملت عليه جثته لمحل إقباره المشار، ومن هذا الصحن يخرج لمسجد صلاة الخمس المحدث عنه آنفا الذى بابه الأصلى القديم هو المعروف اليوم باسم باب مولاى إسماعيل، فإذا أراد الإنسان زيارة ذلك الضريح الأنور كلما وصل لصحن من الصحون المارة الوصف يصعد في درج، وهكذا إلى أن يصل قبة الضريح.
[ ١ / ٢٢٧ ]
[صورة]
صحن البير بالضريح الإسماعيلي
[ ١ / ٢٢٨ ]
ولأجل هذا العلو وارتفاع بقعة الموقع تتراءى تلك القبة المتبرجة بحلتها الزبرجدية وتاجها المغشى بالذهب من مسافة ليست بالقريبة من سائر نواحى جهات البلد، لا يرى الرائى أعلى منها ولا أروق في النظر، يغشاها نور نبوى تقر به أعين المحبين، ويكون قذى في جفون المارقين والملحدين.
ومن تأسيسات السلطان مولانا عبد الله بن مولانا إسماعيل بهذه العاصمة الفاخرة تنميق باب جامع الأنوار الشهير الواسع الأكناف الواقع بين باب زين العابدين أحد أبواب المدينة الآن، وباب منصور العلج، وكان تأسيسه لذلك عام ستة وأربعين ومائة وألف، ويدل لذلك ما هو منقوش في زليج بخط بارع على الباب المذكور ولفظه:
ما للخورنق والبديع كمال شرفي بمنشئ حلتي وكمالي
مولاي عبد الله من دانت له شم الأنوف أجلة الأقيال
حسبي من الفخر المخلد أنني أثر له والسعد في الإقبال
وقتي (مشوق ١١٤٦) كل نفس ودها تحظي به موصوله الآمال
وقد قدمنا أن أصل الجامع المذكور بكماله من أعظم منشآت والده المولى إسماعيل وشرحنا القول في ذلك بما له وما عليه فارجع إليه.
ومن تأسيساته أيضا تجديد باب القصبة الإسماعيلية المعروف باسم. باب منصور العلج على الطرز الذي هو عليه الآن على إصلاح للدولة الحامية فيما كان تصدع منه إصلاحا لم يغير ما كانت عليه، وهذا الباب أبت الأقطار المغربية أن تعزره بثان فهو وحيد الحسن بين أترابه، أنشأ تجديده عام أربعة وأربعين ومائة وألف وشاهد ذلك ما هو منقوش في زليج أسود بخط مشرقي بارع في أعلى ذلك الباب ولفظه: الحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد الذي لا نبي بعده:
[ ١ / ٢٢٩ ]
[صورة]
منظر باب منصورالعلج أحد أبواب القصبة الإسماعيلية
[ ١ / ٢٣٠ ]
طلعت مطالع سعدها أبراجى وأضاء في فلك الجمال سراجي
وحللت من أوج المعالي صهوة تسمو على الصهوات والآراج
بوجود من أحيا الوجود وجوده وأناره بسراجه الوهاج
من شاد بالنصر العزيز قواعدي وأدار بالفتح المبين رتاجي
بيت النبوءة والجلالة والعلا كهف الضعيف وغنية المحتاج
مولاي عبد الله متى أضحى به الـ إسلام معقود اللوا والتاج
ملك يطاع محبة ومهابة فتجيء في زمر وفي أفواج
في كل صالحة آثار تو فيق تنادي باسمه وتناجي
فانظر وقس ما غاب عنك بما ترى هذا قياس صادق الإنتاج
هل ورخت مثلي (دمشـ ١١٤٤ ـق) أو وشت صنعى يد صنعاء في ديباجي
أم خصت الإسكندرية بالذي يصفون من عمد ومن أزاج
أم في الملوك نظير مولانا الذي هو للعباد كفاية الأماج
فالله يبقيه لرحمة خلقه ولغيثها بالصيب الثجاج
والله يبقى دينه بوجوده بادي المعالم واضح المنهاج
ونوافل الخيرات تجبى نحوه من مغنم وهدية وخراج
وتحية المولى السلام تحفه مسكية النفحات والآراج
أشار بحروف لفظة دمشق للتاريخ المشار له. والآماج -بالفتح- جمع أمج بالفتح أيضا وهو الحر والعطش كما في القاموس (١).
_________________
(١) انظر القاموس (أم ج).
[ ١ / ٢٣١ ]
ومن تأسيسات السلطان الأعظم، والملاذ الأفخم، سيدي محمد بن عبد الله بقلعة مِكناسَة عاصمة ملك جده المولى إسماعيل المسجد الأزهر، الرافل في حلل الأبهة والفخار، ذلك المسجد الحافل الفاخر المعروف اليوم باسم جامع الأروى، وكان تأسيسه له عام تسعة وثمانين ومائة وألف، وشاهد ذلك ما هو منقوش في الجبص على يمين المحراب وشماله ودونك لفظه:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا محراب مبارك سعيد قد بناه بمسجدنا سيدنا ومولانا المنصور بالله المحروس بعين رعاية الله المجاهد في سبيل رب العالمين، المتوكل على الله القوي المتين، محمد بن عبد الله ابن إسماعيل في عام تسع وثمانين ومائة وألف. اهـ.
ينتظم هذا المسجد من صفوف أربعة ذات أقواس محمولة على أربعة وأربعين سارية مبنية بالجيار واللبن، وصحن فسيح لا يوجد له نظير في القطر المغربي فيما أعلم، طول هذا المسجد ثمان وثمانون مترا ونيف، وعرضه ستون مترا، بوسط صحنه الرحب جابية من أصفى المرمر، وأعلاه من أكبر وأوسع ما أنت راء جوانبها الأربع أعني ما اتصل بها من الصحن مفروشة بزليج الرخام البديع، وباقي الصحن مفروش بالزليج الملون الفاتن الباهي.
ولهذا المسجد ثلاثة أبواب لعموم المصلين أحدها في الجهة الغربية، وثانيها في الجانب الشمالي، وثالثها في الجانب الجنوبي وبويب صغير بالجانب الشمالي من الصفِ الأول يختص السلطان بالدخول منه لكيلا يقع في ورطة تخطي رقاب المصلين، ومع الأسف فقد أهمل هذا المسجد إهمالا ليس عليه من مزيد حتى عشش فيه عرمرم الخراب والتلاشي والدمار وباض وفرخ، رغما عن كونه تقام فيه الجمعة والجماعة، وكونه من المعاهد الإسلامية السامية ذات البال، اندثر زليج أرضه ونبت الكلأ في صحنه، وتكاثف، ونبت الكرم في خشب سقفه الذي كان على جانب من الزينة والزخرفة عظيم، هذا فيما بطن منه، فما ظنك بما ظهر من سطحه إلى غير هذا مما لا أذكره.
[ ١ / ٢٣٢ ]
وبخارج الباب الشمالي من هذا المسجد توجد مدرسة تحتوي على بيوت ستة وثلاثين عن اليمين والشمال بوسطها خصة لطيفة وبئر، وبآخرها قبة بديعة الشكل كانت على جانب من الزخرفة والنقش عظيم، وبهذه المدرسة منار المسجد المحدث عنه، كما يوجد خارج الباب الجنوبي مرحاض حافل محتو على خمس وعشرين مِيضَأَة، بوسط صحنه صهريج للماء مستطيل كان في غاية اللطف، وخارج هذا المرحاض في جداره الشرقي صهريج مستطيل طوله نحو المترين منحوت في حجرة واحدة، ومع الأسف فقد أصبحت بهجة ذلك كله في خبر كان، ومدت الأيدي العادية لاختلاس مَائِهِ.
وقد كان السلطان المولى الحسن في عزمه إحياء هذا المعهد الإسلامي الذي هو من آثار أسلافه الكرام وأياديهم البيضاء ورده إلى شبابه وشرع في ذلك بالفعل ولكلن حالت المنية بينه وبين بلوغ مراده، ولولا تلافيه بجبر بعض ذلك الصدع لخرت سقوفه ولأصبح أحدوثة في خبر كان.
ومن تأسيسات الأمير سيدي محمد هذا قصره البهيج الموسوم باسم الدار البيضاء محل المدرسة الحربية الآن المعدة لتعليم ضباط المغاربة، أسس بهذا القصر الشامخ مسجدا منتظما من صفوف أربعة وصحن، وجعل له منارًا ومستودعا لوضع آلات التوقيت، وأسس بجانبه الشرقي مدرسة لطيفة وأحاط السور بالفسيح الطويل العريض المعروف باسم أجدال، وأسس بصدر هذا الفسيح قبة مرونقة بديعة على جانب من الإتقان والتزويق مكين، وجعل بإزائها حماما له باب ينفذ إليها وكنيفا، وكل ما يحتاج إليه من منافع ومرافق بحيث لا يحتاج القاطن فيها إلى الخروج منها لما تدعو إليه الحاجة اللازمة للإنسان أعد هذه القبة لفسحته، والجلوس لسماع مظالم رعيته، وأعد البسيط المذكور أمامها لرعي إناث الخيل العتاق أطلقها تغدو في مروجه وتروح إذ كان له ولوع تام بانتقاء الصافنات الجياد، وجلبها من كل صوب، وتربيتها والإنتاج منها.
[ ١ / ٢٣٣ ]
وأسس بجوار هذا القصر جناني أسوفيط الكبير والصغير، وجنان باب القزدير، وجنان ابن حليمة وعرصة السنطرجية، والعرصة الجديدة حذوها المعروفة بالبحراوية وحبس جنان ابن حليمة المذكور مع العرصتين المشار لهما على المسجد الأعظم، ودونك نص عقد التحبيس:
الحمد لله حبس مولانا الإمام، السلطان المؤيد الهمام، ناصر الدين، المجاهد في سبيل رب العالمين، صدر الأفاضل المقدام، علم الأعلام، وابن سيد الأنام، العلامة الشهير، الداركة النحرير، صاحب الفتوحات الإلهية، والمواهب الربانية، الذي أشرق الوجود بكريم محياه، أمير المؤمنين سيدي محمد ابن أمير المؤمنين مولانا عبد الله ابن السلطان الجليل، الماجد الأثيل، مولانا إسماعيل، أدام الله عزه ونصره، وخلد في الصالحات ذكره، جميع جنان ابن حليمة وجميع عرصة السنطرجية وجميع العرصة الجديدة المجاورة لها والجميع داخل القصبة السعيدة على المسجد الأعظم من مكناسة تحبيسا مؤبدا، ووفقا مخلدا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين، ومن بدل أو غير فالله حسيبه وولي الانتقام منه، تقبل الله من مولانا عمله، وبلغه سؤله وأمله، وبسط للناظر الأحظى السيد الحاج الطيب ابن السيد أبي القاسم المسطاسي يد الحوز على ذلك يتصرف فيه للحبس المذكور من بيع غلته وعلاجه مهل رمضان عام اثنين ومائتين وألف.
وقد أفردت الكلام على ماضي هذا القصر الملوكي وحاضره وعلى الأجنة المحتفة به بما يهم القارئ في رسالة مستقلة.
وأسس مسجد قصبة هدراش السالفة الذكر، ويعرف هذا المسجد اليوم بجامع لال خضرا، وقد تقدم لنا أنه من المساجد التي تقام بها الجمعة، وينتظم هذا المسجد من بلاطين وجناحين وأسس به كنفا وحماما بمقربة منه.
قلت: هكذا ذكر تأسيسه لهذا المسجد الزياني ومن تابعه، وانظره مع ما
[ ١ / ٢٣٤ ]
قدمناه عن ذلك العقد القديم الموثوق به، من أن أرض بريمة كانت من أوقاف جامع الخضرا، ثم انتقلت للمولى إسماعيل إلخ، وليس يعرف بمكناس جامع الخضرا غير هذا، فالظاهر أن سيدى محمد بن عبد الله جدد بناءه لا أنه أنشأ تأسيسه والله أعلم.
