وقوله: أعمر قطرا من بني زياد، قد قدم أن بني زياد مدينة محصورة، وذلك يدل على أن مراده بقطرها موقعها ومساحتها لا غير.
وقوله: في الطريق من تاقررت إلى السوق القديمة على رمتي سهم (١) إلخ، يعني أن مدينة القصر التي هي حصن عامل مكناسة واقعة في طريق السوق القديم، وبينهما وبين تاقررت القدر المذكور وهو رميتا سهم بالتثنية.
وقد تحصل من كلامه هذا وما ذكره قبله أن موقع هذا الحصن يعتبر بين كل من تاورا وبني زياد ومن تاقررت والسوق القديم.
وقوله وفي شمال قصر أبي موسى إلى قوله السوق القديمة كذا هو في نسختين اثنتين من نزهة المشتاق قصر بالصاد المهملة وأبي موسى بلفظ الكنية ولا أتحقق الآن المراد بهما، وقد تقدم البحث عن موقع السوق القديمة فارجع إليه.
وقوله ومن قبائل بني مكناسة المجاورة لهذه البلاد (٢) إلى قوله وأَوْرَبَة (٣) إلخ صريح في أن هؤلاء خارجون عق موقع مكناسة وإن جاورها، وفي أن من جملتهم أوربة الذين هم أهل زرهون كما تقدم، والله أعلم وأحكم.
فصل قال في الروض: وكانت هذه المواضع كلها في غاية من الخصب وكثرة المياه والأشجار، وكان أهلها آمنين مطمئنين في عيش رغد ونعمة تامة منذ ملك أمراء المسلمين بنو تاشفين بلاد المغرب وأخمد (٤) الله تعالى بسيوفهم نار الفتنة البربرية فانقطعت مطامع رءوس النفاق من بربر المغرب (٥). من خطه.
قلت: قال بعضهم يشير والله أعلم إلى فتنة جور مغرواة في دولتهم عند انشغالهم بنهب أموال الرعية والفسق وتمزيق الأعراض وما لا يحل سماعه.
_________________
(١) نزهة المشتاق ١/ ٢٤٥.
(٢) نزهة المشتاق ١/ ٢٤٥.
(٣) في نزهة المشتاق: "واربة".
(٤) في الروض الهتون: "وأغمد".
(٥) الروض الهتون - ص ٥٨.
[ ١ / ٨٩ ]
والبربر: اختلف فيهم اختلافا كثيرا فقيل إنهم من ولد فارق بن بيص بن حام، والبربر يزعمون أنهم من ولد إفريقش بن صيفى الحميري، وزناتة منهم تزعم أنهم من لخم، والأصح عند أهل التحقيق أنهم من ولد كنعان، وأنه لما قتل ملكهم جالوت الفلسطيني وتفرقت بنو كنعان قصدت منهم طائفة بلاد المغرب وسكنوا تلك البلاد وهم البربر.
وقبائل البربر كثيرة جدا، منهم كتامة وبلادهم بالجبال من المغرب الأوسط وكتامة هم الذين أقاموا دولة الفاطميين مع أبي عبد الله الشيعي، ومنهم صنهاجة ومن صنهاجة ملوك إفريقية بنو بلكين بن زيري، ومن قبائل البربر زناتة وكان منهم ملوك فاس وتلمسان وسجلماسة ولهم الفروسية والشجاعة المشهورة، ومن البربر المصامدة وسكناهم في جبال درن، وهم الذين قاموا بنصر المهدي بن تومرت وبهم ملك عبد المؤمن وبنوه بلاد المغرب وانفرد من المصامدة قبيلة هنتاته -بنون فتاء ثم تاء بعد الألف فهاء السكت- وملك منهم إفريقية والمغرب الأوسط أبو زكريا يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص، ثم خطب لولده أبي عبد الله محمد بن يحيى بالخلافة واستمر الحال على ذلك إلى سنة اثنتين وخمسين وستمائة، ومن قبائل البربر المشهورة برغواطة ومنازلهم في تامسنا على البحر المحيط، وقيل إن برغواطة منسوبون إلى برغاطي وهو صالح بن طريف اليهودي نسب إلى الموضع الذي نشأ به وهو برغاطة موضع بفحص شريش من بلاد الأندلس، فعربت العرب هذا الاسم، وقالوا برغواط، وقد كانت هذه الفرقة على غير الإسلام وفيهم من تنبأ كذبا وزورا وقد قطع الله دابرهم فلم تبق لهم من باقية.
والبربر مثل العرب في سكنى الصحاري ولهم لسان غير العرب قال ابن سعيد: ولغاتهم ترجع إلى أصول متحدة وتختلف فروعها حتى لا تفهم إلا بترجمان كذا في تاريخ أبي الفداء مع زيادة من غيره.
