فصل: قال في الروض قيل: ولم تكن مكناسة في القديم ممدنة وكانت حوائر (١) كثيرة متفرقة (٢) وهى تاورا وبنو عطوش، وبنو برنوس، وبنو شاوش، وبنو موسى، وهذه كلها على الضفة الغربية من وادى فلفل المذكور، إلا تاورا فإنها بضفتيه الغربية والشرقية، وغراساتها كلها منتظمة متصل بعضها ببعض لا فاصل بينها، قال: وفلفل يعرف الآن بأبى عمائر، وفيه يقول شيخ شيوخنا الأستاذ أبو عبد الله ابن جابر في نزهة الناظر:
فلن ترى في سائر العمائر مثل محاسن أبى العمائر
يمر النهر المذكور من قبلة إلى الجوف قريبا من سورها أصله والله أعلم من جبل فازاز. هـ من خطه ملفقا (٣).
قلت: تاورا بفتح الواو والراء حسبما ضبط ذلك ابن غازى بخطه، ويعنى بكونها أى مكناسة ليست بممدنة أنها لم تكن مجتمعة الديار ولا عامة المنافع ولا منضمة الشمل بسور حافظ كما قدمه.
وإلى وادى أبى العمائر المذكور ينسب باب أبى العمائر من أبواب هذه الميدنة، وإنما نسب إليه لقربه منه وعبور الداخل إليه والخارج منه من تلك الناحية عليه، والباب المذكور هو أحد أبواب المدينة وهو واقع في شمال غربى مستقبل حمرية من باب ضريح الشريف أبى الحسن على بن محمد بن على دعى بمنون أحد رجال العلوم والمعارف المرجوع إليه بالعاصمة قديما المتوفى سنة أربع وخمسين وثمانمائة.
ومركز الباب المذكور الطبيعى هو في مقابلة باب دار البارود المعدة لتصفية ملحه، وهى إحدى آثار فخامة العاصمة قديما وهناك دار بارود أخرى كانت معدة
_________________
(١) حوائر: جمع لحائر، وهو المكان المطمئن الوسط المرتفع الحروف، ومن ذلك سموا البستان بالحائر.
(٢) في المطبوع: "مفرقة" والمثبت من الروض الذى ينقل عنه المصنف.
(٣) الروض الهتون - ص ٤٥، ٥٣.
[ ١ / ٧٧ ]
لصنعه وهى التي موقعها بالمحل بين الباب المحدث عنه وبين الباب الأخرى هناك للمدينة المسماة بباب المرس لوقوع المرس الإسماعيلى الهائل خارجها، وموقع هذا. الباب الثانى بالناحية الشرقية ومنه الآن يقع النزول لعيون أبى العمائر وكلتا الدارين من فخامة العاصمة، وقد صارت الدار الثانية التي ينزل من بابها للعيون المذكورة محلا الآن للأشغال العمومية الدولية كما أضيفت الأولى في العصر الحاضر للجنان العمومى المسمى موقعه في القديم بالحبول المعد فيما سلف مربضا لبقر الأهالى المتجرين في بيع اللبن الذى هو من أهم حاجيات تموين العاصمة.
ومن ضروريات مستشفياتها اختار الأقدمون من أهاليها مكان الحبول المذكور لاستقرار بقرهم لما فيه من الجمع بين منفعة القرب والتحصين بسور العاصمة وبابها ودفع مضرة عفوناتها باتصاله بالباب وانفصاله عن غالب المنازل، وحيث جعلت الدولة الحامية المربض المذكور بستانا عموميا وتفرقت جموع بقره بسبب ذلك داخل العاصمة، صارت الانتقادات الطبية تتوجه إلى أرباب ذلك البقر كل حين لاتصال مضرة عفوناته بالأهالى، وقد كان استقرار البقر بالحبول حاجزا عن ذلك الاتصال. وقاضيا على مضاره بالبعد والانفصال.
وباب أبى العمائر المذكور قد هدته الدولة الحامية عند حلولها بالعاصمة المكناسية ولم تبق له عينا ولا أثرًا، والقصد من ذلك إزالة الحاجز بين العاصمة القديمة والمدينة الجديدة الآتى ذكرها حتى لا تسد باب الأولى في وجه الثانية، ويتيسر سير العربات والسيارات بين المدينتين بدون أدنى حرج ولإمكان المواصلة بينهما في سائر الأوقات.