وأسس ضريح الشيخ محمد بن عيسى الشهير بالشيخ الكامل المتبرك به حيا وميتا، دفين خارج الباب المعروف باسم باب السيبة، أحد أبواب العاصمة المكناسية يقال إنه بناه من أنقاض ما هده من الدار الكبرى دار الخلافة الإسماعيلية المارة الذكر، وكان تأسيسه له عام ألف ومائة وتسعين، يدل لذلك ما هو منقوش داخل مزارة الضريح المذكور ولفظه:
أشاد أمير المؤمنين محمد علاه فلا زال العلي يؤيده
وجاء على أيدي ابن وعزيز طالعا يؤيده (نصر وفتح واسعده)
أشار للتاريخ المشار بحروف نصر وفتح واسعده، وما يوجد أيضا في نقش الجبص فوق المنطقة الزليجية المحيطة بجدار قبة الضريح ولفظه:
نزه جفونك في المشيد العالي لترى بدائع نشأي وكمالي
ما زهر أيام الربيع ووشي صنـ ـعاء يشابه حسن جيدي الحالي
حزت البهاء بجمع كل محاسن من ذا يزاحم رفعتي وجمالي
أو ما ابن عيسى القطب هذا من له سر شهير فاق كل جلال
بحر تلاطم موجه بعناية ومهابة وسعادة ونوال
قصاده خصوا بنيل مرامهم في عاجل أوْ آجل ومآل
لا يعرفن الضيم عبد يحتمي في حادث الدنيا له بظلال
[ ١ / ٢٣٥ ]
قد سالمت كل السموم جميع من يعزى له في سهلها وجبال
غياث من في الأرض يهتف باسمه ومفرج الأزمات والأوحال
أنزل به كل المنى تجد الذي أملت من وجود ومن إفضال
من يستقم لا ينكرن ما قد يرى فحذار كل تعرض وجدال
أمؤمل المعروف هذا منهل من جاءه يسقي بعذب زلال
لكن كأس شرابه التسليم والـ ـظن الجميل وصادق الإقبال
كم كربة ومضايق قد فرجت بركاته بتضرع وسؤال
وغريب أوطان توطأ حبه فاقتاد ما يبغيه من آمال
ووضيع قدر قد رفعت حضيضه فوق النجوم فنال حسن منال
وبذا الإمام فزر تراه تبركا مولاي عبد المالك المفضال
إن الإمام محمد بن محمد الـ ـهادى الرسول به استقامة حالي
كم من مزايا نالها ظهرت كما أمن الورى بجلال ذي الإجلال
من ذاك أن أمر الخديم محمدا ولد العزيز بمبرر الأشكال
واشتد في أمر الأمير محمد ببنا ضريح مكثر الأفعال
قد حاز من حسن القوام لطافة أقسم بأنه فاقد الأمثال
واستنجز الأنصاف من كل غاية إن الصواب موضح الأقوال
وقل لمن رام ارتقاء كماله قصر فلا تدن بغير وصال
ولقد أتيت بما بدا أعلا الرضا فلعله من صالح الأعمال
ثم الصلاة على الشفيع محمد عين الوجود نهاية الإكمال
[ ١ / ٢٣٦ ]
ولا يخفى ما في هذه القصيدة من التغالي الذي لا يكاد يخلو منه مديح في الغالب.
وبني قبة ضريح سيدي سعيد أبي عثمان.
وأسس مدرسة الشاوية وهي الواقعة أمام الداخل من المدينة لباب منصور العلج شرقا أحد أبواب القصبة الشهير، وهي المجاورة للباب المحدث لقصر الستينية المار الوصف، وبهذه المدرسة قرأت القرآن العظيم، وبها قرأه آباؤنا وأسلافنا الكرام برد الله ثراهم، ولقد تخرج بها من حملته منهم ما يناهز الألف، ومنا منهم إلا من له الخط الرائق الفائق، ولا زالت هذه المدرسة إلى حد الآن مكتبا لتعليم الصبيان ومسجدا لعبادة الرحمن، وقد كان الدهر أخنى عليها وبقيت في زوايا الإهمال دهرا طويلا إلى أن خرت سقوف صفوفها، واغتصب محرابها، ولعبت بجدراتها أيدي البلى، ونبتت بأرضها الكروم، وعششت بها البوم، وتكاثرت أنواع الطيور، وأخيرم صارت مقبرة معدة للدفن، وفي هذه الأزمنة الحاضرة أصلح ما يواجه الداخل منها.
وقد كان أول من انتدب لإصلاحه والدي قدس الله ثراه، فابتدأ مباشرة ذلك من ماله الخالص له ثم بعده أتم جانب الحبس ما كان ابتدأه من الإصلاح وبقي ما وراء ذلك وهو معظم المدرسة على ما وصفناه من الخراب والإهمال، مع توفر مادة الأحباس، إذ للمسجد الأعظم وما أضيف إليه من المساجد التي من جملتها المدرسة التي كلامنا فيها بالعاصمة المكناسية من الرباع ما بين دور ودكاكين وإصطبلات ومعاصر وديار الصابون وطرازات وحمامات ما قوم ثمن رقبته في أوائل رجب الفرد الحرام عام ألف وثلاثمائة وواحد وثلاثين بمائة ألف ريال وتسعة وأربعين ألف ريال ومائتى ريال وأربعين ريالا ونصف ريال.
وفي منفعته ثلاثة عشر ألف بليون ومائة وثمانية وخمسون بليونا، وفي مدخوله الشهري ثلاث وثلاثون مائة مثقال وستون مثقالا، وثلاث أواق ونصف
[ ١ / ٢٣٧ ]
الأوقية حسبما وقفت عليه في صك الإشهاد بذلك بتاريخ أوائل رجب عام ألف وثلاثمائة وواحد وثلاثين.
وله من الأوقاف خارج المدينة بين بلادات وزيتون وجنات ما قومت رقبته بخمسائة ألف ريال وخمسة وثمانين ألف ريال وسبعمائة ريال واثنين وسبعين ريالا حسبما وقفت على ذلك أيضا في صك تقويم العراف المرجوع إليهم في ذلك بالتاريخ المتقدم.
ولمساجد السور من الأوقاف بداخل المدينة من حواديت وديار وفنادق ومعاصر وغير ذلك ما قومت رقبته بثمانية وتسعين ألف ريال ٩ مائة ريال بالإفراد وتسعة وخمسين ريالا، وفي المنفعة عشرة آلاف بليون وخمسائة بليون وسبعة وخمسين ريالا، وفي المنفعة عشرة آلاف بليون وخمسمائة بليون وسبعة وستون بليونا وفي المدخول خمس وثلاثون مائة مثقال وأربعة وثلاثين مثقالا وثمن المثقال حسبما وقفت عليه في عقد الإشهاد بذلك بالتاريخ المتقدم، وهذا خارج عن الأحباس الصغرى وما انضم إليها وعن أحباس مولاى عبد الله بن حمد، بل وعن المعاوضات التي وقعت في أرض حمرية ومدخولاتها.
وكذلك أسس السلطان سيدى محمد بن عبد الله أيضا بالقصبة مسجد باب مراح ومناره، وباب مراح هذا هو المعد إلى اليوم لسكنى مماليك الجناب السلطانى، وموقعه ما بين قصر المحنشة السعيدة وصهريج السواني المحدث عنه سابقا، وجوار جنان ابن حليمة الشهير، وجدد ما افتقر للتجديد من المسجد الأعظم، وجدد بناء مناره وذلك عام سبعين ومائة وألف، ويدل له ما هو مكتوب في نقش زليج بجدار المنار المذكور في الجهة الموالية للصحن ودونك لفظه: الحمد لله وحده، وصلى الله على من لا نبي بعده.
[ ١ / ٢٣٨ ]
بنى هذا المنار أمير صدق محمد الرضا في عام (عشق)
وجدد فيه مسجده فحازت به مكناسة قصبات سبق
أشار للتاريخ المذكور بحروف لفظة عشق، وجدد مسجد باب البراذعيين المذكور فيما مر كما جدد ضريح الولي الشهير سيدى سعيد المَشَنْزَائى ومسجده:
تنبيه: عدّ أبو القاسم الزياني من جملة ما شيده السلطان سيدي محمد بن عبد الله من المعاهد الدينية مسجد سيدي سعيد المذكور، ومسجد بريمة، ومدرسته، ومدرسة الصهريج، وقد تبعه على ذلك صاحبا "الجيش" و"الاستقصاء".
قلت: ويتعين حمل كلامهم في ذلك على تشييد الإصلاح والترميم، وإلا فقد قدمنا أن مؤسس تلك المعاهد الثلاثة الأولى ومشيد بناءاتها هو جده مولانا إسماعيل، وقد ألممنا بشواهد ذلك في تأسيسات المباني الإسماعيلية، كما أن الزياني وتابعيه قد أغفلوا من مباني سيدي محمد بن عبد الله بعاصمة جده مكناسة ما نبهناك عليه هنا فلتكن من ذلك على ذكر.
وأما مدرسة الصهريج فلا يعرف لها اليوم أثر ولا موقع، بعد أن كانت هي وغيرها من مدارس الدولة العلوية المتقدمة الذكر آهلة بما بنيت له، معتني بسكانها بمحافظة سلاطيننا على تفقد رواتبهم، ومن ذلك ما أصدره الإمام الذي افتخرت به الأواخر على الأوائل والمغارب على المشارق السلطان العادل سيدي محمد بن عبد الله لناظر الأحباس بهذه العاصمة ونصه:
نأمر أحباس مكناسة الحاج الطيب المسطاسي أن يجعل طلبة باب مراح في المرتب مثل المدارس الست، وهي: مدرسة الدار البيضاء، ومدرسة باب مراح ومدرسة قصبة هدراش، ومدرسة الصهريج، ومدرسة جامع الشاوية، ومدرسة
[ ١ / ٢٣٩ ]
سيدنا ومولانا إسماعيل ﵀ بحسب سبع أواقي لكل واحد من الطلبة المذكورين في الشهر، ومثقال للمؤذن، وخمس عشرة أوقية للإمام، وخبزة لكل واحد في اليوم من عند الزياتينية كما تقدم لك أمرنا بذلك وراتبهم من الأحباس، كما هو مرسوم عندك ولا فرق بين الطلبة المذكورين فكلهم في ذلك سواء.
وأما طلبة مدرسة الأوداية فلا يقبضون إلا الراتب فقط، كما أمرناك قبل، وأما الخبز فلا تعطهم شيئا لأنهم في ديارهم ومع أهليهم هنالك، والسلام في ثاني عشر شوال من سنة ثلاث وتسعين ومائة وألف.
ومن تمامه أن الخبز المذكور يكون من أربعة في الرطل، وكل ما يدفع الرياتينية من الخبز، فأعطهم خط يدك والسلام. اهـ.
فبمثل هذا الاعتناء من أمراء الملة كانت معالم الدين قائمة، وبه دامت المحافظة عليها حسا ومعنى ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ومن تأسيسات سيدي محمد بن عبد الله أيضا ما جدده بالضريح الإدريسي الأكبر المقدس، قال شيخنا الشريف البركة العلامة الأقعد سيدي محمد بن جعفر الكتاني في كتابه "الأزهار العاطرة الأنفاس" ما لفظه ثم لما ولى السلطان الأسعد، الهمام الأصعد، الأنوه الأرشد، مولانا محمد بن عبد الله بن مولانا إسماعيل المذكور، جدد بناء هذه القبة وما هو متصل بها مرة أخرى، وجلب لها المرمر الحسن مما كان بدار جده بمكناسة الزيتون، وبالغ في إتقان ذلك وإحكام عمله، وكان بناؤه له على ما هو مرقوم إلى الآن بالقلم الغباري برتاح دفة باب القبة المذكور سنة ثمانية وثمانين ومائة وألف. اهـ.