[ ١ / ٩٠ ]
ودرن بالتحريك جبل عظيم من جبال البربر بالمغرب فيه عدة قبائل وبلدان وقرى، وهو المعروف في كتب المسالك والجغرافيا بالأطلس، ويعرف في كل محل باسم فيعرف في بلاد المصامدة بالكلاوي وهو المطل على مراكش ويعرف بداخلية بلاد البربر بجبل العياشي.
قال ابن سعيد: وهو جبل شاهق مشهور لا يزال عليه الثلج أوله عند البحر المحيط الغربي في المغرب وآخره في جهة الشرق على ثلاثة مراحل من إسكندرية من الديار المصرية ويسمى طرفه الشرق المذكور رأس أوتان فكون امتداده نحو خمسين درجة.
قال ابن خلدون ويسكن هذا الجبل من البربر أمم لا يحصيهم إلا خالقهم ثم قال: إن جبل درن هذا من جهة غربيه مطل على بلاد المغرب الأقصى وهي في جوفه ففي الناحية الجنوبية منها بلاد مراكش وأغمات وتادلا، وعلى البحر المحيط منها بلاد آسفى ومدينة سلا، وفي الجوف عن بلاد مراكش بلاد فاس ومكناسة وتازا وقصر كتامة وهذه هي التي تسمى المغرب الأقصى في عرف أهلها، وعلى ساحل البحر المحيط بلدان أصيلا والعرائش، وقد سميت هذه البلاد شرقا بلاد المغرب الأوسط وقاعدتها تلمسان. وسيأتي عن ابن سعيد وغيره ما يخالف ما قاله ابن خلدون هنا في تفسير المغرب الأقصى، وفي القاموس وشرحه والبربر جيل من الناس لا تكاد قبائله تنحصر.
قال أبو عبد الله الحميري المتوفى سنة تسعمائة في الروض المعطار في أخبار الأقطار: إنهم والحبشة من ولد حام وقيل إنهم من بقية نسل يوشع بن نون من العماليق الحميرية وهم رهط السمياع وأنه سمع لفظهم فقال ما أكثر بربرتكم وقيل غير ذلك الجمع البرابرة زادوا الهاء فيه إما للعجمة وإما للنسب وهو الصحيح.
[ ١ / ٩١ ]
قال الجوهري: وإن شئت حذفتها، وهم أي أكثر قبائلهم بالمغرب في الجبال من سرس وغيرها متفرقة في أطرافها وهم زناتة وهوارة، وصنهاجة، ونفزة، وكتامة، ولواته، ومديونه، وشباته، وكانوا كلهم بفلسطين مع جالوت فلما قتل تفرقوا كذا في الدرر الكامنة للحافظ ابن حجر.
وقال البلاذري: حدثني بكر بن الهيثم، قال: سألت عبد الله بن صالح عن البربر فقال: هم يزعمون أنهم من ولد قيس بن عيلان وما جعل الله لقيس من ولد اسمه بر.
وقال أبو المنذر: هم من ولد فاران بن عمليق بن يلمع بن عابر بن شليخ بن لوذ بن سام بن نوح، والأكثر الأشهر أنهم من بقية قوم جالوت وكانت منازلهم فلسطين، فلما قتل جالوت تفرقوا إلى المغرب، أو هم بطنان من حمير صنهاجة وكتامة صاروا إلى البربر أيام فتح والدهم إفريقش الملك بن قيس بن صيفي بن سبأ الأصغر، كانوا معه لما قدم المغرب وبني إفريقية، فلما رجع إلى بلاده تخلفوا عنه عمالا له على تلك البلاد فتقووا إلى الآن وتناسلوا، انتهى.
وما أنكره عبد الله بن صالح في نسب البربر هو الذي اقتصر عليه ابن أبي زرع في أنيسة في خصوص زناتة ومنهم بنو مرين، وبين في رفع نسبهم لقيس أن جالوت من حملة أجدادهم، وعلى مثل ذلك اقتصر أيضا ابن الخطيب في الحلل الموشية لكن قال ابن خلدون: إدخال جالوت في نسب البربر خطأ والحق أن جالوت من بني فلسطين أحد شعوب حام وهم إخوة القبط والبربر والحبشة والنوبة كما ذكرنا في نسب أبناء حام، وقد دثرت أمة فلسطين وكنعان وشعوبهما لهذا العهد ولم يبق إلا البربر، واختص اسم فلسطين بالوطن الذي كان لهم.
والتحقيق الذي لا ينبغي التعويل على غيره أن البربر من ولد كنعان انظر أوائل الجزء السابع من تاريخه فقط بسط فيه رد ما يخالف ذلك معتمدا على ما
[ ١ / ٩٢ ]
حرره إماما الفن حافظا الأندلس أبو محمد ابن حزم وأبو عمر ابن عبد البر قائلا فهم ولد كنعان بن حام بن نوح واسم أبيهم مازيغ، انتهى.