ومن هذا الباب يخرج قاصد غابة الزيتون المعروفة بحمرية المحدث بها تخطيط المدينة الجديدة وبخارجه على يمين الذاهب لفاس أو للمدينة الجديدة عيون متدفقة بالزلال العذب الفرات، كانت الدولة الحامية حصنتها بالبناء وصانتها عما
[ ١ / ٧٨ ]
كان معششا بها من القذرات، وحجرتها على خاصة الأهالى وعامتهم، وانتقتها لشربها ومن حصلت له رغبة من وجهاء الأهالى في الورود من موردها المعين طلب الترخيص من لدن الحكومة الأجنبية، فتنافس رؤساء الأهالى وأعيانهم في التحصيل على الترخيص في السقى منها، وذلك بعد أن لم تكن لديهم تلك العيون شيئا مذكورا في ماضى العصور بل كانت تعافها النفوس وتشمئز من الشرب منها القلوب، لأنها كانت محل غسل أوساخ الصوف والثياب الخلقة وأبوال الدواب والمواشى وأرواثها، ولكن النفوس ميالة ومجبولة على حب الجديد. ومحاكاة الطالع السعيد. وحريصة على الاتصال بما منه منعت، كما أنها حريصة على الانفصال عما إليه ألجئت. هذا والمحنكون وذوو المعرفة من قدماء الأهالى كانوا يحققون أن ماء تلك العيون هو وإن كان حسنا فهو أحط رتبة عما رشح له بالنسبة لغيره، ثم لما طال استيطان الفرنسيين بمكناسة أنتج البحث المدقق من عرفائهم أن أحسن ماء يوجد بالبلد خفة وصفاء وعذوبة هو ماء عين تاكما -بالكاف المعقودة- الكائنة شرقى المدينة على مسافة تنيف على أربعمائة متر تقريبا.
فحينئذ صرفت حامية مكناسة وجهتها عن ماء عيون أبى العمائر، وأباحت ورده لمن يريده من وارد وصادر، فضعفت رغبة الأهالى في السقى من ذلك الماء بعد الحرص الشديد، ورجع لها بعض ما كان بها قبل من المستقذرات كغسل الأثواب الوسخة وأدخلت الدولة الحامية ماء عين تاكما للمدينة الجديدة وقصرته عليها واستغنت به عما سواه، ثم بعد كتبي هذا أدخل ماء عين تاجما للمدينة الأهلية أيضا لمكناسة واتخذت له سقايات عمومية بأزقتها وأبيح إدخاله للدور لمن تعلقت له به رغبة بالشراء من الإدارة البلدية، وقد كان ماء هذه العين في سالف الدهور مسوقا للمسجد الأعظم بالعاصمة في ساقية وسط حائط حذو الوادى في ناحية ضريح أبى زكرياء الصبان المعروف الآن بسيدى بوز كرى، إلى أن يجرى في
[ ١ / ٧٩ ]
باب الحفاة وغيره من المسجد المذكور في الأخدود المعدلة إلى الآن هناك لتطهير أرجل الحفاة الداخلين للمسجد حفظا ونقاوة وإبعادًا لأسباب الدنس عن المسجد لما انبنى عليه الدين الحنيفى من النظافة في سائر وجهاته المقدسة المعضوض عليها بالنواجذ من رؤساء الملة الحنيفية قديما وخصوصا المؤسسين لمعابده، القائمين بتشييد محامده، ولكن لما كانت من سنة الله التي قد خلت في بلاده وعباده ولن تجد لسنة الله تبديلا إحالة الأحوال وصيرورة الكل إلى خبر كان، توفرت عوامل الإهمال، الموجبة للخراب والاضمحلال، حتى صار ذلك المجرى وما انبنى عليه نسيا منسيا، وأضيف ماء الساقية للوادى كما أضيف إليه ماء عيون أبى العمائر وغيرها مما هو بإزائه.
والوادى المذكور يسمى في ماضى الزمان بفلفل وأبى العمائر، وفى حاضره بأسامى متعددة بحسب الأمكنة المار فيها، منها بوفكران، ومنها عين معروف، ومنها در دورة.
وقد تحقق لدينا أن أصل منبعه من الكهف الكائن بقبة جبل بُوْزَ كُّو -بضم الباء وسكون الواو وبعدها وفتح الزاى وتشديد الكاف المعقودة مضمومة- الكائن هو أى الجبل بأقماشن من آيت بورزون فخذ من قبيلة بنى مطير، ويعرف الكهف المشار له بكهف الريح، سمى بذلك لشدة الرياح الصاعدة من جوفه، حتى إنه لا يكاد يمكن الإشراف على قعره ولا يكاد يمكن المشرف عليه أن يمسك نفسه معها عن السقوط في هوته كذا قيل.
وبسفح هذا الجبل بالمحل المعروف بَمزَّعتِوالْ -بفتح الميم وتشديد الزاى المفتوحة وسكون العين المهملة وكسر التاء وفتح الواو المشبعة بعدها لام ساكنة- عيون، أصل معظمها وأكثرها ماء من الكهف المذكور بدون أدنى ريب يلحق في ذلك سكان ذلك المحل، قالوا: لأنه مهما سقط بذلك الخرق شيء خرج في بعض
[ ١ / ٨٠ ]