قلت: رتاج الدفة الذي به التاريخ المشار له هو الأسفل عن يمين الداخل للقبة، ولا زال ذلك التاريخ إلى الآن مفروشا فوقه الحصير لا تمكن رؤيته إلا برفع
[ ١ / ٢٤٠ ]
الحصير عنه، ولعل من آثار هذا التجديد اللوحتين القائمتين في خدي باب القبة المصنوعين من المرمر الرفيع المنقوش في يمناها ما صورته:
يا ناظرا بهجتي الله يرعاكا
أمر بعمله مولانا إسماعيل بن مولانا الشريف عام ألف وسبع وثمانين. اهـ.
وفي يسراهما ما صورته:
أبشر بما ترتجي من خير مولاكا
فرغ من عمل هذا سنة سبع وثمانين وألف لمولانا إسماعيل أيده الله بعزيز نصره. اهـ.
فإن هذا التاريخ متقدم على تاريخ بناء المولى إسماعيل للقبة الإدريسية بنحو ثلاث وعشرين سنة كما قدم علم مما قدمناه، مع كون تاريخ اللوحين لا مزيد فيه على أنهما معمولان للمولى إسماعيل، وذلك يؤذن بأنه كان عملهما لقصور نفسه فنقلها حفيده مولانا محمد بن عبد الله لخدي القبه الإدريسية لما جدد ما احتاج للتجديد منها، وليسا هما بأصلين فيها ولا مصنوعين لأجلها، وإلا لكان تاريخهما موافقا لتاريخ البناء الإسماعيلي المتقدم للقبة، ولكان فيه أيضا ما يؤذن بأن إنشاءهما للضريح الإدريسي، على أن تجديد مولانا محمد بن عبد الله لنفس قبة الضريح هو عندنا الآن مجمل، لأنه لا دليل عندنا على أنه جددها بعد أن نقضها من أصلها، فتكون الرخامة التي في مواجهة الداخل المكتوب فيها ذلك القصيد المختوم ببيان تاريخ المولى إسماعيل لبناء القبة، إنما أعيد إلى محله بعد التجديد، أو إنما كان التجديد في بعضهما، فيكون رخام ذلك القصيد لم ينزل عن محله منذ وضعه البناء الإسماعيلي بذلك المحل، والعادة قاضية بهذا، فإنه يبعد كل البعد أن يحتاج الضريح كله إلى التجديد في المدة التي بين السلطانين مولانا إسماعيل
[ ١ / ٢٤١ ]
وسيدي محمد، مع متانة الأبنية الإسماعيلية ومزيد اعتنائه بإتقان الأضرحة، ومع هذا فعلم الحقيقة عند الله تعالى.
ومن المتصل بالقبة الساحة أمامها المحيطة من جهاتها الأربع بالمباحات الأنيقة المحمولة على اثني عشر عمودا من الأعمدة الرخامية البديعة، وبوسط الصحن المحيط بتلك المباحات خصة تقذف من جوفها المعين الفرات المزدري باللجين صفاء، ويوجد بجدار الجهة الشرقية بهذا البراح محراب للصلاة يقابله بالجهة الغربية باب بيت القناديل، وبالجهة الشمالية باب لدار الزاوية بهيج أنيق، يقابل باب قبة الضريح الأقدس.
ودار الزاوية هذه أسست وأعدت لسكنى المنقطعات من الشريفات وجراية النفقة عليهم، وعلى طلبة المدرسة هنالك، والملازمين لدار الأضياف المعدة لسكنى المنقطعين والغرباء والفقراء من الرجال، وكانت دار الزاوية المذكورة يؤكل فها كل يوم بضميمة ما يضاف إليها نحو خمسة أمداد من القمح وما يلزم ذلك من إدام (١) وحطب وتوابل، وكان معظم ما يقام به ذلك أعشار سكان الزاوية الإدريسية، وبعض المداشر التابعة لها حبا وزيتونا، وبسبب ذلك كانت تعظم ثروتها في بعض السنين حتى يكون لها المطامير العديدة موفورة حبا، والخزائن مملوءة زيتا.
وكانت الملوك تنفذ من مدخولات دار الزاوية هذه إعاناتى، قمحية وزيتية شهرية لبعض ذوى الحاجات وبالأخص الأشراف، كما كانت نفرق الخبز المستعمل هناك، وكذلك الكسكوسون على ديار المضطرين من آل البيت بالزاوية، وبسبب ذلك وجدت الأيدي العادية سببا إلى الاستيلاء منها على ما لا تستحقه، حتى أفضى ذلك إلى إغلاق باب دار الزاوية بعض السنين في وجوه المستحقين، وبقي من كان تجري عليه النفقة منها يتكفف الناس للإجحاف كثرة الخارج في غير
_________________
(١) الإدام: ما يُستمرَأ به الخبز.
[ ١ / ٢٤٢ ]
وجوهه من مدخولها حتى استسلف لها بأمر المخزن، ولم يوجد ما يرد منه السلف لكون الأعشار التي كانت منفذة لها إنما هى أعشار بعض العامة، وهم المقيمون بالزاوية والمجاورون لها وبقية الزراهنة كانت تدفع أعشارها بمكناس، وأما الشرفاء فقد كانت الملوك تسوغ لهم دفع أعشارهم لضعفائهم وتكل ذلك لأمانتهم، فلما رأى ذلك كثير من العامة تسارعوا لادعاء النسب النبوي الطاهر وفتحوا الطريق لتمشية ذلك وقبوله منهم وتأييد دعاويهم الباطلة ببذل المال لأولي الأمر، فآل ذلك إلى الإجحاف بدار الزاوية وإلى غلقها بالكلية كما تقدم، وهكذا عاقبة كل أمر أسند إلى غير أهله.
ثم لما رأى ذلك متأخرو الولاة والنظار اختصروا خارجها حتى ردوه لنحو خمس الخارج قبل، وصار لا يعطى منه إلا للمقيمات بدار الزاوية المذكورة مع طلبة المدرسة والقليل من المساكين المقيمين بدار الأضياف، ويدفع قليل منه لبعض محتاجي الشرفاء الساكنين بالزاوية، ثم لما أحدث الترتيب وقطع المخزن النظر عن التداخل في الزكاة لم يبق لدار الزاوية داخل إلا من بعض الأصول المحبسة عليها وخراجها يضعف عن القيام بخارجها، فكان المخزن بعد اختياره لذلك صار يؤدي لها مما يجيبه من الضرائب كل سنة خمسة عشر ألف بسيطة لتتميم الخارج اللازم لها، وكانت صورة الطعام المستعمل فيها في سائر الظروف المتقدمة أن القمح يطحن ثم تزال نخالته القوية بالغربال، وما عدا ذلك يستعمل منه الخبز والكسكوسون من غير تصفية، بل الغالب أن لبابه يستولي عليه نصف الخبزة السوقية وهو الذي يفرق على من عدا طلبة المدرسة ونوع فوقه، وهو الذي يدفع للطلبة.
ثم لما حسنت حالة الأحباس وتوفرت مادة ماليتها في الأقطار المغربية على يد المخزن حيث جعل لها وزارة خاصة تحت نظرها نظار ومراقبون، وعظم وفر
[ ١ / ٢٤٣ ]
الأحباس بكل بلد، جاء وزير الأحباس المشار له لاختبار الأحوال بالزاوية وتعاهد الشئون، وذلك يوم الخميس فاتح صفر عام أربعة وثلاثين وثلاثمائة وألف، وحين شاهد حالة الخبز والكسكوسون الموصوفة أنكر ذلك وأباه، وأمر في الحين بأن يكون يشترى ذلك صافيا من السوق وتكون الخبزة لا تنقص عن السوقية، كما أمر باشتراء قدر معين لها من اللحم وتوابعه كل يوم ليطبخ مع الكسكوسون، وقد كان اللحم قبل ذلك لا يشترى لها إلا يوم السبت الذي يعمر فيه السوق هنالك، فكان ذلك من أعظم حسناته، وإنما فسد ما فسد بإهمال الولاة، وتقاعسهم عن القيام بمثل هذه النهضات، ألهمنا الله وإياهم الرشد في الحال والآت.
ودار الأضياف المشار لها هي الواقعة في أسراك وهي الأولى عن يسار الداخل للحرم الإدريسي من باب المعراض الشهير، وتلك الدار عبارة عن مربع محيط بمباحات أربع محتو على عدة بيوت وكنيف حافل.
ومن تأسيسات الأمير الفخيم الليث الهصور مولانا اليزيد بن محمد بن عبد الله بن إسماعيل الزيادة الواقعة في الجهة الغربية من المسجد الإدريسي، يفصل بينها وبين المسجد القديم الصحن، وذلك عام أربعة ومائتين وألف، ويدل له ما هو منقوش في خشب بباب المسجد المذكور ودونك لفظه:
يا سائلا عمن بنى طلعتي ومن لدين الله شكلي يشيد
أنشأني المولى الملك الرضى محمد المهدي الإمام اليزيد
أعطاه مولانا جميع المنى وزاده نصرا وفتحا يزيد
ونشأتي من رام تاريخها فإنني (رشد) أراه يزيد
أشار بلفظ رشد للتاريخ المذكور، ويدل له أيضا اختلاف البناء القديم مع الزيادة في الشكل.
[ ١ / ٢٤٤ ]
ومنها أيضا المسجد الشهير بجامع مولاي اليزيد إلى الآن بالزاوية المذكورة موقع هذا المسجد بالحومة المعروفة بتازجا من الزاوية المشار لها، تقام بهذا المسجد الجماعة والجمعة.
ومنها الدار الجديدة وهي قصبة سكني الأشراف العلميين الآن بزاوية زرهون كان أنشأها لسكناه ولكنها لم تكمل في حياته.
ومن آثار السلطان العالم العامل الخاشع مولانا سليمان بن محمد بن عبد الله بن إسماعيل الدار المعروفة اليوم بالدار الجديدة مع روضها، جوار جعده المولى إسماعيل، وتلك الدار وروضها بها الآن إدارة شئون حاكم الأحواز المكناسية وما يضاف إليها.
ومنها تلافيه بالتجديد والترميم والإصلاح ما افتقر لذلك من القصور السلطانية المحنشة، والمدرسة وما انضم إليهما، قال أبو القاسم الزياني عاطفا على ما أسسه وشيده المولى سليمان بالأقطار المغربية كما ستقف عليه مفصلا في ترجمته بحول الله ما لفظه: ثم جدد قصور الملك لمكناسة بعد تلاشيها. اهـ.
قلت: مراده بالقصور قصر المحنشة، والمدرسة وما أضيف إليهما، أما قصور الدار الكبرى دار خلافة جده الأعلى فإنها إذ ذاك كانت خربة بيد بعض أفراد العائلة الملوكية الإسماعيلية، خربها والده سيدي محمد بن عبد الله وسلمها لمن استحقها من العائلة المذكورة حيث قاموا بطلب حقوقهم وراموا السكنى بدار والدهم، ولم يجد السلطان سيدي محمد بن عبد الله مناصا من ذلك لما لهم من الحق في بيت مال المسلمين، ورأى أن تسليمها لهم على بهجتها وضخامتها الملوكية التي مر بك بعض وصفها ليس من العدل والإنصاف في شيء لتعلق حقوق غيرهم من الخاصة والعامة ببيت المال.
[ ١ / ٢٤٥ ]
ولذلك مَدَّ يَدَ الهدم والتخريب فيها لإزالة كل ما له قيمة، ولما صيرها بلاقع ولم يبق بها غير شاهق الجدرات المنسلخة عن كل زينة وما لا قيمة له توجب الالتفات نحوها، فعند ذلك سلمها لهم فتملكوها وبنوا فيها دورهم وأنشأوا بها غراسات متعددة واستقروا بها، ولا زال بها عقبهم إلى الحين الحالي يتصرفون فيها بالبيع والابتياع وسائر أنواع التصرفات.