وقد جزم الحافظ ابن حجر في الفتح بأن بني مرين من البربر.
ومما يستملح إيراده هنا في مناسبة ذكر هذا الاسم أعنى اسم أبيهم ما ساقه في الاستقصا من كتاب الجمان إذ قال: لما كانت خلافة عمر بن الخطاب ﵁ واستفتحت مدينة مصر وكان عليها عمرو بن العاص، قدم عليه ستة نفر من البربر محلقين الرءوس واللحي، فقال لهم عمرو ما أنتم وما الذي جاء بكم؟ قالوا: رغبنا في الإسلام فجئنا له لأن جدودنا قد أوصونا بذلك، فوجههم عمرو إلى عمر ﵄ وكتب إليه بخبرهم، فلما قدموا عليه وهم لا يعرفون لسان العرب كلمهم الترجمان على لسان عمر، فقال لهم: من أنتم؟ قالوا: نحن بنو مازيغ، فقال عمر لجلسائه: هل سمعتم قط بهؤلاء؟ فقال شيخ من قريش: يا أمير المؤمنين هؤلاء البربر من ذرية بر بن قيس بن عيلان، خرج مغاضبا لأبيه وإخواته فقالوا بربر أي أخذ البرية، فقال لهم عمر ﵁: ما علامتكم في بلادكم؟ قالوا نكرم الخيل ونهِين النساء، فقال لهم عمر: ألكم مدائن؟ قالوا: لا، قال: ألكم أعلام تهتدون بها؟ قالوا: لا، قال عمر: والله لقد كنت مع رسول الله - ﷺ - في بعض غزواته فنظرت إلى قلة الجيش وبكيت فقال لي رسول الله - ﷺ -: يا عمر لا تحزن فإن الله سيعز هذا الدين بقوم من المغرب ليس لهم مدائن ولا حصون ولا أسواق ولا علامات يهتدون بها في الطرق، ثم قال عمر: فالحمد لله الذي منّ عليّ برؤيتهم ثم أكرمهم ووصلهم وقدمهم على من سواهم من الجيوش القادمة عليه، وكتب إلى عمرو بن العاص أن يحملهم على مقدمة المسلمين وكانوا من أفخاذ شتى (١)، انتهى.
قلت: وهذه الحكاية غريبة جدا فهي في عهدة صاحب الجمان، في أخبار الزمان، وهو العلامة المؤرخ الأجل المشهور بالشُّطَيْبِى.
_________________
(١) الاستقصا ١/ ١٣٠.
[ ١ / ٩٣ ]
وقد استفيد مما تقدم أن أكثر سكان المغرب من قبائل البربر، وعليه فلا ريب أنهم ممن ينسحب عليه ذيل القوم الذين وجدهم ذو القرنين عند مغرب الشمس الذين ذكرهم الله ﵎ في محكم ذكره لكل ما يعاملون به من الخير وضده كما قال جلت قدرته: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦)﴾ [سورة الكهف آية ٨٦، ٨٥].
قال الشيخ زروق في القواعد: لكل بلاد ما يغلب عليها من الحق والباطل، فإذا أردت أن تعرف صالح بلد أي أن تقف على الحقيقة فيما ينسب إليه من الخير والدين فانظر لباطل أهلها، أي الذي غلب على أهلها من الأوصاف المذمومة شرعا هل هو بريء منه أو لا؟ فإن كان بريئا منه فهو ذاك، أى فهو صالح كما يقال عنه، وإلا بأن كان غير سالم من تلك الأوصاف الرذيلة القبيحة في عين الشرع فلا عبرة به، أي لأن مشاركته لهم في باطلهم هي عنوان مساواته لهم في ضلالهم، فلم يتميز حينئذ عنهم بصلاح حال ولا بزكي من الأفعال، فمن أين يكون صالحا فيهم، وبحسب هذا فاعتبر في أهل المغرب الأقصى من الأوصاف المحمودة شرعا السخاء وحسن الخلق، أي لأن الباطل الغالب على أهله هو الشح وسوء الخلق، فإن وجدته أي فيمن ينسب لصلاح منهم فاعلم أنه كما يقولون، وإلا فدع أي لكونه من جملة أهل ذلك الباطل الذين تطلب أنت ضدهم، وفي أهل الأندلس كذلك، وفي أهل المشرق الغيرة لله وسلامة الصدر، لأن الباطل الذي غلب عليهم هو الأضغان والأحقاد وعدم الغيرة الدينية إلى غير ذلك، وقد أشار رسول الله - ﷺ - لهذا الأصل أي ما غلب على أهل البلاد من خير أو شر فذكر أوصاف البلاد. وعوارضها كقوله في المشرق: الفتنة ها هنا. وكذا نجد، وفي الفرس: لو كان الإيمان عند الثريا لتناوله رجال من فارس، وفي أهل اليمن: إنهم ذوو أفئدة. وفي أهل المدينة: إنهم خير الناس مع ما وصفهم الله به من قوله: يحبون من هاجر إليهم.