ومن تأسيسات هذا السلطان الجليل المقدار مولانا سليمان السقايات التي على يمين ويسار الداخل من الباب المقابل لباب المعراض الشهير بالحرم الإدريسي بالزاوية، وكان تأسيسه لها عام ثمانية وعشرين ومائتين وألف، ويدل لذلك ما هو منقوش في زليج مثبت بالجدار الذي به السقايتان اللتان عن يمين الداخل ودونك لفظه:
تأمل بهجتي وبديع حسني وما ألبست من حلل البهاء
تجد عزي ومجدي وارتفاعي يفوق البدر في أفق السماء
جمعت من المحاسن كل فرد وأعظمها جوار أبي العلاء
إمام الغرب إدريس ذي المعالي سليل الأكرمين ذوي الوفاء
وقمت بباب روضته بجد أطهر زائريه بطيب ماء
بإذن إمامنا الأسمى بنوني وتاريخي (تجليت بالسناء)
أشار للتاريخ المذكور بحروف تجليت بالسناء.
ومن تأسيسات الأمير الأورع السلطان مولانا عبد الرحمن بن هشام بن محمد بن عبد الله بن إسماعيل بالعاصمة الإسماعيلية قبب الخشب البديعة الشكل العجيبة المثال المعروفة باسم الخيمة، وهي الواقعة بجنان ابن حليمة في الجهة الشرقية منه المحمولة على ساقية وادي بوفكران التي يجري فيها ماؤه الداخل
[ ١ / ٢٤٦ ]
للمدينة، وهذه القبة تحتوى على مباحات ثلاث محمولة على الأعمدة الخشبية، وثلاثة بيوت وبهو بوسطها إلى ما يتبع ذلك من منافع ومرافق، وجعل في الساقية المذكورة أمام المباح الجنوبي دولبا يحمل الماء من الساقية ويصبه في القنوات الموصلة له للخصة الواقعة أمام المباح المذكور وإلى غيرها من الفروع التي يجري فيها الماء، ثم مع السقاية التي بأسفل القبة المذكورة ويصعد لهذه القبة بدرج، وتحيط بجوانبها الثلاثة أبواب الزجاج الملون تركب هذه الأبواب هناك وقت حلول السلطان بالعاصمة المكناسية، وعند سفره تزال وتصان بالخزائن السلطانية إلى أن يعود من سفره فترجع لمحلها، وعلى هذا استمرار العمل إلى أواخز الدولة العزيزية.
ومنها إنشاء الباب الثاني لجامع القصبة المار الذكر والمباح داخله المشار له آنفا.
ومنها المباح الواقع على يسار الخارج من باب منصور العلج لبطحاء الهديم المحمول هو أي المباح على أساطين ستة حجرية، وكان إنشاؤه إياه على يد عاصمة سلفه المكناسية الباشا الأنصح القائد الجيلاني بن العواد الشهير، وكان ذلك المباح مُعَدًّا لجلوس أعيان الجيوش المظفرة وذوي الحيثيات منها في أوقات الأحكام المخزنية، حيث إن باب منصور العلج المذكور كان هو المحكمة الرسمية لباشا مكناس، يجلس به لفصل الخصوم وسماع المظالم كل يوم صباحا ومساء، وبهذه المحكمة الواقعة بباب قصبة الدار العالية بالله كانت العادة جارية في كل يوم جمعة يتناول الباشا وقواد اراحي الجيش الغداء أثر الفراغ من أداء فريضة الجمعة بجامع القصبة المار الذكر، وصائر ذلك من بيت المال ولم يزل العمل مستمرا على ذلك إلى انصرام دولة السلطان مولاي عبد العزيز، كما كانت العادة جارية بأن سائر الاحتفالات والأفراح المخزنية الرسمية التي تقام تحت رياسة الباشا إنما تكون بالباب المذكور، واستقر على ذلك الحال إلى أواخر الدولة الحفيظية.
ومن تأسيساته المباحان خارج باب قصر المحنشة السعيدة المحمولان على
[ ١ / ٢٤٧ ]
اثنين وثلاثين عموم من الأعمدة الحجرية، وأعدهما لجلوس الموظفين ورؤساء رجال البساط الملوكى وذوي الحيثيات وقت جلوس السلطان للنظر في أمور الرعية كل غدو ورواح عندما يكون جنابه بالقصر المذكور، وعند جلوسه في غيره من القصور السلطانية، أو نهوض ركابه الشريف من العاصمة يعمر الحرس المباحين المذكورين ليلا ونهارا ظعن السلطان أو أقام، ومع الأسف فقد استولى الخراب على تلك المباحات وعما قريب يستأصل شأفتها إن لم تتداركها يد الإصلاح.
ومن آثاره إتمامه لمسجد ومنار ضريح الولي الشهير مولانا عبد القادر بن محمد بن بلقاسم العلمي، ونقل الخطبة من مسجذ سيدي أحمد بن خضراء إلى مسجده وذلك بعد وفاة صاحب الضريح، ووفاته كانت يوم الاثنين وقيل الجمعة سادس عشري رمضان المعظم سنة ست وستين ومائتين وألف.
كما أن السلطان مولانا عبد الرحمن المذكور هو الأمر والمنشئ لأحباس المسجد المذكور، وذلك من متخلف الولى سيدي عبد القادر المذكور حسبما تضمن ذلك ظهير له شريف هذه صورته:
خديمنا الأرضي الناظر الطاهر بن عثمان وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته، وبعد: فقد بلغنا كتابك أن الولى الصالح سيدى عبد القادر العلمي نفع الله ببركاته، خلف من الناض اثني عشر ألف مثقال ومائة مثقال واحدة وواحدا وستين مثقالا وست أواقي وريع الأوقية، وقد كنا مهتمين بأمر مسجد زاويته المباركة الذي ابتدئ بناؤه في حياته من أين يكون الصائر على إكماله، حتى بلغنا تخليفه لهذا القدر المذكور فسري عنا، وعلمنا أن ذلك من بركاته ﵁، فنأمرك أن تقف في حيازة ذلك ووضعه تحت أيدي الأمناء هناك على وجه الحفظ والأمانة، وتشرع في إكمال المسجد المذكور وإتمام تلك الحسنة على حسب ما كان يشير به السيد المذكور في حياته، وجد في ذلك كل
[ ١ / ٢٤٨ ]
الجد ومهما احتجت إلى ما تصيره عليه يدفعه لك الأمناء، فإن عندهم أمرنا بذلك، وكن في خلال ذلك عينا وأذنا على الأصول التي تباع بمكناسة الزيتون وزرهون، فمهما ظهر لك أصل نفاع يشتريه الإنسان لنفسه فاشتره للزاوية المذكورة، ويؤدي الأمناء ثمنه حتى يستوعب بناء المسجد والأصول التي تشترى للزاوية من جميع متخلفه من الناض وغيره، ومهما اشتريت أصلا لذلك فأعلمنا به لنمضي تحبيسه ومتخلفه من الأثاث والبهائم، ثم أجره على ما تقتضيه السنة من البيع ونض الثمن، فإن السيد إنما ترك ذلك في حياته لأسرار لا نعلمها نحن، ولا يليق به بعد مماته إلا البيع، وما يتجمل في ذلك بعد التنضيض، يضاف لما تحت أيدي الأمناء ويسلك به سبيله من الصائر على المسجد وشراء الأصول التي تحبس على الزاوية، والسلام في سابع شوال المبارك عام ستة وستين ومائتيين وألف.
وقد امتثل الناظر المذكور أمره الشريف فاشترى أصولا هي الآن من أحباس ما ذكر بإمضاء الأمير المذكور لتحبيسها، ومن جملتها حظ في رحى وقفت على إمضائه لتحبيسه هذه صورته:
الحمد لله أمضينا بحول وقِوته شراء الحظ في الرحى المذكور أعلاه يليه، وتحبيسه على الزاوية ومسجدها حيث أشير وبسطنا اليد للناظر على التصرف التام فيه وعلى الواقف عليه أن يعلمه ويعمل به، ولا يحيد عن كريم مذهبه، والسلام في ذي الحجة الحرام عام ١٢٦٦.
وأول من خطب بذلك المسجد العلمي الفقيه السيد قاسم بن حلام. كان ﵀ من أهل الدين والورع ومن خاصة أصحاب صاحب الروضة العلمية، ثم بعده خطب سيدي محمد فتحا بوزكري من آل الولي الصالح سيدي أبي زكرياء الصبان أحد صلحاء مكناسة المشهور، ثم خطب بعده أخوه سيدي عبد الحق بوزكري، ثم بعده النقيب المفضال سيدي المختار الإدريسي الشبيهي، ثم بعده نجله
[ ١ / ٢٤٩ ]
النقيب الأجل سيدي مشيش، ثم بعده أخوه سيدي محمد بن المختار المذكور وهو الخطيب الحالي.
أما الزاوية التي بها الضريح العلمي فمؤسسها هو صاحبها سيدي عبد القادر المذكور، كانت داره ورثها من أبيه، وكان يسكن بها مع أخته السيدة خديجة، ولما توفيت دفنها في بيتها الذي كانت تسكن فيه، وهو القبة المدفون معها هو فيها، كما أنه هو الذي شرع في تأسيس المنار واخترمته المنية قبل إتمامه، وكان تأسيسه لهذه الزاوية عام تسعة وخمسين ومائتين وألف، ويدل له ما هوه نقوش في الجبص فوق الشرجب الذي عن يسار الداخل لقبة الضريح ولفظه:
سمت روضة لله فتح بابها وفاض بسر الهاشمي عبابها
فللواردين من هناها ظلالها وللصادرين من جناها رطابها
وللزائرين بالمكارم عمرت على بركات الله جل رحابها
وباليمن والإقبال والسعد خاطبت لقاصدها فوزوا فهذا لبابها
هلموا إلى كهف السعادة والرضى وكيف وللتاجين صح انتسابها
(وبالشكر) للمولى مطالع أفقها مدى الدهر ترجوا أن يدوم احتسابها
فذي روضة ورحمة الله غيثها إلى البعث لا ينفك عنها انصبابها
فطوبى لمن يأوي إليها وينتمي ويلقاه من بشرى الكريم خطابها
أشار للتاريخ المشار بحروف لفظ وبالشكر، وهو مؤسس مسجد ضريحه القديم أيضا، أما الزيادة التي وقعت فيه مع الحالة التي هو عليها الآن فإنما أحدثت - بعد على ما سيمر بك بحول الله قريبا.
ومنها تأسيس ضريح الولي الشهير سيدي عمرو الحصيني عام اثنين وخمسين
[ ١ / ٢٥٠ ]
ومائتين وألف ويدل لذلك ما هو منقوش في الجدار الشمالي من قبة الضريح المذكور المقابل الداخل ولفظه:
متع جفونك في محاسن شاني عاد الشباب فعاد عيشي الثاني
ألبست من حلل الجمال قلادة كسيت بنور بهائها أركاني
فأنا الحصيني الشهير مقامه ما بين قِاص في البلاد وداني
فالله يمنح من يشا بهباته كمليكنا المنصور ذي السلطان
ملك الملوك الصالحين وفخرهم نور الخلافة عابد الرحمن
ابن الهمام هشام نجل محمد من آل أحمد سيد الأكوان
عرفت بصيرته المعارف والهدى فلذاك جاد بجوده فبناني
في عام (بشرى لي) بنيل مسرتي إذ أتى البشير بدولة السلطان
بقيت مآثره الحسان مصانة كبقاء مجده سائر الأزمان
الله يكرمه بكل كريمة وينيل قلبه منتقى الإيمان
بأجل مبعوث وأكرم مرسل وبآله والصحب والتبيان
ثم الصلاة عليهم ما صافحت أيدي النسيم ذوائب الأغصان
أشار للتاريخ المذكور بحروف: "بشرى لي".