[ ١ / ٩٤ ]
وقال ﵊: السكينة والوقار في أهل الغنم، والفخر والخيلاء في أهل الخيل، والغلظة والجفاء في الفدادين، تبع أذناب الإبل والبقر.
وقال عمر ﵁ في إفريقية: بلاد مكر وخديعة.
وقال مولانا جلت قدرته لذي القرنين في أهل المغرب الأقصى ﴿إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ فدل على استحقاقهم لكل ما يعاملون به من خير أو شر وأنهم لذلك أهل والله أعلم، انتهى. من القواعد بزيادة شرح وإيضاح.
ولا ريب أن البربر من أهل الغنم والخيل، وأنهم من تباع أذناب الإبل والبقر كما هو مشاهد، وعليه فقد توفرت فيهم دواعي الخير والشر كما علم مما تقدم.
ثم إن أشار إليه الشيخ زورق من حمل الآية على التخبير عليه اقتصر أكثر المفسرين. ومنهم من حمل (إِمَّا) فيها على التنويع والتقسيم، ثم الذاهبون إلى الأول اختلفوا في تصويره -وفي طريق تحريره- ففي أبي السعود إما أن تعذب بالقتل من أول الأمر وإما أن تتخذ فيهم حسنا بالدعوة إلى الإسلام والإرشاد إلى الشرائع. ثم قال وخير بين القتل والأسر والجواب من باب أسلوب الحكيم، لأن الظاهر التخبير بينهما وهم كفار، ثم قال: ويجوز بأن تكون (إما)، (وإما) للتنويع دون التخيير أي وليكن شأنك إما التعذيب وإما الإحسان فالأول لمن بقي على حاله والثاني لمن تاب، انتهى.
وفي الخازن إما أن تعذب بقتل من لم يدخل في الإسلام، وإما أن تتخذ فيهم حسنا، يعني تعفو وتصفح، وقيل: تأسرهم فتعلمهم الهدى خيره الله بين الأمرين، انتهى.
وفي النسفي خير بين أن يعذبهم بالقتل إن أصروا على أمرهم، وإما أن تتخذ فيهم حسنا بإكرامهم وتعليم الشرائع إن آمنوا والتعذيب القتل، واتخاذ الحسنى الأسر، انتهى.
[ ١ / ٩٥ ]
وفي النيسابوري: خيره الله بين أن يعذبهم بالقتل وأن يتخذ فيهم حسنا وهو تركهم أحياء فاختار الدعوة والاجتهاد، انتهى.
وفي روح البيان أنت مخير في أمرهم بالدعوة إلى الإسلام، إما تعذيبك بالقتل أن أبوا وإما إحسانك بالعفو والأسر، وسماهما إحسانا في مقابلة القتل ويجوز أن يكون إما وإما للتنويع إلى آخر ما سبق عن أبي السعود، انتهى.
وفي البيضاوي فخبره الله بين أن يعذبهم أو يدعوهم إلى الإيمان كما حكى بقوله قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب -أي بالقتل على كفرهم، وإما أن تتخذ فيهم حسنا- بالإرشاد وتعليم الشرائع.
وقيل خيره الله بين القتل والأسر وسماه إحسانا في مقابلة القتل ويؤيد الأول قوله: (أما من ظلم) إلى (نكرا) أي فاختار الدعوة وقال أما من دعوته فظلم نفسه بالأسرار. ثم قال: ويجوز أن تكون (إما)، (وإما) للتقسيم دون التخيير، انتهى.
وفى البحر، وقوله: إما أن تعذب بالقتل على الكفر، وإما أن تتخذ فيهم حسنا بالحمل على الإيمان والهدى إما أن يكفروا فتعذب وإما أن يؤمنوا فتحسن فعبر في التخيير بالمسبب عن السبب.
قال الطبري: إيجاد الحسنى هو أسرهم مع كفرهم، يعني أنه خيره مع كفرهم بين قتلهم وبين أسرهم وتفصيل ذي القرنين أما من ظلم إلخ يدفع هذا القول، انتهى.
وفي ابن جرير يقول: إما أن تقتلهم إن لم يدخلوا في الإقرار بتوحيد الله ويذعنوا لذلك بما تدعوهم إليه من طاعة ربهم، وإما أن تتخذ فيهم حسنا، يقول: وإما أن تأسرهم فتعلمهم الهدى وتبصرهم الرشاد، انتهى.
وفي الفخر: خير الله ذا القرنين فيهم بين التعذيب لهم إن أقاموا على كفرهم، وبين المن والعفو عنهم، وهذا التخيير على معني الاجتهاد في أصلح الأمرين، كما خير ﵇ بين المن على المشركين وبين قتلهم.
[ ١ / ٩٦ ]
وقال الأكثرون هذا التعذيب هو القتل وأما اتخاذ الحسنى فيهم فهو تركهم أحياء.
قلت: والتخيير في الآية في أهل المغرب الأقصى على أحد القولين بين التعذيب والإحسان اللذين شرحتهما التفاسير سابقا هو بالنظر لحالهم الكفري وقتئذ أما من صار منهم بعد مسلما فليس إلا الإحسان في حقه باحترام نفسه وماله كما قال ﵊ في حديث الصحيح، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها الحديث.
وأما ما يتبادر من قول زورق سابقا، فدل على استحقاقهم لكل ما يعاملون به من خير أو شر وإنهم لكذلك، انتهى. من كونهم يستحقون ذلك حتى في زمنه الذي هم فيه على الإسلام فيتعين أن يكون محله ما يستحقونه بالذنوب التي يرتكبونها وقتئذ وإلا فالإسلام عاصم للدم والمال قطعا كما رأيت نص صاحب الشرع عليه فلا تغتر بالظواهر المقطوع بتعطيلها وعدم الوقوف معها، على أن الآية إنما هي خبر عما قيل لذي القرنين في قوم معينين فلا مساس لها بما فهمه الشيخ زورق.
وقد أشار في "صبح الأعشى" تبعا لابن سعيد إلى ما أومأ إليه الشيخ زروق من كون أهل المغرب الأقصى بعد كون الإسلام وصفهم فيهم أوصاف خيرية تقتضي الإحسان وأوصاف شرية تقتضي عدمه بقوله: قد تقدم أن معظم هذه المملكة في الإقليم الثالث أي في بعضه، قال ابن سعيد: الأقليم الثالث هو صاحب سفك الماء والحسد والقتل والغل وما يتبع ذلك قال وللمغرب الأقصى من ذلك الحظ الأوفر سيما في جهة السوس وجبال درن، فإن قتل الإنسان عندهم على كلمة وهم بالقتل يفاخرون، ثم قال: إن الغالب على أهل المغرب الأقصى كثرة التنافس المفرط والحماقة وقلة التغاضي والتهور والمفاتنة، أما البخل فإنما هو
[ ١ / ٩٧ ]
في أراذلهم بخلاف الأغنياء، فإن في كثير منهم السماحة المفرطة والمفاخرة بإطعام الطعام والاعتناء، بالفاضل والمفضول (١).
قلت: وما وسم به أهل جبال درن هو الشائع عنهم لحد الآن، وخصوصًا عن جبابرة رؤسائهم، وأما التهور والمفاتنة فقد كان ذلك ديدنا شائعًا في نواحي المغرب الأقصى وخصوصًا عند أهالي البدو من بربره إلى أن أخمدت جل ذلك جيوش الحماية، وهذه السمات وأمثالها هي التي تأهلوا بها بعد الإسلام للدخول تحت قوله تعالى: ﴿إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ﴾، ولكنهم قد اتصفوا مع ذلك بسمات حسنة التي منها السماحة المتقدمة في كلام ابن سعيد وإن خالفه ما تقدم عن زروق، ويمكن الجمع بينهما بحمل كلام كل واحد منهما على جهة من المغرب الأقصى مخصوصة، وإن أطلق كل واحد منهما في العبارة، ولكن الجمع يتعين عند الإمكان ومنها غير ذلك من الفضائل والفواضل التي امتاز بها المغرب على غيره وحفظها التاريخ، وبمثل ذلك تأهلوا بعد إسلامهم أيضًا للدخول تحت قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾، فإن قلت مقتضي التخيير استواء الطرفين مع أن المسلم إذا أتى أحد الأمور الداخلة تحت قول الحديث السابق إلا بحقها من كفر بعد إيمان أو زنى بعد إحصان أو قتل معصوم، فقد ارتهن في موجب حد، وقد تقرر أن الحدود لا يسوغ شرعًا التساهل فيها، فأين التخيير حينئذ؟ قلت: التخيير الحقيقي الموافق لظاهر الآية هو فيما عدا ما يوجب حدًا من حقوق الإسلام، وأما التخيير فيما يوجب حدًا فهو بالنظر إلى قتل النفس حقيقي أيضًا، لأن الولي له العفو فهو مخير، وأما حد الكفر، فإنما يتعين إن لم يتب، وأما إن تاب وراجع الإسلام فلا، وهذا أيضًا تخيير بالنظر إلى مرتكب ذلك بين الرجوع عما صدر منه فيخلي سبيله وبين الاستمرار عليه فيقام عليه الحد فهو تخيير في الجملة.
_________________
(١) صبح الأعشى ٥/ ١٧٨.