ومنها إحداث بَابَىْ السيبة ووجه العروس مع السور الممتد من الأخير إلى باب بريمة على ما سيمر بك لدى الكلام على الأبواب. ومنها مسجد السلامي بحومة الحفرة من الزاوية، وكان صدور إذنه بذلك في حادي عشر صفر عام تسع وثلاثين ومائتين وألف، ومحبس هذا المسجد المذكور وما بني به هو سيدي عبد
[ ١ / ٢٥١ ]
السلام بن على الإدريسي الشبيهي، جَدّ أولا سيدي عبد الله المعروفين بهذا الاسم الإضافي إلى الآن بالزاوية الإدريسية.
ومنها القصبة المعدة الآن لسكنى الشرفاء آل سيدي أبى الغيث بالزاوية المذكورة، قد كان أسسها للشرفاء الأمرانيين أهل يفران، وقفت على بطاقة من عامل الزاوية الإدريسية لخليفته بها إذ ذاك.
لفظها بعد الحمدلة والصلاة: محبنا وخليفتنا القائد قاسم بن علال أعانك الله وأرشدك، وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته عن خير مولانا نصره وأيده، وبعد: فيرد عليك ساداتنا الشرفاء العلاويون أولاد سيدي بلغيث، فاعلم أنه قد أتى أمر مولانا المولوي المطاع وها نص كتابه:
وبعد فإن أربعة وعشرين رحيلا من أبناء عمنا الشرفاء أهل سيدي بلغيث قد أنعمنا عليهم بالمحل الذي كنا أسسنا بناءه للشرفاء أهل يفران بزرهون، فأمر خليفتك أن يمكنهم من النزول به والسكنى فيه والبناء فيه لأنفسهم، فإن هؤلاء الشرفاء أهل سكينة وخير، وفيهم ثلاثة أناس طعنوا في السن، فانظر لهم دورًا بزرهون يسكنون بها والسلام، في ثامن رمضان عام ستة وخمسين ومائتين وألف. وأنت نفذ الأمر المطاع على ما أمر به مولانا المنصور بالله. اهـ.
ومن تأسيسات نجله السلطان الأفخم سيدي محمد القبة الواقعة في الجهة الشمالية من جنان ابن حليمة السالف الذكر، وكان بناء هذه القبة على يد أمينه الصادق الأحزم الطالب بوعزة الفشار البخاري.
ومنها قبة الزجاج الواقعة على الصقالة المشرفة على الغرصة المعروفة بالبحراوية، تلك القبة هي التي بين قصري سكنى الجناب السلطاني من قصور المدرسة المولوية وبين الباب المعروف إلى الآن بباب الشبكة.
[ ١ / ٢٥٢ ]
ومن آثاره زيادته في سمك قبة الضريح الإدريسي الأنوه بزاوية زرهون ورفعها في الهواء زيادة على ما كانت عليه من قبل، وتزيين ذلك بالحزام الأخضر الزليجي الكائن أعالي القبة الآن، وكان انتهاء العمل في تلك الزيادة سنة ثلاث وثمانين ومائتين وألف، والزيادة المذكورة هي من ابتداء حزام الزليج المذكور الذي لا يقل ارتفاعه عن متر، فالحزام داخل في الزيادة، ويوجد تاريخ البناء مرموقا بالقلم الغباري بلون أحمر فوق الحزام المذكور، ومنها في حرم ذلك الضريح أيضا المباح الأول خارج الباب الذي يدخل منه للصحن الذي به السقايات الذي تقدم، أن السلطان المولى سليمان كان أنشأها وكان السلطان سيدي محمد هذا المباح عام تسعة وثمانين ومائتين وألف على يد ناظره على ذلك الحرم الإدريسي الحاج قدور ابن عبد الرحمن بن الحاج محمد السراج دفين أبي العباس السبتي ﵁.
ويدل لذلك ما هو منقوش في زليج أسود بأعلى القوس الوسط من المباح المذكور ودونك محل الشاهد منه:
وانصر إماما عادلا في حكمه أعلى الإله بأمره هذا البنا
ذاك الأمير محمد المنصور نجـ ـل هشام البدري نجل نبينا
ولتذكر السراج ناظر وقفه إذ لم يزل في ذا النظارة محسنا
وقل إن تسل يا صاح عن تاريخه (يا زائرا إدريس سعدك قددنا)
أشار بحروف كلمات الشطر الأخير للتاريخ المومى إليه.
ومنها أيضا المدارج الرخامية المفضية لداخل ذلك الحرم الإدريسي مع تسوية الصحن المفضي لهذه المدارج وتزليجه على ما هو عليه الآن وتبديله الخصة الرخامية أمام قبة الضريح بالخصة العديمة المثال الموجودة هناك الآن.
[ ١ / ٢٥٣ ]
ومن تأسيسات نجله السلطان العظيم الشأن مولانا الحسن بالقصور الملوكية قبة الباهية الواقعة بقصر المدرسة.
وقبة الزجاج المشرفة على غراسات جنان البحراوية.
ومنها الصرح البديع الذي أنشأه وشيده بقصر المحنشة وأحدث له بابا بالنهج المستطيل المعروف بأسراك وذلك عام خمسة وثلاثمائة وألف. وفق ما وقعت الإشارة للتاريخ المذكور بلفظ خذه في نقش زليج بأعلى الباب المذكور وسط أبيات لطيفة دونك لفظها:
تكامل هذا الباب حسنا وبهجة وحاز ضروب الوشي والرقم والحكم
ولم لا ومبناه على العز والتقى كما الحسن المولي به أمر الخدم
فقف وانشق الرحمى يهب نسيمها به فهو باب الله فتح للكرم
بداخله الرضوان والأمن والهنا وروض أريض فيه منزهه الأشم
فمن أمه يظفر بنيل مرامه ويرجع مسرورا ويكفي الذي أهم
أدم ربنا العلياء والملك للذي بناه وحطه في البنين وفي الحرم
وأوله عزا دائما متوافرا ونصرا عميما ثابتا راسخ القدم
وجدد قصر المحنشة وأنشأ به قبة عظيمة وجعل لها بابين بابا للمحنشة وبابا للعرصة المعروفة بعرصة الرخام، إحدى البساتين التي تتخلل تلك القصور السلطانية، وهي التي على يمين الداخل للنهج المستطيل المعروف يبين العراصي من باب المحنشة السعيدة المعد لاستقرار عبيد الدار الخصيان الذين هم عند الملوك بمثابة الحرس الداخلي، وأنشأ بهذا البستان أيضا حماما حافلا وجعل له بابين، بابا لقصر المحنشة المذكور وبابا بالبستان المحدث عنه.
[ ١ / ٢٥٤ ]
ومنها الصقالة الشاهقة العظيمة المتصلة بساباط قصر سكنى جنابه السامي بالمدرسة السعيدة الطالع، وكان قصده من تأسيس هذه الصقالة إنشاء صرح عليها تتراءى منه بواسطة المرآة المكبرة المقربة الديار الفاسية، وشرع في بناء ذلك الصرح بالفعل إلا أنه لم يتم لذلك أمر، وحال حلول المنية دون الوصول إلى الغاية المقصودة، وكان ابتداء تأسيسه له عام ستة وتسعين ومائتين وألف على ما هو منقوش بالغباري في رخامة بخد الباب الذي يصعد منه للصرح المذكور، كما أنه منقوش على الخد الموالي ليمين الصاعد له ما لفظه:
باب السعود ومظهر الإقبال منه الصعود لغاية الآمال
ظهرت نتيجته وصين أساسه فبدا مشيدا في المقام العالي
وعلى الأيسر ما لفظه:
فتنافس الصناع والحكماء في إتقانه بمواهب المتعالي
تاريخ منشئِه علا من مجد ذا الحسن الأمير سلالة الكمال
أما الإشارة للتاريخ الواقعة في البيت الأخير فإنها لم تظهر لي صحتها بعد الإمعان فلتتأمل.
وفي دولة السلطان المولى عبد العزيز أمر بهد ما كان أسس من ذلك الصرح المشار لعيب حدث به، وكان في عزمه اقتفاء أثر والده في تشييد ذلك الصرح إلا أن ذلك لم يكن في الكتاب مسطورًا، ولا زالت تلك الصقالة شاخصة للأبصار تتراءى من مسافة بعيدة.
ومنها تأسيس منار جامع المحنشة، إلا أنه اخترمته المنية دون إتمام عمله وفق ما رام.
[ ١ / ٢٥٥ ]
ومنها القبب الخمس المتصلة بالمنار المذكور من الجهة الجنوبية، كان أعد تلك القبب لجلوس وزرائه وذوي الحيثيات والكبراء والوجهاء من الموظفين في خدمة جنابه الأسمى.
ومنها الصهريج المحدث أمام مسجد المحنشة المذكور المحتوي هو أي الصهريج على الجوابي الرخامية الخمس، في رأس كل ركن من أركانه الأربع واحدة والخامسة بوسطه وهي أكبرها.
ومنها قبتا الزجاج الواقعة إحداهما شمال المسجد المشار والأخرى جنوبه أحدهما لجلوسه على كرسي ملكه للنظر في أمور رعيته وعرض قضاياها عليه.
ومنها التربيعة المعروفة باسم الوسعة الواقعة بين بابي الدار العالية بالله المحنشة الباب الذي به استقرار عبيد الدار المذكورين وباب سي مسعود أضيف هذا الباب لبواب كان به من جملة وصفان الجلالة السلطانية اسمه مسعود كان متفقها، وأنشأ بالساحة المشار لها قبة ذات بال يجلس بها لسماع المظالم وإعطاء الأوامر، وجعل لها مباحا يضارعها في التنميق والزخرفة وجعل أمامها، صهريجا لطيفا بوسطه جابية من الرخام الرائق تتدفق زلالا، وجعل عن يمين هذه القبة قبة دونها في الرونق والأبهة، وعن شمالها كذلك، وأمام هذه القبة على يسار الداخل من باب سي مسعود المتقدم الذكر عدة قبب معدة للشئون المخزنية، ومع الأسف فقد أسرع الخراب لذلك كله لعدم المعاهد والمباشر ومتلافي ما انصدع فخر جل تلك السقف وانقلع الزليج وزالت تلك المحاسن ونبت الكلأ والكروم على عالي تلك الأسطح.
ومنها الدويرية التي بداخل باب سكنى عبيد الدار المتقدمي الذكر الكائنة على يمين داخله، وقد كان أعدها مكتبا لتعليم البنات القرآن العظيم، واستمر العمل على ذلك فيها إلى أن هَرِمت الدولة العزيزية.
[ ١ / ٢٥٦ ]
ومن آثاره تجديد الباب المعروف بباب سي مسعود الذي مرت الإشارة إليه وذلك عام ألف وثلاثمائة، ويدل لذلك ما هو متوج به في نقش زليج ودونك لفظه:
باب السعود وبهجة الأمان هذا وباب الجود والإحسان
رفعت على التقوى معالم عزه محروسة بعناية الرحمن
فانظر محاسن طلعتي شمس الضحى منها استمدت أشرق اللمعان
(أوج شريف) صار تاريخي به يزهو بطلعته على كيوان
أسمي بديع محاسني ومعالمي ملك همام مز بني عدنان
فهو الشريف السيد الحسن الرضا فخر الملوك وكهف كل أمان
ذاك المجدد للشريعة ركنها في غاية الأحكام والإتقان
فالله ينصره ويبقي ملكه متحصنا في عزة المنان
ومنها الأروى السعيد لربط خيله وبغاله بقصر المحنشة الميمون، وقد تهدم السور المحيط بهذا الأروى في هذا الأيام الأخيرة من الجهة الموالية لباب مراح المار الذكر، فسد بابه الاعتيادي الواقع بداخل المحنشة على يسار الداخل من باب هذا القصر الشهير بالباب الفوقانى، وهو الباب المقابل لباب الناعورة السالف الذكر وصار الدخول اليوم لهذا الأروى من الجهة المتهدمة السور بباب مراح المشار له.