[ ١ / ٩٨ ]
وكذا الزاني بعد إحصان، فإنه إن ثبت عليه ذلك بإقرار، له الرجوع عنه، فهو في التخيير على وتيرة الذي قبله يليه، وإن لم يكن تخييرًا بالنسبة للحاكم الذي هو مقتضى الآية، ثم إنك إذا أعطيت النظر فيما سبق حقه تجد سائر الأقطار الإسلامية أهلها بهذا الصدد فيهم الخير والشر والفاضل والمفضول، وإنما تمايزت الأقطار والجهات بكون الخير أو الشر الذي في جهة غير ما يكثر منها في جهة أخرى، وهذا هو الذي سبق مشروحًا في كلام زروق.
وبهذا البيان يلوح لك أن آية تخيير ذي القرنين في أهل المغرب حالة كفرهم هي من أعظم مناقب المغرب وأهله، بحيث كانوا بوصف قاض عليهم بالتعذيب لا غير، ومع ذلك نصت الآية على أن العدول عنه لاتخاذ الحسنى فيهم هو أمر لا تأباه قوالبهم، ولا تقصر عن استحقاقه عواملهم، فالشر الحالي وقتئذ وبعدئذ فيهم عارض، والخير هو العرق الأصلي النابض، وكذلك كان ويكون فإنهم لا يدلون دلالة ثقة عارف ماهر على خير إلا وقصدوه، ولا يحملون حمل مجد راسخ على صلاح حال إلا وتشبثوا به وألفوه.
ولهذا جاء في بعض روايات حديث الطائفة التي لا تزال ظاهرة على الحق أنها بالمغرب، وعضدت ذلك رواية لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة، واللفظ محمول على حقيقته حتى تدل قرينة على أن المراد خلافه أو يؤدي ظاهره إلى محال، فعند ذلك يتعين صرفه عن الظاهر، على أن الحديث شامل لأهل المغرب حتى على صرفه عن ظاهره في بعض تأويلاته.
هذا ولكون ياقوت الحموي شرقيًا ضدا للمغرب وأهله أساء في معجمه حيث تكلم على البربر الذين هم معظم سكانه فأورد آثارا في ذمهم لا توجد في الأصول المعول عليها، ولا تكاد تصح عند ذوي الأنظار السليمة لمضادتها للأصول المقطوع بها، ولم يكترث بما ورد في إثم من كذب على النبي - ﷺ - وكثر سواد ذلك
[ ١ / ٩٩ ]
بكلمات أضافها لابن حوقل التاجر تنبيء عن سفه القائل والناقل، من حيث إن لكل ساقطة لاقطة ونطق الأراذل العوراء
من يعن بالمجد لم ينطق بما سفه ولم يحد عن سبيل المجد والكرم
والعيان مكذب لتلك التقولات، ومنزه للملموزين بها عن سفسافها، والنادر إن وجد لا حكم له، إذ لا يحسب الخلق السيئ على الأمة إلا إذا كان فاشيًا عند أفرادها مألوفًا عند جميعهم، يفعله فاعله منهم من غير أن يحاذر نكيرا أو يخشى لومة لائم، لا يخالفه أحد منهم إلا مستترا، ويخاف المذمة إن ظهر بالمخالفة أمام الجمهور.
فإن كان الخلق السيئ يتصف به فرد أو جماعة يستترون به أو يعلنونه مع اشمئزاز الجمهور منهم، كانت المذمة قاصرة على الفاعلين لا تعدوهم إلى الأمة بأسرها، وحينئذ يكون من الخطأ الفاحش ما ألصقه ياقوت بجنب الأمم البربرية ونبهنا على ذلك هنا لئلا يغتر به الجهول ومن في قلبه مرض ويقع في مهواة مرتعه الوخيم، وقديما حذر الناصحون من الاغترار بكل ما في بطون التواريخ حسبما مر بك فيما أسلفناه من التنبيه على ذلك في المقدمة فلا تغفل.
وقد وقع لصاعد الأندلسي وهو من أهل القرن الخامس في كتاب "طبقات الأمم" (١) أن البربر خصهم الله بالجهل والطغيان ومراده جهل العلم الفلسفي الذي هو موضوع مدحه وأن البربر لم يستنبطوا شيئًا منه بعقولهم قديمًا ولا عرفوا بالمهارة فيه.
وأقول: العلم الفلسفي لم ينفرد البربر بالخلو عنه بل قد شاركهم في الخلو عنه قديمًا أمم كثيرة، منهم العرب الذين هم أشرف الأمم حسبما تظاهرت على
_________________
(١) طبقات الأمم - ص ١٨.
[ ١ / ١٠٠ ]
ذلك الأدلة، وخلو العرب من العلم الفلسفي هو بشهادة صاعد نفسه، إذ قال (١): فهذا ما كان العرب من المعرفة، وأما علم الفلسفة فلم يمنحهم الله شيئًا منه، ولا هيأ طباعهم للعناية به إلخ.