ومنها الطريق السرى المعروف بـ (طالع وهابط) الموصل من قصْر المحنشة المنيف لجنان ابن حليمة، بحيث يتيسر خروج الحرم الكبير من القصور السلطانية إلى جنان ابن حليمة الذى سبقت الإشارة إليه من غير أن يمر بالنهج العمومى الذى كان يمنع المارون من سلوكه وقت ما أرادت الجلالة السلطانية إخراج حرمها الطاهر
[ ١ / ٢٥٧ ]
وحاشيتها الكريمة للتفسح في ذلك الجنان، وبسبب ذلك ارتفع عن سكان تلك الناحية ضرر منع المرور من النهج العمومى كل آونة.
ومنها القبب التي بالنهج المستطيل المسمى بأسراك -بالكاف المعقودة- الكائنة هى -أى القبب- على يمين الذاهب، لقصر المدرسة الخارج من باب الرائس الشهير، وأعدها لجلوس وزرائه وأعَيان كتابه وقت جلوسه للأحكام وسماع المظالم، وجعل لتلك القبب مباحات أعدت لجلوس بقية الكتاب مع أعيان رؤساء ذوى الحيثيات والموظفين.
ومنها الروض الجديد الذى أنشأه بالبحراوية بصهر يجيه.
ومنها قبة الزجاج التي على الصقالة بأعلى الروض المشار المشرفة عليه، بل وعلى عرصتى البحراوية والاترنجية.
ومنها الصرح الذى بأعلى باب المحنشة المقابل لباب الناعورة المذكور، إلا أنه لم يكمل.
ومنها تلافيه صدع مسجد الأزهر، المعروف بجامع الأروى.
ومنها تأسيس منار الضريح الإسماعيلى.
ومنها تجديد سقف المباح الشرقى بصحن الضريح المذكور.
ومنها زيادته في مسجد الضريح العلمى المذكور آنفا لما كثر أتباع ذلك الولى وضاق بهم المسجد، وكانت زيادته فيه على يد ناظره إذ ذاك الحاج محمد بن عمرو الصنهاجى السابق الترجمة، وهو الذى رد محرابه إلى عين القبلة حيث هو الآن، إذ كان قبل في الجهة الجنوبية موضع الخزين في العصر الحاضر، وذلك بعد هرج ومرج بين أتباع صاحب الضريح والمعدل الميقاتى بمكناس إذ ذاك السيد الجيلانى الرحالى، وطال ذلك وتفاحش إلى أن رفع الأمر إلى الجلالة السلطانية فقام لذلك
[ ١ / ٢٥٨ ]
وقعد وحضر بنفسه وأحضر مهرة المعدلين العارفين بأدلة القبلة من فاس ومراكش ومكناس، فأداهم اجتهادهم إلى أن الأصوب هو جعل المحراب بالمحل الذى أشار به ميقاتى مكناسة المذكور، وأنه لاَ وجه لرده للجهة الجنوبية التي كان بها قبل لقيام الأدلة على خطأ الواضع الأول، فأمر السلطان حينا بإمضاء ما قالوا وبسببه انحسمت مادة النزاع.
ومن تأسيسات هذا السلطان قصبة أهل تولال -بضم التاء وسكون الواو وفتح اللام المشبعة- وتولال اسم لواد من أودية صحراء تافلالت كان نقلهم السلطان المقدس مولانا عبد الرحمن بن هشام بن بلادهم لتمردهم وأنزلهم بنواحى فاس قرب دار دبيبغ، وجعلهم تحت نظر باشا الوقت بباب الدار العالية بالله ثمة وهو القائد فرجى الشهير، ثم نقلهم نجله السلطان سيدى محمد من فاس إلى نواحى مكناس وذلك عام اثنين وثمانين ومائتين وألف، وأدرجهم في جملة الجيش البخارى، وكانت سكناهم إذ ذاك في الخيام.
ثم في دولة نجله السلطان مولاى الحسن أنشأ لهم القصبة المذكورة التي هى مستقرهم الآن، وموقع هذه القصبة غربا من المدينة، وقد أحدثت بها اليوم عدة دور ومسجد للصلاة.
ومنها قصبة الحاجب الشهيرة ببلاد بنى مطير على اثنين وثلاثين كيلو مترا من المدينة، وهذه القصبة هى التي صارت اليوم محلا لإدارة الأحكام الإدارية ومتعلقاتها.
ومنها المسجد الذى أنشأه بالساحة المقابلة للمزارة السفلى للضريح الإدريسى الأكبر التي كانت مستقرا للأوساخ والقذرات، ومحلا لذبح ما يهدى لضريح ذلك الإمام العظيم ليفرق، وعلى أبناء صاحبه وعلى من انتظم في سلكهم من المقيمين بذلك الضريح الأقدس من الإنعام، وكان تأسيسه لهذا المسجد ولدار الذبائح المذكورة خارجه عام ثلاثة وثلاثمائة وألف، وفى هذا التاريخ أو قبله بيسير أنشأ
[ ١ / ٢٥٩ ]
بالزاوية الإدريسية أيضا الحمام الجديد البديع سعة وشكلا، إلى غير هذا مما ليس لغايته وصول.
ومن تأسيسات نجله السلطان المولى عبد العزيز تجديد بعض القنوات التي يجرى فيها الماء للمساجد والمدارس بالمدينة وغيرها.
ومنها بناء الساقية مع القنطرة ذات الأقواس التي يمر فوقها الماء المجلوب من عين شانش النابع أصلها قرب مدشر موساوة أحد مداشر جبل زرهون ليزاد ذلك الماء على ماء عين خيبر الداخل للحرم الإدريسى وغيره من الأماكن التي يجرى بها الماء من تلك الزاوية المباركة، إلا أن هذا الماء إلى الآن لم يحصل منه المقصود الذى جلب لأجله، وهذا الماء هو الجارى اليوم بالمحل الذى أحدثته الدولة الحامية بأرض خيبر المعروف بالبئر ولسائر فروعه.
ومن ذلك أيضا تلافيه بالترميم والإصلاح ما كان تلاشى بذلك الحرم الإدريسى ومضافاته، كتجديدة لقرمود القبة الإدريسية وتبييضه لصومعتها ولمسجدها وتزويقه لمحرابه وترميمه لدار الزاوية ولدار الأضياف ولدار المخزن التي تستريح بها الجلالة الملوكية عند زيارتها لذلك الضريح.
ومن ذلك أيضا إنشاؤه للفندق الجديد المعروف بهذا الاسم بالزاوية الإدريسية وكانت هذه الأعمال جلها على يد الناظر السيد إدريس بن زاكور الفاسى، وبقيتها على يد بدله الناظر السيد الحاج الهادى غلاب أحد الأعيان بفاس الآن.
ومن آثار المولى زين العابدين تزليج أرض ضريح سيدى سعيد المَشَنْزَائى (١) السالف الذكر وما انضم إليه، وبناء الصفة الواقعة خارج بابه، وذلك أيام الفتنة البربرية التي حدثت في دولة أخيه السلطان المولى عبد الحفيظ عام سبعة وعشرين وثلاثمائة وألف.
_________________
(١) تحرف في المطبوع إلى: "المشترائى" وصوابه من دوحة الناشر في موسوعة أعلام المغرب ٢/ ٨٨٠.
[ ١ / ٢٦٠ ]
ومن آثار سلطاننا الحالى المعظم الملحوظ بعين الإجلال والإكبار مولانا يوسف أعز الله أمره، وأيده وأدام فخره، تجديد جبص المسجد الأعظم بمكناسة وتبليط أرضه بالجص وتزليج جناحيه.
ومنها إصلاح جامع القصبة وتجصيص صحنه الخارجى الموالى لبابه.
ومنها إصلاح مدرسة الشاوية المعروفة اليوم بجامع الستينية وتسقيف صف واحد منها.
ومنها إعادة تبييض جبص قبة ضريح جده الأكبر المولى إسماعيل قدس سره، وإعادة ما أزيل وتلاشى من زليج بعض جدراتها.
ومنها تجديد مسجد سيدى يحيى وسقايته المار الكلام فيها.
ومنها تجديد جامع الكرمة المعروف بزنقة حومة الأنوار قرب سيدى سلامة الولى الشهير.
ومنها إصلاح المسجد العتيق المعروف بجامع النجارين.
ومنها إصلاح مسجد الزيتونة ومسجد البراذعيين وزاوية مولاى عبد الله بن حمد المعدة للمعتوهين والضعفاء والمنقطعين، ومسجد باب عيسى وضريح سيدى على بن نون، وضريح الست كلينة -بالكاف المعقودة.
ومنها إصلاح حمام باب البراذعيين، وتجديد ما افتقر منا للتجديد وكذلك حمام الزيتونة، وحمام مولاي عبد الله بن حمد، وحمام النجارين، وحمام السويقة، وحمام الجديد، وحمام سيدي عَمْرو بو عوادة، وحمام التوتة.
ومنها تجديد بعض سقف القصور السلطانية، وترميم ما دعت الحاجة الأكيدة لترميمه، وبالأخص قصور المدرسة الشريفة.
[ ١ / ٢٦١ ]
ومنها تجديد السقاية التي ببطحاء الهديم قبالة باب منصور العلج، تلك السقاية العجيبة الشكل العديمة المثال التي لم ينسج على منوالها في حاضر الأزمان ولا في غابرها ناسج، فما شئت من تزويق وتنميق، ونقش رقيق، يستلفت الأنظار، ويستوقف الأبصار، وكان تجديده لهذه السقاية على ما وصفناه عام اثنين وثلاثين وثلاثمائة وألف، ويدل لذلك ما هو منقوش في أعاليها ولفظه:
يا ناظرا في بهائي ورونقي وازدهائي
فبغيتي ومنائي منك جميل الدعاء
إلى جناب تسامى به ابتداء انتهائي
مولاي يوسف أضحى محبوب دان ونائي
مع المقيم العمومي رئيس ناس الولاء
وأهل مجلس نصح وهمة في ارتقاء
فادع لكل بخير شكرا على جري ماء
وقل مؤرخ هذا تاريخ زين بنائي
أشار للتاريخ المومي إليه بحروف الشطر الأخير من القطعة، ومع الأسف فقد مد الخراب لهذه السقاية يد الاعتداء ولم تجد منجدا، فإن دام حالها هكذا رجعت إلى ما كانت آلت إليه قبل، فإن هذه السقاية هي التي يعبر عنها في العقود الحبسية القديمة بالسقاية الكبرى، ففى بعض العقود الحبسية ما لفظه:
أرباب البصر سئل منهم الوقوف على عين مسجد رواغة الكائن بالهديم من الحضرة المذكورة المجاور للسقاية الكبرى التي هناك. اهـ.
وقد كان الدهر أخنى على هذه السقاية حتى تعطل وصول الماء إليها وصارت
[ ١ / ٢٦٢ ]
مقر الأوساخ والأزبال، كما أخنى على المسجد المشار له في العقد السابق ولعب به شوطا في أدوار الامتهان، بعد العزة ورفعه الشان، إلى أن مزق مجتمعه أيدي سبا فصار بعضه مربضا للغنم المعدة لتموين البلد وبعضه جرنة (محلا لذبح المواشي) ثم صار محل المربض من جملة روض لبعض عظماء الموظفين، وذلك الروض هو الواقع في الجهة الغربية من بطحاء الهديم المذكور المتصل بباب رواغة الشهير ذلك الروض هو الذي صار اليوم مكتبا اقتصاديا للدولة الحامية بالعاصمة المكناسية وأما الجرنة فقد صارت دكانا لبيع السلع.
ومن التأسيسات والآثار الخالدة التالدة الواقعة في دولة جلالة سلطاننا الأعظم أيضا القيسارية الجديدة المعدة لبيع أنواع البز الواقعة خارج باب بريمة المجاورة لسوق البز القديم المستندة على سوق السلالين، وقد كان موقعها قبل فندقا معدًّا لبيع الفحم وربط الدواب.
ومن أعظمها وأفخرها تأسيس المدينة الجديدة الكائنة بأرض غابة الزيتون المعروفة بحمرية، التي كان أنشأها سيدنا الجد الأعظم مولانا إسماعيل برد الله ثراه، وحبسها على الحرمين الشريفين مكة والمدينة حسبما مرت الإشارة إليه، وكان الشروع في تسطير طرقها في شهر غشت سنة ست عشرة وتسعمائة وألف مسيحية، وصدر الأمر العالي بتعويض أرضها معاوضة نقدية لمن يريد البناء بها من الأجانب والأهالي عام خمسة وثلاثين وثلاثمائة وألف موافقة شهر جوليت سنة سبع عشرة وتسعمائة وألف، وشرع في البناء بالفعل في محرم فاتح سنة ست وثلاثين وثلاثمائة وألف، وكان ثمن المتر المربع إذ ذاك فرنكا واحدًا وخمسا وسبعين سنتيما.
ولما كثرت الرغبة وتهافت الأجانب والأهالى على الشراء ولاحت لوائح الاستعمار، بلغ ثمن المتر المربع سبعين فرنكا، ولا يسوغ لمشتر أيا كان أن يترك شراه بدون بناء فوق سنتين، ومثل ترك البناء أصلا بناء ما لا يبلغ صائره خمسة
[ ١ / ٢٦٣ ]
عشر فرنكا لكل متر، فإن ترك البناء أصلا أو بنى ما لا يبلغ صائره ما ذكر ومرت السنتان، فإنه يحاز منه مشتراه ويسلم لجانب الحبس ويرد للمشترى ما خرج من يده بعد إسقاط قدر معين في الصوائر.
ومنها تشييد بناءات دار السمن وروى مزيل الصلة بباب أبى العمائر على الطراز الأورباوى الذى هى عليه الآن، حتى دخل بذلك المحلان في طور جديد، وصارا منظورًا ومرغوبًا فيهما بعد أن كانا مهملين ومرغوبا عنهما.
ومنها تأسيس الباب المتصل بجدار البوسطة لدار السمن، تمرّ عليه العربات والسيارات الداخلة لدار السمن وترجع من القديم حذوه متصلا به فرارا من التصادم الناشئ عن الورود والصدور من مورد واحد، وقد كان بمحل هذا الباب المحدث مكتب لتعليم الصبيان:
ومنها إحداث الصف الأول بمسجد الشافية مع مِيضَأة به، وإحداث مباح آخر في المسجد المذكور، وإحداث مكتب عليه لقراءة الصبيان عوضا عن المسجد الذى جعل بمحله الباب المحدث بدار السمن المذكور. وباب المكتب المحدث وهو النافذ للزقاق العمومى يمين الداخل لمسجد الشافية المذكور.
ومنها تجديد مسجد تيبربارين، وزيادة المكتب حذوه صفا فيه، ورد سقايته وكنفه إلى صحنه وقد كانتا بأسطوان بابه.
ومنها تجديد سقاية أبى الحسن على بن منون، وإحداث أنبوبين للسبيل بزقاق روى مزيل، وتجديد سقاية جامع الزيتونة، وتجديد سقاية حومة حمام الجديد، وسقاية درب القرع، وسقاية التوتة، وسقاية ضريح أبى محمد عبد القادر العلمى، وسقاية سبع أنابيب مع تجديد سقفها وترصيف أرض مباحها، وسقاية حمادشة بتزيمى الصغرى، وسقاية تزيمى الكبرى، وسقاية براكة، وسقاية حومة جامع الساباط، وسقاية الغمادين داخل باب الجديد.
[ ١ / ٢٦٤ ]
وإحداث سقاية وكنف بالوسعة داخل باب السيبة، وتجديد سقاية العوادين وسقف سقاية الشريشرة، وسقاية تبربارين، وإحداث سوق لبيع الخضر يدعى البلاصة بالعريصة المعروفة قديما باسم حبس قارة التي كانت معدة لنزول قائد حنطة الأتاى، وإنشاء المحكمة الباشوية حذو البلاصة المذكورة، وإحدات البوسطة بمحل الزواية العينية التي كان أحدثها القائد إدريس بن يعيش، وصرف على بنائها كمية ليست بالتافهة الكائنة بدار السمن.
ومنها تجديد حائط محراب مسجد الولى الصالح عمرو بو عوادة، وتسقيف صفوفه وتزليج أرضه وإصلاح ميضاته، وإصلاح مسجد براكة، وتجديد مسجد سيدى الصفيفر بدرب سيدى عبد الله الجزار.
ومنها إنشاء المستشفى للأهالى الكائن أمام ضريح سيدى سعيد.
ومنها إنشاء الجرنة الحافلة لذبح الأنعام الكائنة خارج باب السيبة أحد أبواب المدينة.
ومنها تجديد جبص الضريح الأنور ضريح مولانا إدريس الأكبر وتجديد جبص ما حوله كذلك، وتجديد صبغ خشب سقفه الفخيمة، وإعادة تزويق ذلك كله ورده لبهجته ورونقه، وكان الشروع في ابتداء العمل في ذلك صبيحة يوم الاثنين تاسع عشرى شوال عام أربعة وثلاثين وثلاثمائة وألف، وانتهاء العمل في غالب ذلك أواسط جمادى الثانية عام خمسة وثلاثين وثلاثين وثلاثمائة وألف.
ومنها تزليج أسراك من باب المعراض إلى مباح باب الحفاة هناك، وترميمه لجدران أسراك المذكور.
ومنها تزليج السقايات السليمانية الكائنة داخل باب الحفاة المذكور، وتجديد القف أعلاها.
[ ١ / ٢٦٥ ]
ومنها تجديد قرمود قبة الضريح المذكور وسائر ما حوله من المسجد الأعظم هناك وغيره.
ومنها ترميم وتجديد ما وهى من غير واحد من مساجد جبل، زَرْهُون.
ومنها تجديد وتوسيع وتحويل باب فكرة أحد أبواب الزاوية على الهيئة التي هى عليها الآن.
ومنها مسجد السوق البرانى بالزاوية الذى أنشأه وحبسه المرحوم الحاج أحمد ابن محمد الريفى بموافقة أميرنا الحالى مولاى يوصف أدام الله جلالته، فهذا ما حضرنا من التأسيسات والإشادات الواقعة بمكناسة وزرهون في هذه الدولة السعيدة العلوية، وهو في جنب ما جهلناه وما غاب عنا أو أغفلناه قُلٌّ من كُثْر، وليس إلا عند الله حقيقة الأمر.
قال في الروض: وللمدينة ستة أبواب: باب البراذعيين، وباب المشاورين (١)، وبمقربة منه هوايمى ارتجمى، ودار الأشراف، وجامع الخطبة القديمة ويعرف لهذا العهد بجامع النجارين، وباب عيسى، وباب القلعة، وكان يسمى بهذا الاسم قبل أن تبنى هنالك القصبة على ما يظهر من كلام بعضهم والله تعالى أعلم وباب أقورج، وباب دردورة وربما قيل له باب الصفا. اهـ. من خطه (٢).
قلت: كتب بعضهم على هذا المحل ما صورته: كل باب من هذه الأبواب تغير عن حاله.
أما باب البراذعيين فقد أدركناه على خمسة أقواس تحيط به أبراج كثيرة فهدم في سنة سبع وتسعين أو ثمانية ورحلق لناحية الجوف وبنى على ثمانية عشر قوسا محدقة بصحن فسيح، وبمدخله مسجد الخطبة مما صنعه وبناه الوزير على بن يشو.
_________________
(١) في المطبوع: "المشاوريين" والمثبت من الروض الهتون الذى ينقل عنه المصنف.
(٢) الروض الهتون - ص ٧٨.
[ ١ / ٢٦٦ ]
وأما باب المشاوريين فقد هدم أيضا لقريب من هذا العهد، وبنى وراءه غربا باب يسمى باب بريِّمة بتشديد الراء مكسورة.
وأما باب عيسى فقد هدم قبل هذا التاريخ وزيد في القصبة وموضعه الآن بين باب سعيِّد -بكسر ياء مشددة- وضريح سيدى عبد الرحمن المجذوب نفعنا الله به.
وأما باب القلعة فقد هدم وزيد في القصبة وموضعه الآن قريب من باب العلوج.
وأما باب قورجة فقد هدم وزيد في القصبة وبنى جوفا منه باب يسمى عبد الرزاق.
وأما باب دردورة فقد هدم ولم يبق وموضعه الآن بباب تزيمى، وتزيمى اسم قبيلة أخرج أهلها من الصحراء من عمالة سجلماسة وغربوا وأسكنوا في هذا الموضع، وقد أدركناه قبل دار عمل الفخارين، فأُخرج الفخارون إلى عدوة النهر شرقا، وكان هناك قنطرتان قديمتان فهدمتا وجعلت قنطرة واحدة. اهـ.
قلت: إنما تكلم ابن غازى والمطرر عليه هنا على أبواب المدينة القديمة تاجرارت، ولم يتعرض واحد منها لأبواب القصبة القديمة ولا لأبواب القصبة الإسماعيلية سوى باب العلوج الذى ذكره الثانى فإنه هو باب منصور العلج المعروف للقصبة الآن، وكذا لم يشر ابن غازى لموقع القصبة المرينية إلا في قوله:
قبل أن تبنى هناك القصبة يعنى والله أعلم خارج باب القلعة.
ثم إن أبواب المدينة الموجودة لهذا العهد اثنا عشر بابا بضميمة أبواب القصبة إليها لصيرورتهما شيئا واحدا ودخولهما معا في مسمى مكناس كدخول سائر القصبات المتصلة المتقدمة فيما أسلفناه.
[ ١ / ٢٦٧ ]
فأما باب البراذعيين فموقعة قديما وحديثا في الجانب الغربى للمدينة، غير أنه كما زحلق زمن ذلك المطرر إلى الباب ذى الثمانية عشر قوسا الذى ذكره كذلك زحلق بعده الى الباب الخارج عنه المقابل له الموجود الآن وهو باب في غاية الارتفاع والسعة والإتقان وإحكام البناء، يكتنفه برجان أحدهما عن يمين داخله والآخر عن شماله، وتنفتح دفتاه بين قوسين خرّ سقفها وانهد القوس الداخلى وغارباه الدالان عليه لازالا لهذا العهد.
ومن هذا الباب يخرج لضريح الولى الكامل المولى عبد الله بن حمد وهو متصل من جهة يمين الخارج منه بالسور المحيط بقصبة تزيمى الممتد إلى الباب المعروف بباب تزيمى.
وعن يمين الخارج أيضا روضة قبور الشهداء.
وعلى يساره المقبرة العظيمة الجامعة لجم غفير لا يعلمه الا الله من العلماء والأولياء الكاملين التي بها ضريح الشيخ محمد بن عيسى الولى الشهير.
وبينه وبين الباب ذى الأقواس الثمانية عشر صحن فسيح يقام فيه سوق لبيع الخشب كل يوم جمعة بعد صلاتها، وقد كان الداخل على الباب ذى الثمانية عشر قوسا المذكور ينعطف فيه لجهة اليمين حيث الفندق الموجود الآن، ويدخل للمدينة من قوس كان مجاورا للمئذنة فسد ذلك القوس، وأحدث في محله دكان للبيع والابتياع وروى صغير وجعل فوق الكل غرفة، والكل تحت القوس الذى فوقه المستودع محل القيم بالتوقيت، ولا زال كل ذلك قائم العين إلى الحين الحالى.