وحينئذ فالفلسفة إن كانت شرفًا فالمصيبة إذا عمت هانت وإن لم تكن كذلك وهو دليل خلو شرف الأمم عنها فقد طهرهم الله منها، ولذلك لما فتح الصحابة - رضوان الله عليهم - بلاد فارس زمن ثاني الخلفاء الراشدين الفاروق ﵁ ووجدوا الكثير من كتب الفلسفة بها، وكتب إليه أمير الجيش سعد بن أبي وقاص ﵁ يستشيره فيما يفعل بها؟ أجابه بقوله: اطرحوها في ماء يمحوها فإن يكن فيها خير فقد أغنانا الله بأهدى منه، وإن يكن شرًا كفانا الله إياه، انتهى.
فامتثلوا ما أشار به من إعدامها بغرق أو حرق نقله ابن خلدون وغيره.
وأما تفرقة صاعد بين العرب والبربر بأن العرب كانت عارفة بفنون لغتها فهي مردودة بأن كل أمة ذات لغة كذلك، وشفوف لغة العرب تابع لشفوف أهلها وتأكد بورود الكتاب والسنة موافقين لها، فإِذَنْ إنما فزع صاعد لإظهار تلك التفرقة بين العرب وغيرها من الأمم الخالية عن الفلسفة قديمًا ليدفع الشناعة اللازمة بأن ما ذم به البربر واقع في العرب أيضًا، فكأنه يقول العرب وإن خلت عن ذلك فلها علم في الجملة وليس ذلك بدافع لها عنه، لأنه إنما يمدح بما شرف بنفسه عنده وهو الفلسفة لا بما شرف بغيره، ولأن البربر لما علموا من الشرع شفوف فنون لغة العرب سارع علماؤهم إليها حتى حصلوا على ما أدركته العرب منها، وقبل الشرع لم يتقرر شفوف لغة على أخرى، وكل الأمم كانت على علم من فنون لغتها، فلا وجه حينئذ لتلك التفرقة على أنه وإن تستر بتلك التفرقة أَوَّلًا فقد وقع في الشناعة التي فر منها ثانيًا بقوله فلم يمنحهم الله إلخ، فصار ذا ما بذلك للفريقين وكفاه بذلك قبحًا.
_________________
(١) طبقات الأمم - ص ٦١.
[ ١ / ١٠١ ]
وأيضًا شرف الفلسفة إنما هو في الدنيا لا غير، وقد ذم الله تعالى علما هذه صفته بقوله: يعلمون ظاهرا عن الحياة الدنيا وهم عن الآخرة إلخ. وكل شرف لا نتيجة له في المآل. فهو في الحقيقة وبال. على أن ابن خلدون قد عقد في الفصل السادس من مقدمته ترجمتين اثنتين بين فيهما بطلان علمي الفلسفة والتنجيم كما أومأ إلى المفاسد التي دخلت على أهل الدين من الفلسفة، وحينئذ فالشفوف الحقيقي، إنما هو لمن شرفه علمه في الحال والمآل، ولعلماء البربر من ذلك الحظ الوافر والحمد لله.
وناهيك مهم في القرن الثالث وأوائل الرابع بأبي جعفر أحمد بن نصر بن زياد البربري أحد العلماء الراسخين، ومن بهم في حفظ المذهب المالكي يضرب المثل، وبابن القوطية من أئمة العربية وهو من أهل القرن الرابع، وبأبي الحسن الجزيري من أئمة علم الوثائق وهو من أهل القرن السادس، وبشهاب الدين القرافي من أئمة المعقول والمنقول وهو من أهل القرن السابع، وبأبي محمد عبد الله بن أبي بكر الصَّودي بفتح الصاد من أئمة الحساب والفرائض وهو أيضًا من أهل القرن السابع، وبأبي محمد صالح الفاسي، وأبي محمد التادلي وهما من أئمة الفقه المضروب بهما المثل في حفظه وإتقانه علما وعملا، وهما أيضًا من أهل القرن السابع، ومثلهما في ذلك وفي الفرائض الحافظ السطي الأوربي نسبة إلى أوْربة -بفتح الهمزة والراء المهملة والباء الموحدة- بطن من البرانس كذا في سبائك الذهب، وهو من أهل القرن الثامن، وبابني الإمام أبي زيد وأبي موسى التلمسانيين من أئمة المعقول والمنقول، وهما من أهل النصف الأول من القرن الثامن، وبالإمامين العارفين سيدي إبراهيم التازي، وسيدي إبراهيم المصمودي وهما ممن حار طرفا من القرن التاسع الى غير هؤلاء ممن حفظ التاريخ شرفهم العلمي.
وقد حقق كونهم من البربر أهل الخبرة بالأنساب، العارفون بالقواعد في هذا
[ ١ / ١٠٢ ]
الباب، وأما من تأخر منهم واشتهرت معارفه في الآفاق كأبي على اليوسي، وأبي سالم العياشي فهم كثيرون والحمد لله وقد عقد البكري في المسالك والممالك، ترجمة أتى فيها بنبذة من تدقيق البربر في السياسة وحسن التلطف في استخراج الحقوق ممن غمصها والوصول إلى تحصيل المصالح بعد درء المفاسد.