ولما سد ذلك القوس المشار فتح نقب كالقوس مسامت للبابين المذكورين، ومنه الممر الآن لكل ذاهب وآت.
أما الأقواس الثمانية عشر فمنها ما هو قائم العين والأثر حتى الآن، ومنها ما
[ ١ / ٢٦٨ ]
هد وبقيت أساطينه أو بعضها شاهدة له، كان إذا دخل الإنسان من القوس المحدث في محله الدكان وما ذكر معه وجد خمسة أقواس في صف عن يساره، وأربعة كذلك عن يمينه، فيمر بينهما مستطيلا، فإذا وصل إلى القوس الخامس استدبره منحرفا عن اليمين فيجد قوسا آخر عن اليمين في مقابلة القوس الذى منه المرور الآن، وهو في الوسط بين خمسة أقواس: اثنان عن اليمين ومثلهما على اليسار.
وهذا الذى يخرج منه الآن اشتمل على قوسين يحوطهما سقف واحد أحدهما مساو للأقواس التي عن اليمين واليسار، والآخر ملتصق بالجدار المحيط بالجميع.
والأقواس الأربعة التي عن اليمين والخمسة التي عن الشمال مع قوسين من الأقواس الخمس المقابلة، هى التي صارت فندقا وهو الموجود الآن عن يمين الداخل هناك، وعن يسار القوس الذى ذكرنا نقبه وفتحه للصدور منه والورود قوس آخر أحدث الحمام الموجود الآن في محله، فمجموع الأقواس ثمانية عشر كما ذكر، منها ما هو قائم العين محكم البناء إلى الآن، ومنها ما أتى العفاء عليه ولم يبق البلى غير الأطلال الشاهدة لما كان عليه في الماضى مما بيناه.
وكل هذه التغيرات حدثت بعد أن زحلق باب البراذعيين المعروف بهذا الاسم الآن، وذلك زمن سيدى محمد بن عبد الله كما بينا، وبانى الباب ذى الثمانية عشر قوسًا وكذا الباب المزحلق إليه هو المولى إسماعيل، فقول ذلك المطرر بنى عام سبعة أو ثمانية وتسعين يعنى وألف، وقد كان سرادق ملك المولى إسماعيل وقتئذ على الأنام ممدودا.
وأما باب المشاورين وباب عيسى وباب القلعة وباب أقورج، وباب دردورة فقد بسط ذلك المطرر السابق ما يبين مواقعها وما آلت إليه، وقد أفاد كلامه أن باب دردورة كان خارج باب تزيمى أحد أبواب المدينة المعروف بهذا الاسم الآن،
[ ١ / ٢٦٩ ]
والقنطرة التي أشار لها هناك هى والله أعلم التي يمر عليها الذاهب للفخارين وغيرها هناك، وقد كان سقط بعضها قرب التاريخ فتدوركت بالإصلاح.
وموقع باب تزيمى في الجانب الغربى الشمالى تنفتح دفتاه بين قوسين يسترهما سقف أعلاه غرفة معدة للقيم بحراسته، ووجه إضافته تقدمت الإشارة إليها، وخارج هذا الباب كانت سقاية السبيل المعروفة بسقاية الذهب المشار لها فيما أسلفناه في ذكر الآثار الإسماعيلية، ولا زال إلى الآن سور صدر هذه السقاية شاخصا للعيان وكذلك غارباها، وقد أحدث في محلها بناء جعلته دولة الحماية من جملة مرافقها.
ويوجد الآن باب بالنهج الموصل من باب منصور العلج لدار السمن، يسمى باب عيسى، وهو غير الأول قطعا، ولعله هو الذى كان يعرف بباب سعيد قديما، فلما هدم باب عيسى نقل اسمه إليه لقربه منه.
وأما باب عبد الرزاق فقد أدركته قائم العين متقن البناء محكم الصنع كان يخرج منه للحبول محل البستان العمومى الآن، ثم هد في هذه الأزمنة الأخيرة ولم يبق له رسم ولا طلل، وصار محله براحا.
وأما باب بريمة فلا زال قائم العين إلى وقتنا هذا، غير أن الجدار المتصل به هدته الدولة الحامية ولم يبق للباب بعد هد هذا الجدار فائدة.
وأما باقى أبواب المدينة التي لم يقع لها تعرض ممن أسلفنا؛ فمنها باب السيبة وموقعه في الجانب الغربى الجنوبى خارج باب الجديد المعروف بهذا الاسم إلى الآن بُنِىَ باب السيبة هذا على عهد السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام، وذلك لما أضرمت نار الفتن البربرية وتفاحش عيث أهل الزيغ والبغى وصارت لصوصهم توالى النهب لكل ما وجدت إليه سبيلا خارج بابَى الجديد وبريمة، وتفاحش الضرر
[ ١ / ٢٧٠ ]
بالأهالى سكان البلد وضاقوا ذرعا من ذلك، بنى هذا الباب إذ ذاك على يد الباشا القائد محمد بن العواد الكبير، وهذا وجه إضافته للسيبة، تنفتح دفتا هذا الباب بين قوسين يعلوهما سقف وبين هذين البابين -أعنى باب الجديد والسيبة- سوق به دكاكين للبيع والابتياع وفسيح متسع كانت تباع فيه الخيل والبغال والحمير كل يوم خميس وأحد، ثم تعطل يوم الأحد وبقى يوم الخميس إلى إن نقل بعد نشر الحماية للمحل الذى يعمر فيه الآن خارج المدينة بين ضريحى سيدى سعيد المَشَنْزَائى (١) وسيدى محمد بن عيسى -﵄- كل يوم خميس كما يعمر كل يوم أربعاء بالمحل سوق بهيمة الأنعام.
ومنها باب سيدى سعيد، ويقال له باب الملاح، وباب وجه العروس وموقع هذا الباب في الربع الغربى الجنوبى، وهو من تأسيس السلطان المولى عبد الرحمن ابن هشام أنشأه أيضا عند شق البرابر عصا الطاعة وامتداد تمردهم وإضرارهم بأهل الذمة بنهب أمتعتهم، حيث كانت حارتهم خارج سور البلد عن يسار الخارج من باب بريمة، فأنشأ المولى عبد الرحمن هذا الباب والسور الممتد منه إلى أن اتصل بباب بريمة أحد أبواب الفخامة الإسماعيلية لعاصمته المكناسية، وتنفتح دفتا هذا الباب بين قوسين يعلوهما سقف وإضافته لسيدى سعيد لوقوع ضريحه وراويته خارجه وللملاح لمجاورته له واتصاله ببابه، ولوجه العروس لكون المزارع خارجه تسمى بوجه العروس، وذلك لنضارة اخضراره وبهجة أنواره في سائر فصول السنة لأن جل الخضر التي تجبى للمدينة إنما تزرع ثمة.
ومنها باب زين العابدين موقع هذا الباب في الجانب الغربى الجنوبى على يسار الخارج من باب منصور العلج لبطحاء الهديم، بنى هذا الباب المولى زين العابدين بن السلطان الأعظم المولى إسماعيل أيام إمرته، تنفتح دفتاه بين قوسين يعلوهما سقف فوقه غرفة.
_________________
(١) تحرف في المطبوع إلى: "المشترائى".
[ ١ / ٢٧١ ]
ومنها باب ابن القارى موقعه في الجانب الغربى الجنوبى كسابقه، وهو باب محكم البناء يعلوه برج هائل يشتمل هذا الباب على بابين أحدهما يدخل منه لناحية القصور الملوكية من جهة صهريج السوانى، والآخر يدخل منه لناحية الأروى الإسماعيلى ومساكن الجيش الملوكى الذى كان بمثابة الحرس.
ومنها باب البطيوى، موقعه في الجانب الغربى، وهو باب متقن البناء في غاية الإحكام، يدخل منه لناحية الأروى المذكور.
ومنها باب كبيش -بصيغة التصغير- موقعه في الجانب الشرقى في ناحية الأروى كذلك أيضا.
ومنها باب الناعورة وموقعه في الجانب الشرقى الشمالى يعلوه برج عظيم هائل محكم البناء عجيب الإتقان، أحدث السلطان العظيم الشان المولى الحسن في هذا البرج بإزاء هذا الباب بابا آخر قبالة قصر المحنشة السعيد، ومنه اليوم مرور كل صادر ووارد ممن يأتى من ناحيته، ووراء هذا الباب باب آخر يعرف بباب الناعورة البرانى وهو حديث البناء ولا أستحضر الآن بانيه.
ومنها باب القزدير موقعه في الجانب الشرقى يخرج منه لناحية ضريح أبى زكرياء الصبان، تنفتح دفتاه بين قوسين عليهما سقف، ومن هذا الباب كان دخول جيوش فرنسا الاستعمارية لهذه الحضرة المكناسية، وذلك في زوال يوم الخميس ثامن جمادى الثانية عام ثمانية وعشرين وثلاثمائة وألف موافق شهر مايو بلغتنا سنة إحدى عشرة وتسعمائة وألف على ما يأتى مفصلا بحول الله.
ومنها باب أبى العمائر خارب باب الحجر المتقدم الذكر كان موقعه أمام باب المرس الآتى، وقد تقدمت الإشارة لوجه هذه الإضافة وما آل إليه أمره.
ومنها باب المرس وهو لناحية القبلة، وإنا أضيف للمرس لوقوع المرس
[ ١ / ٢٧٢ ]
الإسماعيلى الهائل خارجه وهذه الأبواب الثمانية كلها -والله أعلم- من إنشاء المولى إسماعيل، والمرس المذكور هو من أعظم الآثار الإسماعيلية، وقد أدركنا هذا المرس يعمر بما يجبى إليه من زكوات الإيالة المولوية المجاورة للديار المكناسية وعليه قيمون يحرسونه وأمناء على محصولات ما تجبى إليه سنويا إلى أن اختل ذلك بحدوث الترتيب والضرائب الوقتية.
فهذه أبواب المدينة الموجودة لهذا العهد، وكلها كما علمت من التأسيسات الإسماعيلية غير باب زين العابدين، وبابى السيبة، ووجه العروس.
أما الأول فلولده من صلبه، وأما الأخيران فلحفيده مولاى عبد الرحمن بن هشام بن محمد بن عبد الله بن إسماعيل، وقد أسس غير ما ذكر من الأبواب العظيمة ذات الهياكل المدهشة التي صارت داخل المدينة وبالأخص في قصبته السعيدة.
قال أبو القاسم الزيانى ومن تابعه: إنه جعل للقصبة عشرين بابا في غاية السعة والارتفاع مقبوة، وفوق كل باب منها برج عظيم عليه من المدافع النحاسية العظيمة الأشكال ما يقضى منه العجب. اهـ.
قلت: هذا غالب ما يتعلق بتفاصيل التأسيسات المكناسية من لدن شأنها إلى الوقت الحاضر، وأما الإتيان على جميعها فمن قبيل المحال، لا يعلم حقيقة ذلك إلا الكبير المتعال، وما أتينا به من ذلك لم يحوه قبل تقييدنا هذا ديوان، ولا حاز فضيلة حفظه وجمعه واحد من أبناء الإنسان، على طول الآنات ومر الزمان، والفضل في ذلك للواهب الفتاح المنان، وأنت ترى جل تلك التأسيسات والمآثر الخالدة التالدة، إنما هى لملوكنا العلويين، وقاداتنا الأكرمين، ذوى الأيادى البيضاء على الإسلام والمسلمين، أعز الله كلمتهم، وأدام في سماء المعالى منزلتهم، آمين.
[ ١ / ٢٧٣ ]