وبذلك كله يتبين لك أن القول الفصل في هذا البساط هو ما نبه عليه صاحب "الاستقصا" إذ قال: البربر من أعظم الأجيال وأعزها ولهم الفخر الذي لا يجهل، والذكر الذي لا يمهل. وقد تعددت فيهم الملوك العظام. وكان لهم القدم الراسخ في الإسلام. واليد البيضاء في إعلاء كلمة الله، ومنهم أئمة وعلماء وأولياء وشعراء وأهل المزايا والفضائل (١)، انتهى.
وبعد أن كتبت ما تقدم وجدت الباقعة أبا زيد ابن خلدون سبق إلى تحرير ذلك فقال: قد ذكرنا من أمر البربر وأخباره ما يشهد بأنه عزيز على الأيام، وأنهم قوم مرهوب جانبهم، كثير جمعهم، مظاهرون لأمم العالم وأجياله من العرب والفرس واليونان والروم، وأما تخلقهم بالفضائل الإنسانية وتنافسهم في الخلل الحميدة وما جبلوا عليه من الخلق الكريم ومرقاة الشرف والرفعة بين الأمم، ومراعاة المدح والثناء من الخلق من عز الجوار، وحماية النزيل، ورعي الوسائل، والوفاء بالقول والعهد، والصبر على المكاره، والثبات في الشدائد، وحسن الملكة والإغضاء عن العيوب، والتجافي عن الانتقام، ورحمة المسكين، وبر الكبير، وتوقير أهل العلم، وحمل الكل وكسب المعدوم، وقرى الضيف، والإعانة على النوائب، وعلو الهمة، وإباية الضيم ومشاقة الدول، ومقارعة الخطوب، وغلبة الملك، بيع النفوس من الله في نصر دينه فلهم في ذلك آثار نقلها الخلف عن السلف، وحسبك ما اكتسبوه من حميدها واتصفوا به من شريفها، أَنْ قَادَتْهُم إلى
_________________
(١) الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى ١/ ١٢٠.
[ ١ / ١٠٣ ]
مراقي العز وأريت (١) بهم على ثنايا الملك، حتى علت على الأيدي أيديهم ومضت في الخلق بالقبض والبسط أحكامهم، وأما إقامتهم لرسوم الشريعة، وأخذهم بأحكام الملة ونصرهم لدين الله، فقد نقل عنهم منه ما كان ملاكا لعزهم ومقادا إلى سلطانهم، وقد كان للمبرزين من ملوكهم كيوسف بن تاشفين، وعبد المؤمن ويعقوب المريني من الاهتمام بالعلم والجهاد وتشييد المدارس، واختطاط الزوايا وسد الثغور وبذل النفوس في ذات الله، وإنفاق الأموال في سبيل الخير، ومجالسة أهل العلم، وترفيع مكانهم، والوقوف عند حد إشاراتهم، والتعرض لشكوى المتظلمين، وإنصاف الرعايا من العامل والضرب على يد أهل الجور ما شهد لهم بها آثارها الباقية بعدهم، وأما وقوع الخوارق فيهم، وظهور الكاملين في النوع الإنساني من أشخاصهم، فقد كان فيهم من الأولياء المحدثين أهل النفوس القدسية، والعلوم الوهبية، ومن حملة العلم عن التابعين ومن بعدهم من الأئمة كسعيد بن واسول جد بني مدرار ملوك سجلماسة، أدرك التابعين وأخذ عن عكرمة، وكأبي زيد مخلد ابن كيداد (٢) اليفرني الخارج على الشيعة سنة ثنتين وثلاثمائة، وكمنذر بن سعيد قاضي الجماعة بقرطبة المتوفي عام ثلاثة وثمانين وثلاثمائة، وكأبي محمد بن أبي زيد أحد أعلام المغرب، وككبير علماء أنساب البربر سابق بن سليمان وغيرهم من علماء الفنون (٣) هذا ملخص الغرض من كلام ابن خلدون وناهيك به في هذا الباب.
تنبيه: ما سبق عن زروق عن سيدنا عمر في إفريقية لا يعارضه ما أورده غير واحد كالبكري في "المسالك والممالك" وابن الدباغ في "معالم الإيمان" من الأحاديث في فضل إفريقية، لأن تلك الأحاديث لم تصح.
_________________
(١) في تاريخ ابن خلدون الذي ينقل عنه المصنف "وأوفت".
(٢) في المطبوع: "كيداء" والمثبت عن ابن خلدون.
(٣) الخبر بطوله لدى ابن خلدون في تاريخه ٦/ ١٠٣ - ١٠٦.
[ ١ / ١٠٤ ]